-2-
- مما قرره العلماء الذين وعوا دور العقل ، وأنزلوه المنزلة اللائقة " أن العقل هو مناط التكليف " والمجنون جنونا حقيقيا ، لا معنويا ، كجنون قيس ليلى ، ليس بمكلف ، وقالوا : إذا أخذ ما وهب أسقط ما وجب !
- على هذا يكون شنُّ الكاتب هجومه على جميع المؤسسات الدينية على أنها خارج دائرة العقل لون من الظلم المقصود ، والافتراء المتعمد ، وجنون فكري ، وشطح جارف ، لم يبق للكاتب أيَّ اتزان في الطرح أمام سكرته بالعقل !
- حيث إن القرآن الكريم ، وقد ذكره الكاتب ، ليدلس على القارىء ، ويوهم أنه يدعو دعوته، وهو في نتيجة مقالته يلغي كل الشريعة .
أقول: القرآن قد دعا العقل إلى إعمال في مجال التفكير البصير القائم على قواعد المنطق العقلي الراشد .
أفكل العلماء والمشيخة!!!لم يفهموا ما فهم " الطبيب " العقلي الذي لو اعتنى بعقله العملي لأبدع ، وقدم للبشرية من إبداعه ، لكنه ترك مهنته ، وسرح في مسارح ليس له أن يسرح فيها ، لكنه يبدو أنه سرح تعويضا لخيبته في طبابته على ما يظهر من مقاله المتلاطم تناقضا ، والمحشو بإطلاقات ، ينأى العالم المحقق والعاقل الراشد عنها ، ولو كان الطبيب ذا خبرة بمعنى " الإطلاق" في عالم الحقائق ، والكونية منها خاصة ، لأمسك لسان قلمه عن هذا التسويد من الصفحات تحت عنوان العقل ، ونزَّهه عن ذلك!
- أبعد هذا الدليل العقلي من القرآن ، يزعم زاعم أن الأمة التي فيها آلاف من العلماء الأعلام الذين ألفوا كتبا في الاستدلال، لعل الطبيب لم يسمع بها فضلا عن أن يقرأها ، وأظن أنه لو قرأها لما وعاها !!
قال - تعالى - :{ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} دعينا إلى الحجاج بناء على قاعدة عقلية مسلَّم بها ، قد وظفها علماء التوحيد ، وهي أنه " لا يعقل " أن يسبق المسبَّب سببه ، وأن الثمرة لا تسبق في الوجود شجرتها !
أفهمت يا طبيب وجه هذا الاستنباط لهذه الحقيقة القرآنية العقلية !
- لو استجاب من يدعوه إلى تحكيم العقل بإطلاق في كل شؤون الحياة ، وقبلنا من الشريعة ما وافق عليه العقل ، وما لا يوافق العقل، عقل الطبيب طبعا ، فلنسقط الشرع ، ولو فعلنا لدخلنا في الذين وصلوا إلى الهلاك الذين عطلوا العقل والنقل معا ، أما سمعت قولهم : { وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ}.
لو انتبه الطبيب إلى إقرار أصحاب السعير، حيث قدموا بالذكر " النقل " ثم عطلوا "العقل" الذي لو أعملوه لوصلوا إلى التسليم المطلق للشرع حيث ثبت حكمه!
- مما قرره العلماء والمشايخ - الذين يهاجمهم الطبيب لا لمرض في فكرهم ، فالدليل على أنهم سليمون منه ، بل لنزغة وقع فيها الطبيب ، وتبناها ، وأطلقها صرخة مصلح يرتجف خوفا على الأمة - عبر القرون: أن الكون خلق الله ، والقرآن كلام الله ، ولا يمكن أن يتناقض كلام الله مع ما أخبر عنه مما خلق ، ولو افترض أن هناك تناقضا فمرجعه إلى أنَّ ما ظن حقيقة كونيَّة علميَّة لا تعدو نظرية مطروحة تفسيرا من باحث ما ، وما أكثر ما يطرح من نظريات ، وتشطب بعد أن تلوكها سنوات من عمر العقل العلمي ، أويكون خطأ في فهم النص القرآني ، وتوجيه له على غير هدى !
- ماذا يقول الطبيب عن علماء قالوا: ما ثبت علميا بطريق القطع واليقين تبنيه عبادة؛ لأنه يفسر لنا الكون الذي هو مسرح لعقل المسلم ، أما سمع الله - تعالى - يقول: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا}، ويقول : {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ويقول : {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.
الدعوة إلى مراجعة جميع المعتقدات والأفكار وغربلتها مهما كان مصدرها!!
- ما أطلقه الطبيب حول مراجعة " كل شيء " يكشف لنا خبيئة قاتلة فيه ، تقول : يجب التبني الكامل للعقل ، أي عقل كان ، لأنه لم يقيد بل أطلق ! والشرع يأتي إن احتجنا إليه تبعا!
- ولنقرأ جملا مما كتب الطبيب على سبيل العشوائية التي تكشف لنا بُعد الكاتب عن الصواب إلا في جمل قد أصاب فيها ليغري بما أراد أن يصل إليه :
** كتب الطبيب يبصر الأمة ، فقال : " إن إعادة النظر في جميع المعتقدات والأفكار وغربلتها - مهما كان مصدرها "
ما الذي يريده بهذا الإطلاق : " جميع "، وقوله: " مهما " الواضح الذي لا يغفل عنه أي إنسان أنه يريد الاعتقاد بالوحدانية ، واليوم الآخر والرسل والقدر ، والحلال والحرام !
فهل هناك دين تفتق عنه عقله المرضي، لأنه يتعامل مع المرضى، يبلغنا إياه هذا العقل الرسول ، وما المرجع الذي نتحاكم إليه في التبنِّي والرفض ؟ أعقله ؟ أم عقول علماء كبار كالرازي والغزالي الذي يزن كلٌّ منهم أطنانا من مثل عقله ؟ وما مراده من " مهما " أيريد: وإن كان من القرآن أو السنة أومن ثمرات العقول المنورة من علماء الأمة ؟ الإطلاق هنا يدل على أنه لا يحترم مبادىء العلم التي يتستر بالدعوة إليها.
** يقول :" عن التبعية العمياء أو السلطان القاهر أو كذب الدجالين أو حيل المشعوذين أو استغفال العقل والتقليل من قدراته أو التعامي عن إبداعات "!!
- أكل ما لدى المؤسسات العلمية التي يضع فيها فأس تهديمه، وكل المشيخة التي ركز فيها رمحه طعنا حتى بنواياها، يتبعون اتباعا أعمى ؟
أما فيهم من يأخذ من القرآن والسنة ؟
أما كان على الباحث العقلاني أن يأتي بنموذج واحد ، وإن كان فلا يصدق عليه التعميم !
ثم من قصد " بالمشعوذين " ؟ ثم أما كان بدلا من هذا التعميم الذميم أن يذكر لنا من " إبداعات عقله " الذي نجا من الشعبذة ، أو أي إبداع عقلي رده العلماء ؟
الحلقة السابقة هـــنا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


