رسالة بخط العلامة المحدِّث الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: مرسلة إلى شيخه العلامة الفقيه مصطفى الزرقا حول قصة رؤيا نور الدين الشهيد اثنين من الروم يريدان سرقة الجثمان النبوي الشريف من القبر المطهر.
- حول الرؤيا المزعومة لنور الدين الشهيد أنه رأى في منامه أن اثنين من الروم سعيا في سرقة الجثمان النّبوي الشريف من القبر المُطهَّر، وأنَّها كذب باطلة لا أصل لها-
وُلد نور الدين الشهيد (محمود بن زنكي) بحلب سنة 511هـ وتوفي بدمشق سنة 569 رحمه الله تعالى.
وقد ترجم له أو كتب سيرته غيرُ واحد من المؤرِّخين الضابطين المتقنين ممَّن عاصره وكاتبه، كالإمام ابن الجوزي في "المنتظم". وقد توفي ابن الجوزي بعده سنة 589، وكالإمام أبي شامة المقدسي، فقد صنَّف في سيرته ودولته وسيرة تلميذه وصاحبه صلاح الدين الأيوبي كتابًا كبيرًا في مجلدين سمَّاه: كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النُّوريَّة والصلاحيَّة، وحكى فيه ما صَغُر شأنه وكَبُر من أخباره، وأبو شامة ولد سنة 599 بدمشق، وتوفي سنة 665، وكذلك أَّلف في سيرته المؤرخ بدر الدين محمد بن أبي بكر بنِ شهبة الدمشقي، المتوفى سنة 874 كتابا سماه: "الدر الثمين في سيرة نور الدين"، وهذا لم يطبع.
أما من ترجم للملك نور الدين الشهيد ترجمةً ضمن تراجم العلماء والملوك والعظماء فغير واحد، وقد أسهبوا في ترجمته خاصَّة كما يقول المتنبي:
وقــد أطــال ثنائي طــول لابــســه ** إنَّ الثناء على التنبال تنبالُ
- فمنهم ابن الأثير في "الكامل"، وقد توفي سنة 630، والقاضي ابن خلَّكان في "وفيات الأعيان"، وتوفي سنة 681، والعلامة عمر بن الوردي في "تتمة المختصر في أخبار البشر"، وسبط ابن الجوزي في "مرآة الزمان"، والحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية"، وإمام المحدِّثين والمؤرِّخين الحافظ الذهبي في "تاريخ الإسلام" و"سير أعلام النبلاء" و "العِبَر" و "دُوَل الإسلام"، وغيرُ هؤلاء كثيرون، وكلهم لم يذكروا هذه الأسطورة في ترجمته. وذكر بعضهم حتى الذهبي منامات ورؤى ليست بذات شأن كبير حُكيت عنه، فلو كان لهذه القصة أصل لكان ابن الجوزي معاصره ومُكاتِبه ومؤرِّخه – وهو حريص على ذكر اللطائف والرؤى-، وغيره ممن ترجم له، ذكرها واهتمَّ بها لأنها منقبة بارزة فريدة لنور الدين، فإطباقهم على عدم ذكرها دليلٌ على اخْتلاقها بعد نحو قرنين من وفاته. وأول من ذكرها المطري المدني، وهو جمال الدين محمد بن أحمد المتوفَّى سنة 741 فإنَّ له تاريخًا للمدينة المنورة.
وترون في "سير أعلام النبلاء" استيفاء الذهبي لصغير مناقب نور الدين، فلو كانت صحيحة لذكرها، وقد ذكر في القصة أنَّ نور الدين صبَّ الرصاص حول القبر الشريف سياجًا واقيًا من الوصول إلى الجثمان الشريف. قال أحمد زكي باشا: والرصاص جسم ليّن وليس هو كالحديد الصلب ليكون حجابًا مانعًا من ذلك.
وقد نبَّه إلى افتعال هذه الأسطورة العلَّامة المؤرِّخ الأديب أحمد زكي باشا شيخ العروبة في مصر، المتوفَّى سنة 1353ـ = 1934 رحمه الله تعالى، في مقالة له ضافية وافية، كتبها في إحدى المجلات المعتبرة بالقاهرة، (ولا أتذكر اسمَها الآن لبُعد عهدي بها من نحو 45 سنة) ونقدها، وكشف صُنعها بالاستناد إلى الكتب التي أرَّخت وترجمت للملك نور الدين الشهيد رحمه الله تعالى، إذْ أطبقت على خُلوِّ ترجمته من ذكرها، وبعضها تعرَّض لتأريخ سنوات ملك نور الدين سنة سنة وحادثة حادثة، فلم يذكروها، وقد زعم جمال الدين المطري أنَّها وقعت في سنة 557، وقد تعرَّض لحوادث هذه السنة غيرُ واحد من المؤرِّخين الذين ألفوا تاريخهم على السنين كابن الجوزي في "المنتظم"، وابن الأثير في "الكامل"، والحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية"، وغيرهم وغيرهم، فلم يذكروها إجمالًا ولا تفصيلًا.
وهي من جلائل المناقب ومآثر الأعمال التي تُصدَّر بها ترجمة نور الدين الشهيد لو كانت صحيحة، ولا يعقل ثبوتها واتِّفاق المؤرخين النقَّاد الضابطين المتقنين وإجماعهم على إغفالها، ثم يأتي بعض الكاتبين عن المدينة المنورة في القرن الثامن فيذكرها بعد نحو قرنين، وهو جمال الدين المطري المتوفى سنة 741 رحمه الله تعالى، وليس هو من نقَدَة التاريخ وصيارفة الأخبار، وإنَّما هو قمَّاش جمع في كتابه ما صحَّ وما لم يصح ممَّا يروج عند العامة في زمانه من أساطير وأخلوقات، وهذه الأسطورة منها.
واستدلَّ على بطلانها أيضًا بما حُكي فيها من صبِّ الرصاص حول الخندق وتَمَثُّل السارقين بصورة التعبُّد والزهد والكرم على أهل المدينة، وخفاء أمر حفرهما السرداب الطويل من خارج المدينة حتى وصلا إلى قرب الحجرة الشريفة، كما تبدو صنعة الافتعال في سياق القصة، وساق الأدلة الكثيرة المقنعة الملزمة بالجزم ببطلانها في صفحات طوال كثيرة. هذا ما بقي في ذهني منها، والله تعالى أعلم.
وكتبه تلميذكم عبد الفتاح أبو غدة
في 23/5/1412 بالرياض
استدراكة: ولعل العلَّامة أحمد زكي باشا ذكر فيما أظن: أنَّ الرؤيا – على ما ذُكِر في الخبر- كانت بدمشق، وتجهَّز نور الدين على فورها متوجِّهًا إلى المدينة المنورة بجيش وحشم وأصحاب، والطريق يحتاج إلى أكثر من عشرة أيام أو نحوها حينذاك، فهذا أمر لا يَخفى ولا يُخفى، بل إن انتقال ملك بسرعة وعودته لمقرّه بسرعة تسيرُ بحديثه الركبان والبلدان. ومن أدلة صُنعها: كُبرها وإهمال ذكرها في ترجمة ملك صالح تُلتمس مناقبه، وقد جرت سنَّة الله أن يكون مع الباطل ما يدحضه، ففي المتن فضلًا عن فقْدِ سندِه، من الباطل ما يُثبت حقيقة فَنَدِه.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


