لقد انتشرت في العقود الأخيرة خطابات تكفيرية تسعى لتشويه المجتمعات الإسلامية، وإلصاق تهم الشرك والضلال بها، متناسية أن هذه الأمة منذ قرون كانت منارة للعلم والتوحيد والوسطية، ولا تزال كذلك.
ومن المؤسف أن بعض الدعاة المتسلفة، مهما حاولوا إظهار الاعتدال، لا يلبثون عند المنعطفات الحاسمة أن يكشفوا نزعتهم التكفيرية، متجاوزين كل ضوابط العلم وأحكام العقيدة.
سورية بلد العلم والتوحيد
سورية ليست أرضًا للشرك ولا للوثنية، بل هي موطن التوحيد والعلوم الإسلامية والعلماء الربانيين الذين نشروا الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة. فهي بلد الإمام ابن عابدين، والعلامة الزرقا، والشيخ الدواليبي، والسباعي، وغيرهم من أعلام الفقه والعلم الشرعي.
لم تكن الشام يومًا أرضًا تحتاج لمن "يصحح عقيدتها"؛ بل كانت منارة اهتدى بها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها.
لذلك، نقول لمن يأتي ليبيع بضاعة التكفير والتشريك:
لا مرحبًا بك في سورية إن كنت قادمًا لإثارة الفتنة بين المسلمين. أما إن كنت زائرًا أو سائحًا، فلك ما للضيف من الحقوق، ما لم تتجاوز حدود الضيافة بنشر الفتنة بين أبناء البلد الواحد.
وإن كنت تبحث عن أرضٍ للدعوة، فالأجدر بك أن تذهب إلى الأماكن التي لم تعرف الإسلام بعد، حيث يحتاج الناس لمن يعلمهم التوحيد، بدلًا من تكفير المسلمين في بلادهم.
الحذر من الفتنة بين المسلمين
لقد عانى المسلمون من فتن التكفير التي مزقت صفوفهم، وزرعت العداوة بينهم، وأضعفت قوتهم، حتى صارت هذه الفوضى بيئة خصبة لأعداء الأمة.
لن نسمح لأحد أن يصف الشعب السوري المسلم بالشرك أو الضلال، كما أننا لا ننكر أن في المجتمع أخطاء وانحرافات، لكنها لا تخرجه من دائرة الإسلام. مسؤوليتنا هي الإصلاح بالحكمة، والتوجيه بالرفق، لا بالتكفير والتبديع والاستعلاء. أما من يقيس حال الشعب السوري بحال المسلمين الذين أجبروا على الإلحاد في ظل الأنظمة الشيوعية، فهذا افتراء وجهل بحقيقة الواقع.
الشام لم تخلُ يومًا من حلقات العلم، ولم تنقطع عنها المدارس الشرعية، بل خرجت منها شخصيات علمية كان لها أثر كبير في الأمة.
رسالة إلى دعاة السلفية التكفيرية
ليس كل من انتسب إلى السلفية يمثل حقيقتها، فالسلفية الشامية العلمائية كانت منفتحة، جمعت بين احترام علماء الأمة والتراث الإسلامي، ونبذت التعصب..
وهنا نذكر بالتقدير والاعتزاز سلفية العلماء الأجلاء الشيخ جمال الدين القاسمي والشيخ بهجة البيطار رحمهم الله، التي جمعت بين فقه ابن تيمية وابن القيم، وبين توقير أئمة التصوف والعلم كابن عربي والسبكي.
نرفض أن تتسلل السلفية التكفيرية إلى سورية الجديدة فتكون أداة لتمزيق الأمة، والمجتمع كما نرفض أي فكر يحرض المسلمين بعضهم على بعض.
لقد رأينا وبألم بالغ كيف زرع التكفير الفوضى في بلاد المسلمين، من أفغانستان إلى غيرها، حتى أصبح سلاحًا يحقق أهداف أعداء الإسلام.
دعوة لمراجعة النفس ونبذ الغلو
لذلك، نحذر من هذا النهج المدمر، وندعو إلى مراجعة النفس، وإعادة النظر في خطابات التكفير والتفسيق، وصيانة الدين من أن يُلوث بالغلو والتشدد والتنطع. إن الإسلام دين الرحمة والتسامح، وهو الوسطية بربانيته وشموله، وليس دين الإقصاء والتكفير.
ختامًا:
سورية ستبقى بلد العلم والإيمان والدعوة، وسيعود علماؤها المهجرون بعون الله ليكملوا رسالتهم، بتعليم الناس وهدايتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، لا بالتكفير ولا بالتحريض.
تنبيه:
من كان يحمل فكرًا يقسم الأمة ويمزقها، فلن يجد – بعون الله وتوفيقه، وبوعي الشعب والعلماء – في هذا البلد بيئة ترحب به. والله الموفق.
بقلم: د. محمد بشير حداد
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


