تجريم الأسدية حماية للذاكرة السورية

تجريم الأسدية حماية للذاكرة السورية

التصنيف: حاضر العالم الاسلامي
الجمعة، ١٨ محرم ١٤٤٨ هـ - ٣ تموز ٢٠٢٦
124

يقول الله تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ). ليست الآية نهياً عن الظلم وحده، بل عن الميل إلى أهله، وتزيين صورتهم، وفتح الطريق لعودتهم إلى وجدان الناس كأن شيئاً لم يحدث. وفي المعنى ذاته، غضب النبي ﷺ حين شفع بعضهم لامرأة ذات مكانة سرقت، وذكّر بأن الأمم تهلك حين يُترك صاحب النفوذ إذا أجرم، ويُحاسب الضعيف وحده إذا أذنب.
من هذا المدخل يمكن فهم الدعوة إلى تجريم الأسدية في سورية الجديدة، فالمسألة ليست ثأراً، ولا خصومة مع جماعة أو منطقة أو بيئة اجتماعية، بل رفض لعودة منظومة ظلم موثقة إلى المجال العام عبر التجميل أو التبرير أو الإنكار. فالخطر لا يكمن فقط في الجريمة حين تقع، بل في الخطاب الذي يأتي بعدها ليغسلها، أو يستخف بضحاياها، أو يقدّم مرتكبيها كأصحاب "وجهة نظر".
الأسدية هنا ليست هوية أهلية، بل بنية سياسية وأمنية ودعائية قامت على تقديس الحاكم، وتحويل الدولة إلى أجهزة، وتحويل المجتمع إلى كتلة خائفة. وهي، بعد سقوط النظام، كل فعل علني يلمّع تلك المنظومة، أو ينكر انتهاكاتها، أو يبرر قتل السوريين وتعذيبهم وإخفاءهم وتهجيرهم. لذلك فإن تجريم الأسدية يجب أن يُفهم باعتباره حماية للحقيقة لا عدواناً على حرية التعبير.
من هنا تبرز أهمية تفعيل المادة 49 من الإعلان الدستوري، لا بوصفها عبارة رمزية، بل أساساً لتشريع واضح. فالنص الذي يجرّم تمجيد النظام البائد ورموزه، وإنكار جرائمه أو تبريرها أو التقليل من شأنها، يحتاج إلى أدوات تنفيذية دقيقة: تعريف قانوني للأفعال المجرّمة، إجراءات قضائية عادلة، وضمانات تمنع تحويل الاتهام إلى وسيلة تشهير أو تصفية حسابات.
لقد أعادت قضية الطبيبة رانيا العباسي وزوجها وأطفالها ومديرة مكتبها سؤال الذاكرة إلى الواجهة بقسوة. لم يكن الجرح في كشف المصير وحده، بل في أن يظهر من يشكك ويهين ويكابر بعد كل هذا الفقد. إن إنكار الضحية، بعد قتلها أو تغييبها، ليس رأياً سياسياً، إنه اعتداء جديد عليها وعلى أهلها وعلى المجتمع الذي يحاول أن يرمم ذاكرته من تحت الركام.
ولم يبق هذا النقاش في حدود التحليل. فقد أطلق ناشطون حملة "تجريم الأسدية مطلبنا"، مطالبين بنقل المادة 49 من النص إلى التطبيق. ودعت الحملة إلى محاسبة من يمجّد النظام البائد أو ينكر جرائمه أو يبررها، باعتبار ذلك تهديداً للسلم الأهلي وامتهاناً لحقوق الضحايا. كما ظهرت الحملة ميدانياً في صالة الفيحاء بدمشق، حيث رُفعت صور الشهيدة رانيا العباسي وعائلتها ولافتات تطالب بتفعيل المادة، في إشارة إلى أن الأمر صار مطلباً مجتمعياً لا نقاشاً حقوقياً محدوداً.
وهنا يجب رسم الحدّ بدقة. تجريم الأسدية لا يعني إسكات النقد، ولا منع التظاهر، ولا تخوين المطالب المعيشية. فمن حق السوري أن يطالب بالكهرباء والخبز والعمل والسكن والشفافية. بل إن هذه المطالب جزء من معنى الكرامة التي خرج السوريون لأجلها. لكن من حق المجتمع أيضاً أن يرفض استخدام هذه المطالب غطاءً لتعويم من برروا الحصار والتجويع والاعتقال والقتل، أو مدخلاً لإعادة تدوير خطاب النظام السابق في ثوب جديد.
ومن آثار ترك خطاب الأسدية بلا ضبط أن بعض فلول النظام وأعوانه وجدوا في المطالب المعيشية باباً للعودة إلى المشهد العام. فقد ظهرت في بعض التحركات أمام البرلمان شخصيات كانت، زمن الأسد، مؤيدة له أو مدافعة عنه أو صامتة عن جرائمه، ثم خرجت بعد التحرير تحت عناوين الخبز والكهرباء والدولة المدنية. وهذه العناوين، في ذاتها، لا غبار عليها، فالخبز حق، والكهرباء حق، والدولة العادلة مطلب لكل السوريين. لكن الإشكال يظهر حين تُستخدم هذه المطالب، الصادقة أحياناً والملتبسة أحياناً أخرى، لا للضغط من أجل تحسين حياة الناس، بل لتقويض مسار العدالة الانتقالية، وتشتيت الانتباه عن محاسبة الجناة، وفتح نافذة لإعادة تأهيل من برروا الاستبداد أو سكتوا عن جرائمه حين كان في أوج قوته. لذلك لا يكفي أن نقرأ الشعار المرفوع، بل ينبغي أن نقرأ أيضاً الذاكرة السياسية لمن يرفعه، وموقعه من الضحية والجلاد، وموقفه من محاسبة المجرمين.
المعيار إذن ليس موقف الإنسان من الحكومة الراهنة، ولا رأيه في الخدمات، ولا مشاركته في احتجاج سلمي. المعيار هو موقفه من الجريمة. من ينتقد السلطة ويطالب بحقه، مع اعترافه بآلام الضحايا ورفضه لمنظومة القتل، يمارس حقاً مشروعاً. أما من يستثمر لغة الحقوق ليطعن في الضحايا، أو يمحو تاريخ السجون والمجازر، أو يصور العدالة كحقد جماعي، فهو لا يدافع عن الحرية، بل يستعملها ضد معناها.
وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون القانون محصناً من الانزلاق إلى التعميم. لا مسؤولية على أساس الولادة أو اللهجة أو المنطقة أو الخلفية الاجتماعية. المسؤولية في دولة القانون فردية ومحددة: من قتل، أو عذّب، أو أخفى، أو حرّض، أو مجّد الجريمة، يُحاسب بحسب فعله ودليله. أما الناس بوصفهم جماعات، فلا يجوز أن يُحمّلوا جريرة نظام استخدم الجميع وأذل الجميع ودمّر الدولة والمجتمع معاً.
وليست فكرة تجريم الدعاية لمنظومات الجريمة غريبة عن التجارب الحديثة. ففي دول عدة توجد قوانين تمنع الترويج لحركات ارتبطت بالإبادة أو الحكم الشمولي أو العنف أو تهديد النظام العام. ألمانيا، مثلاً، لا تساوي بين حرية التعبير وبين الدعاية النازية أو بعض صور جرائمها، رغم رسوخ نظامها الديمقراطي. والدرس المقارن هنا ليس استنساخ نموذج أجنبي، بل إدراك أن الديمقراطية نفسها قد تضع حدوداً عندما يتحول التعبير إلى تمجيد للعنف المنظم أو إذلال للضحايا.
لكن هذا النوع من التجريم يجب أن يبقى موجهاً إلى الفعل العلني لا إلى الضمائر. لا أحد يُحاسب على فكرة مكتومة أو تاريخ عائلي أو خوف قديم. المحاسبة تكون على خطاب ظاهر يبرر الجريمة، أو يحرّض، أو يمجّد رموز القمع، أو ينكر وقائع موثقة. بهذا فقط يصبح القانون أداة حماية للسلم الأهلي، لا أداة قمع جديدة.
أما عبارة "العدالة للجميع" فلا ينبغي أن تُستخدم للهروب من أصل الجريمة. نعم، كل انتهاك يجب أن يُحقق فيه، أياً يكن مرتكبه وزمنه. لكن لا يجوز تحويل هذا المبدأ إلى مساواة زائفة بين منظومة حكم جعلت القتل سياسة، وبين وقائع لاحقة يجب أن تُعالج بالقانون. العدالة لا تعني خلط الملفات، بل إعطاء كل جريمة حجمها وسياقها ومسؤوليتها.
العدالة الانتقالية ليست انتقاماً، لكنها ليست نسياناً. وهي مسار طويل يحتاج إلى كشف مصير المفقودين، وتوثيق الجرائم، وحماية الشهود، وجبر الضرر، ومحاسبة المتورطين، وإصلاح المؤسسات التي صنعت الخوف. غير أن طول الطريق لا يبرر تعطيل البداية. فلا يمكن بناء وطن جديد فوق ذاكرة مزورة، ولا مصالحة حقيقية فوق إنكار الجراح.
إن تفعيل المادة 49 يجب أن يكون جزءاً من بناء الدولة لا بديلاً عنها: قانون واضح، قضاء عادل، حرية نقد مصانة، ومجال عام لا يسمح في الوقت نفسه بتبييض الاستبداد. فحين تكون الجرائم موثقة بالصوت والصورة والشهادة والمقابر والمعتقلات، لا يعود تبريرها رأياً بريئاً، ولا إنكارها اختلافاً سياسياً، ولا تمجيد مرتكبيها ممارسة عادية.
سورية تحتاج إلى خبز وكهرباء وعدالة معاً، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى بوصلة أخلاقية لا تساوم على دماء الضحايا. وتجريم الأسدية، إذا صيغ بضمانات قانونية واضحة، ليس تضييقاً على السوريين، بل حماية لهم من عودة المنظومة التي أذلتهم وقتلتهم. فالعدالة هنا ليست رفاهية مؤجلة، إنها شرط قيام الوطن.
تجريم الأسدية، وتجريم تمجيدها أو تبريرها أو التهوين من جرائمها، ليس خياراً سياسياً عابراً، بل حق شعبي ووطني وقانوني ودستوري، وشرط لحماية الذاكرة وبناء سورية لا مكان فيها للجلاد فوق الحقيقة.


بقلم: فراس رياض السقال

09.06.2026

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

الاسلام على مفترق طرق - محمد بن عمر بن سالم بازمول
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩الاسلام على مفترق طرق - محمد بن عمر بن سالم بازمول
يرى المسلم في هذا العصر اختلافاً كثيراً حيثما وجّه وجهه، سواء في باب مسائل الفقه من عبادات...
مرجعيّة - قيم الإسلام تناسب الإنسان ، وتلائم فطرته ، وتقدّم أساساً سليماً لتطوّره
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩مرجعيّة - قيم الإسلام تناسب الإنسان ، وتلائم فطرته ، وتقدّم أساساً سليماً لتطوّره
  مرجعيّة " القِيَم " عند المسلم   منذ القرون الإسلاميّة الأولى بحث...
تعريف بركن حاضر العالم الإسلامي - رسالتنا
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بركن حاضر العالم الإسلامي - رسالتنا
ركن : حاضر العالم الإسلامي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " مثل المؤمنين في تو...