بعد أن تطوف بك آيات سورة الشورى بين مشاهد الخوف والرجاء، فتريك الظالمين مشفقين مما كسبوا، والمؤمنين في روضات الجنات، وتقرر أن الله تعالى عليمٌ بذات الصدور، تأتي هذه اللمسة القرآنية الحانية، وكأنها نافذة نور تُفتح لمن أثقلته ذنوبه، أو أضناه تقصيره، أو طال به الطريق في غير هدى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 25-26].
فقد يطول بالإنسان طريقُ الخطأ، حتى يخيَّل إليه أن المسافة بينه وبين الله قد اتسعت، وأن الذنوب التي أثقلته قد أقامت بينه وبين رحمته سدًّا لا يُجتاز، وأن ما مضى من عمره صار شاهدًا عليه لا له...
وقد يلتفت إلى ماضيه فيرى زلاتٍ تتتابع، وتقصيرًا يتراكم، وأبوابًا كان ينبغي أن تُطرق فلم يطرقها، وأيامًا كان ينبغي أن تُملأ بالطاعة فإذا بها تمضي مثقلةً بالغفلة.
تحريض وتحبيب وتودد: «وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ».
تأمّل هذا التعبير الجليل؛ فإن الله تعالى لم يقل: يقبل التوبة من الناس، ولا من التائبين، وإنما قال: {عَنْ عِبَادِهِ}. وكأن في اختيار لفظ العباد إيماءً إلى لطف الله بعباده، ورعايته لهم، وأن مقام العبودية – على ما فيه من ضعفٍ وتقصير – لا يحجب عنهم فضل ربهم ورحمته. فالخالق سبحانه يحب صلاح عباده، ويفرح برجوعهم، ولا يقطع عنهم طريق الإنابة مهما أثقلتهم أوزارهم.
سر التعبير بالمضارع: {يَقْبَلُ}
فالمضارع صالح للدلالة على الاستقبال والتجدد؛ وفي ذلك تحريضٌ على المبادرة إلى التوبة، وإشعارٌ بأن قبولها ليس حادثةً انقضت، وإنما هو من شأن الله تعالى المستمر مع عباده: كلما رجع تائب، وكلما انكسر قلب، وكلما صدقت إنابة، وجد باب القبول مفتوحًا.
بل في الآية – على ما قرره أهل التفسير – بشارة للمؤمنين الذين خرجوا من ظلمات الشرك والجاهلية إلى نور الإيمان؛ فإن الذي من شأنه أن يقبل التوبة مستقبلًا، قد قبل توبة من تاب إليه من قبل. وهكذا يجري القرآن على عادته في تعقيب الترهيب بالترغيب، والخوف بالرجاء، حتى لا يطغى أحدهما على الآخر.
فلا يقنّطك ذنبٌ من التوبة، ولا يحملك طولُ التقصير على الإصرار، ولا تقل: لقد أسرفتُ حتى لم يعد لي إلى الله طريق.
بل الطريق هو الطريق... والباب هو الباب... ورحمة الله أوسع من ذنبك، إذا صدقت في الرجوع إليه.
إن التوبة ليست مجرد عودة العبد إلى الله، بل هي – في جانب من جوانبها – رحمة الله بالعبد حين يوفقه إلى العودة.
فمن الذي أيقظ قلبك بعد الغفلة؟ ومن الذي جعل الذنب يؤلمك بعد أن كان يمر عليك باردًا؟ ومن الذي ساق إلى قلبك خاطر الندم؟ ومن الذي فتح لك باب الاستغفار؟ إنها رحمة الله قبل التوبة، ورحمة الله مع التوبة، ورحمة الله بعد التوبة.
مفردة: (العفو) أشمل وأوسع من غيرها:
ثم يأتي التعبير الثاني: {وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ}. وهنا يزداد المعنى اتساعًا؛ فإن العفو أبلغ وأشمل من مجرد المحو. فالعفو يتضمن معنى الترك وعدم المؤاخذة، ويتضمن معنى الستر والتغطية، حتى كأن الشيء قد أُعرض عنه فلم يُلتفت إليه.
ولهذا كان العفو عن السيئات أعم من مجرد قبول التوبة؛ فهو تعميمٌ بعد تخصيص، وامتدادٌ في الرحمة بعد ذكر التوبة.
وإذا كان المحو هو إزالة الأثر وذهاب ما يبدو من الشيء، فإن العفو يشمل المحو ويزيد عليه؛ ولذلك كان أنسب في التعبير عن قبول التوبة وما يترتب عليها من فضل الله.
من معاني وبلاغة التعدية بــ (عن) {عَنِ السَّيِّئَاتِ}:
فلم يقل: ويعفو السيئات، بل عدّى فعل العفو بحرف «عن»، وحرف «عن» يحمل في أصل دلالته معنى المجاوزة والابتعاد؛ تقول: انصرف عنه، وانتقل عنه، ونأى عنه، وأعرض عنه. فكأن التعبير يصوّر الذنوب وهي تُباعد عن التائب، وتنفصل عنه، ولا تعود حائلةً بينه وبين رحمة ربه.
إنها صورة لغوية لطيفة: ذنبٌ كان ملتصقًا بالعبد، ثم تأتي رحمة الله فتجاوزه عنه، وتباعده عنه، حتى لا يبقى ذلك الماضي حاجزًا يحول بين التائب وبين مولاه. ومن هنا تظهر سعة رحمة الله وغفرانه وعفوه؛ فهو لا يقبل التوبة فحسب، بل يعفو عن السيئات، ويباعد بينها وبين صاحبها.
بل قيل في سر تعدية الفعل بـ«عن»: إن فيها معنى ردّ الذنب عن العبد وحمله عنه؛ فكأن الحق سبحانه، حين يقبل توبة عبده، يرد عنه ذنبه، ويحمله عنه، فلا يبقى ذلك الحمل الذي أثقل ظهره.
فيا لها من رحمة! عبدٌ جاء مثقلًا بذنبه، منكسرًا بتقصيره، فيرجع إلى مولاه، فإذا بربه يقبل توبته، ويعفو عن سيئاته، ويزيل عنه أثر ما سلف.
ختام الآية بإحاطة علم الله وشموله:
ثم تأتي الجملة التي قد تثير في النفس شيئًا من الخوف: {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}. وهنا يتجلى تناسق عجيب في السياق.
فحين كان المقام مقام عفوٍ ورحمة، صُرّح بالسيئات فقال: {وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ}. أما حين جاء مقام التهديد، لم يقل: ويعلم زلاتكم، أو يعلم سيئاتكم، وإنما قال: {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}. فجاء التعبير أوسع وأشد إحاطة؛ لأن «ما» من صيغ العموم والشمول، ولأن قوله: {تَفْعَلُونَ} جاء بالمضارع، فلم يقل: «ما فعلتم». فالله يعلم ما مضى من أعمال عباده، ويعلم ما يتجدد منها، ويحيط علمه بكل حركةٍ وسكنة، وبكل طاعةٍ وزلة.
توالي الأفعال المضارعة: {يَقْبَلُ}... {وَيَعْفُو}... {وَيَعْلَمُ}:
بل إن تتبع الأفعال المضارعة في الآية يلفت النظر إلى معنى التجدد والاستمرار {يَقْبَلُ}... {وَيَعْفُو}... {وَيَعْلَمُ}. ثلاثة أفعال أسندها النظم الحكيم إلى فاعل واحد: الله سبحانه. فكما أن التائبين يتجددون، فإن قبول التوبة والعفو والعلم بأحوال العباد لا ينقطع؛ رحمة الله لا تنفد، وعفوه لا ينقطع، وعلمه لا يغيب عنه شيء.
الانتقال من الحديث عن فضل الله على التائبين إلى فضل الله على المؤمنين:
{وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ}. وهنا تظهر مقابلة بديعة بين حال العبد وحال الرب. العبد يستجيب لدعوة ربه، وربه يستجيب لعبده. فالذين آمنوا وعملوا الصالحات يستجيبون لله فيطيعونه، ويستجيب الله لهم فيما يرجونه منه من الثواب، وما يدعونه به من الحاجات.
وعلى كلا المعنيين تتسع الآية لمعنى كريم: إن المؤمن لا يخرج من استجابته لله خالي الوفاض؛ بل يستجيب له ربه، ثم يزيده من فضله. وما أوسع هذه الزيادة! يعطيه ما سأل، وقد يعطيه فوق ما سأل. ويعطيه من الثواب أكثر مما عمل. ويعطيه من خير الدنيا ما لم يخطر له على بال، وما لم يسأله بلسانه، لأنه سبحانه لطيف به، مدبر لمصالحه.
وهنا لا تنتهي القصة عند مجرد الاستجابة؛ لأن الله سبحانه لا يعامل عبده بمقدار عمله فحسب، وإنما يفتح له باب الفضل.
يستجيب... ثم يزيد. يقبل التوبة... ثم يعفو عن السيئات. يعلم الذنب... ثم لا يحرم التائب من رحمته. وما ذلك إلا لأن عطايا الله ليست على قدر أعمالنا، وإنما على قدر فضله وكرمه. ولذلك جاء التعبير: {وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ}. فالزيادة ليست استحقاقًا محضًا، وإنما هي فضلٌ من الله. فالزيادة فوق الأصل. وفوق المقدار. وفوق ما يتوقع العبد. إنه فضل الله... والفضل إذا جاء من الله فلا تحده مقاييس البشر.
وهكذا تنتظم الآيتان في لوحة واحدة:
تائبٌ يرجع، فيجد القبول. ومذنبٌ يستغفر، فيجد العفو. وعبدٌ يعمل، والله يعلم. ومؤمنٌ يستجيب، فيلقى الاستجابة. وصالحٌ يعمل، فيأتيه الفضل والزيادة. ثم يأتي ختام المقابلة: {وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}. فباب الرحمة مفتوح، ولكن ليس معنى ذلك أن الإنسان مستغنٍ عن الاستجابة والعمل. فالآية تجمع بين الرجاء والمسؤولية، وبين سعة الرحمة وخطورة الإصرار.
مسك الختام:
كم من ذنبٍ أورث صاحبه توبة، وكانت التوبة سببًا في صلاح عمره كله!
وكم من زلةٍ كسرت في القلب عُجبًا كان يحجبه عن الله!
وكم من عودةٍ صادقة جعلت العبد بعد ضعفه أشد افتقارًا إلى مولاه، وأصدق عبوديةً له!
لا تجعل ذنبك أكبر في قلبك من رحمة الله.
ولا تجعل ضعفك أقوى من يقينك بربك.
ولا تجعل ماضيك يحجبك عن مستقبلك مع الله.
فكم من قلبٍ أفسدته الغفلة، فأيقظته توبة.
****
مراجع تمت الاستفادة منها:
التحرير والتنوير، لابن عاشور.
لطائف الإشارات، للقشيري.
في ظلال القرآن، لسيد قطب.
مقاييس اللغة، لابن فارس، مادة: «عفو».
المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني.
المعجم الاشتقاقي المؤصل.
معاني النحو، لفاضل السامرائي.
مفاتيح الغيب، للرازي.
بقلم: أحمد بلال البيانوني
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


