بين الفقه الإسلامي والنموذج الغربي.. من ينصف المرأة أكثر؟

بين الفقه الإسلامي والنموذج الغربي.. من ينصف المرأة أكثر؟

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الجمعة، ١٥ شوال ١٤٤٧ هـ - ٣ نيسان ٢٠٢٦
236

راسلني أحد الأصدقاء حول ميراث المرأة وإمكانية تعديل القانون السوري ليكون مساواة مع الرجل..
استناداً إلى أن كثيراً من النساء يعملن ويشاركن في نفقات البيت..
أجبته حينها أن هذا ضد مصلحة النساء.. خاصة في سياق دولة ضعيفة..
نحتاج أن نفكر: هل المنظومة البديلة (مساواة الميراث والنفقة: الرجل والمرأة) أعدل وأكثر تحريراً للنساء من منظومة (التمييز في الميراث والنفقة: الرجل ينفق أكثر ويرث أكثر)؟


مقارنة الحالات تجعلنا نرى بدقة أكبر..
في ألمانيا ترصد التقارير الرسمية والبحثية "سلسلة فجوات" بين المرأة العاملة والرجل العامل.. بعد كل سياسات الدعم التي تقدمها الدولة للمرأة مثل إجازات الأمومة المدفوعة وحاضنات الأطفال وغيرها..

أبرز الفجوات:


1. فجوة الرعاية المنزلية
ما تزال الأم الألمانية العاملة تتحمل معظم العمل المنزلي من رعاية الأطفال والطبخ والتنظيف ونحوه.. تقدر بعض التقارير أنها تزيد بمعدل (مرة ونصف) عما يقدمه زوجها.. وبعض الدراسات أنها تزيد بمعدل 43%
الرعاية والعناية بالمنزل لها قيمة اقتصادية حقيقية قابلة للقياس..


2. العمل بدوام جزئي
تقريباً نصف النساء الألمانيات العاملات تختار العمل بدوام جزئي لأنه أكثر مناسبة لهن (مقابل 10% من الرجال)، لكن (65%) من الأمهات يعملن بدوام جزئي، وهذا يؤثر على الترقي بالمناصب والمسيرة المهنية..


3. عقوبة الأمومة
تنخفض أجور المرأة التراكمية مقارنة بالرجل بمعدل (9 – 18%) لكل طفل تنجبه، فلو أنجبت ثلاثة أطفال تنخفض أجورها بمعدل (27 – 54%)
وهذا بسبب الانقطاع عن العمل الذي يؤثر على رغبة أصحاب الأعمال بتوظيف الأمهات..


4. فجوة معاشات التقاعد
متوسط معاش المرأة في ألمانيا أنقص بـ 46% من معاش الرجل، وفي السويد 28%، وهذا رقم يعبر عن مجمل الفجوات لأن معاش التقاعد يتحدد حسب سنوات العمل والنقاط والترقي وغير ذلك..
تبرهن هذه الفجوات أن هناك "تكلفة اقتصادية" لوجود الأسرة تتجاوز المصاريف المباشرة للعائلة مثل تعليم الأطفال والغذاء.. تتقدر تكلفتها بقيمة هذه الفجوات..
كيف نصمم نظاماً يتعامل مع حالة اللامساواة هذه؟ ومن سيدفع تكلفة الأسرة؟

تحرير المرأة من واقع اللامساواة يحتاج إلى:
& نظام تعويضي جريء يعيد توزيع الموارد الاقتصادية داخل الأسرة فيعطي المرأة أكثر مع حفظ التوازن..
& إلزام الرجل بمشاركة المرأة في دفع تكلفة الأسرة..
وهذا يعني أننا يجب أن نفكر بنظام يتجاوز المساواة الكمية حتى نستعيد المساواة الفعلية..
في المنطق الألماني والأوربي كل الطرق مسدودة.. لأنه يتمسك بالمساواة الكمية في الإنفاق والميراث.. وبالتالي يجعل المرأة وحدها تدفع تكلفة الأسرة..
بينما يفتح الفقه الإسلامي طريقاً واسعاً للمساواة وإلزام الرجل بالمشاركة في دفع تكلفة الأسرة..
عبر تمييز المرأة بأربعة حقوق مالية (المهر، تحررها من النفقة على الأسرة، تحميل نفقة النساء على الرجال، حماية أموالها الخاصة من أن يشاركها فيها الزوج).
وهذا يقتضي تحميل الرجل مسؤوليات مالية زائدة (يدفع المهر، ينفق على الأسرة، يُنفق على الزوجة) مقابل أن يأخذ في حالات محددة ضعف ميراث المرأة لتوفير أصول نقدية وعقارية تساعده، وفي حالات أخرى يأخذ مثلها..
السبب الرئيسي لهذه الفجوات هو "الرعاية المنزلية" و"الإنجاب" كما تصرح التقارير..
يعتبر الفقه الإسلامي أن الرعاية الإنجاب لها قيمة اقتصادية وحقوقية يستحق صاحبها تعويضاً حتى لو كان غنياً، والطريقة لذلك هي فرض النفقة للزوجة والبنت.. وتحرير الزوجة من نفقات الأسرة..
بينما يعتبر النظام الألماني أن الرعاية والإنجاب لها قيمة اقتصادية لكن ليست حقوقية، فلا تؤثر على نظام الحقوق، فلا يفرض لها نفقة وحين يأتي للميراث يعطيها مثل الرجل وكأنه لا يرى شيئاً مما يجري في الاقتصاد الفعلي..

...........


التدفق مقابل المخزون
تعتمد العقلية الألمانية والغربية على آلية المخزون فقط (توزيع ثروة المراث بالتساوي عند الوفاة أو الطلاق)، وهذه آلية معطوبة بشدة، فهي تنتظر حتى نقطة النهاية بينما فجوة التراكم تحصل طوال حياة المرأة.. ولأنها:


1. تتجاهل سلسلة الفجوات: التي تنشأ في الحياة الفعلية ضد المرأة، ولو اعتمدنا آلية المخزون فالمنطق يقتضي إعطاء المرأة حصة ميراث أكثر من الرجل لسد الفجوة.


2. متحيز طبقياً: لأنها تحتاج وجود ثروة ميراث معقولة، فالطبقات الفقيرة لن تستفيد لأن الثروة شبه معدومة، والطبقات المتوسطة تستفيد بشكل محدود من المساواة لأن الثروة محدودة وغالباً ما تكون هي منزل العائلة..


3. محتملة ومؤجلة: قد تموت المرأة دون أن ترث من عائلتها أو زوجها أحداً... وإن ورثت فغالباً ما تكون المرأة متقدمة في السن.. ومعلوم أن نفس المبلغ الفوري أعلى قيمة اقتصادياً من المؤجل..


بينما تركز المقاربة الإسلامية على أمرين:


1. التدفق النقدي المستمر
الذي يؤثر فوراً على جودة الحياة الفعلية للنساء (من خلال تحميل نفقة الزوجة والأسرة على الرجل، مما يضمن الأمان الاقتصادي المعقول وتوفير سيولة فورية يومية وشهرية بيد المرأة)


2. المخزون
المهر + حصة ميراث محمية للنساء، أحياناً يأخذ فيها الرجل أكثر لضمان التوزان الإجمالي

............


في حال فقدت المرأة وظيفتها.. أو قررت التفرغ لرعاية الأطفال والمنزل.. أو قررت التفرغ أكثر للعمل المدني غير المأجور.. سيظل تدفق النفقة الواجبة سارياً ويوفر شبكة أمان اقتصادي واجتماعي..
التنازل عن حق المرأة بالتدفق النقدي المستمر (النفقة) مقابل زيادة محدودة في أصل مؤجل ومحتمل (الميراث) هو صفقة خاسرة، فقد تموت قبل أن ترث وقد يكون الميراث متأخراً جداً وقد يكون بسيطاً إذا كانت المرأة تنتمي لطبقة غير ثرية.
بالنسبة لأكثر الناس (الطبقات الفقيرة والمتوسطة) هي صفقة خاسرة بالتأكيد.. لنفترض أن الميراث قيمته (100) ألف دولار، وكان الورثة ابن وبنت، فإن نظام المساواة يعطي البنت (50) مقابل أنه يفرض عليها النفقة على الأسرة مثل زوجها طوال حياتها ويحرمها من المهر..
بينما يعطيها الإسلامي (33) مقابل أن يضمن لها مصاريف عيشها ويحررها من نفقات الأسرة ويمنحها حرية الاحتفاظ بدخلها وأموالها، وإذا شاركت بالنفقة على المنزل فمن حقها أن تعتبره ديناً تستوفيه عند الوفاة أو الطلاق..
ضمن هذه المعطيات: هل (17) ألف دولار محتملة في المستقبل ومؤجلة، تستحق أن تفقد المرأة كل تلك المكاسب التي تبلغ قيمتها المالية التراكمية أضعاف هذا الرقم ويتم تحصيلها من الآن بشكل قانوني ملزم!!
الحفاظ على حق النفقة أهم مكسب للمرأة.. خاصة في البلاد التي ليس فيها دولة قوية وليس فيها ضمان اجتماعي قوي وآمن..
نعم يحتاج القانون السوري والثقافة الاجتماعية إلى إصلاحات من أجل ضمان التدفق النقدي المستمر للنساء، وإعادة توزيع الموارد داخل الأسرة، وحماية حقوق المرأة في مالها الخاص..
مثلاً يمكن التفكير بصندوق النفقة السيادي الذي يضمن وصول التدفق المالي للمرأة حال تعثر الأب أو الزوج المنفق..
أفهم تماماً ضرورة إصلاح القانون الحالي وآلياته.. لكن أعجب أن يكون الإصلاح بحرمان النساء من حق النفقة المتدفقة مقابل المساواة في الميراث.. في ظل مجتمع يعيش أغلبه تحت خط الفقر.. ماذا تكسب المرأة من المساواة في ميراث الفقراء!.


بقلم: عبد الله عتر

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...