بين التكويع والتمييع

بين التكويع والتمييع

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الجمعة، ٢٥ رجب ١٤٤٦ هـ - ٢٤ كانون الثاني ٢٠٢٥
214

السذاجة التي تحكم سلوك البعض في المجتمع السوري ليست حديثة، فمنذ القديم تجلى ذلك في الأمثال الشعبية: " كل من أخذ أمي أنادي له عمي " و " بكرة الناس بتنسى".


وإذا كان ذلك قبيحا على العموم فإنه أشد قبحا وقباحة وأشنع وقاحة في حال صدوره ممن يدعي أنه من مشايخ الدين! الذين كره كثير من الناس الدين نفسه واتجهوا للكفر والإلحاد من جراء تصرفاتهم المقززة المقرفة.


لأن من يريد أن ينصب نفسه في شيوخ الدين ويتصدر للتعليم والإرشاد يجب أن يعلم أنه لا يقبل منه ما يقبل من عامة الناس، بل إن من أساسيات هذا الموقع أن يكون قدوة يقتدي به الناس ويكون مثلا لهم يعبر عن الدين نفسه ويرسم صورته في أذهانهم، فإن وجد نفسه لا يستطيع ذلك ويعجز عنه فليعلم أن الله لم يخلقه ليكون هنا وعليه أن يكون في مكان آخر، وإلا كان الجميع علماء ومشايخ ووعاظا ومرشدين !


وعليه أن يعي قبل ذلك قوله تعالى: ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ) ويتلوه تلاوة فهم لما يقرأ ولا يكتفي بتجويد حروفه وإحسان النطق بغنة النون المشددة، وهمس الكاف الساكنة، والتوازن في مقدار المدود الطبيعية عموما، وتمكين مد البدل في (أوتوا ) خصوصا امام لجنة فحص الأئمة والخطباء.


بل عليه أن يقسم أمام الملأ قبل ان يسلم أية أمانة دينية أن يحافظ عليها ويذود عنها، كما يقسم الوزراء والمسؤولون والأطباء والمهندسون والقضاة والمحامون والضباط على أداء مهامهم بإخلاص وأمانة، فإن رفض القسم فليذهب للبحث عن حرفة أخرى بعيدا عن صنعة المشيخة.


وإذا وقف جمهور الناس اليوم على معنى التكويع بجلاء وتوضحت لهم حالاته وأبعاده وزواياه المختلفة حادة كانت أو منفرجة، ( لأن الأكواع أنواع، ويعرف ذلك من ثقافة سوق المناخلية في دمشق ).


فإن ما هو أخطر من التكويع هو التمييع ( وهو من اختصاص بعض المشايخ وخبراتهم العالية ) لأنه وسيلة لإخفاء الجريمة بالمرة بدل تغيير اتجاهها المفضوح ! هو أشبه بالتخلص من الجريمة بإعدام مظاهرها وعلاماتها بالكلية، على نحو ما كان يفعله النظام البائد من التخلص من جثث الناس وضغطها بالمكبس ثم إذابتها بالأحماض، والعياذ بالله.


التمييع تدليس وتلبيس يشبه تلبيس إبليس عندما يوسوس في صدور الناس ليغويهم ويجرهم إلى الباطل بأخفى الوسائل وألطفها ولو كانوا من الزاهدين العابدين المتقين، وهنا يكمن سر الصنعة الإبليسية عندما يغوي إبليس واحدا من هؤلاء يتيه به ويفضله على إغواء قبيل واسع من عامة الناس.


فإذا ما قيل لأحدهم لم كنت تؤيد المجرم وحزبه المأفون وسياسته التي أفسدت البلاد والعباد واستحلت الدماء والأعراض والأموال وعبثت بالدين وزورت التاريخ وحرفت الأفكار وارتكبت جميع الجرائم والموبقات والآثام والفظائع؟!


لم كنت تركن إلى الظالمين وتسير في ركابهم وتقعد في الصف الأول مع قادتهم وأنت تتلو قوله تعالى: ( ولاتركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) وتحسن تجويد حروفه، ثم تتصدر المشهد مع أركان جريمة التشبيح الديني التي أرادوا بها تحريف الدين نفسه حتى وصلوا إلى تغيير الحقائق في الكتب والمؤلفات العلمية وليس التأييد للمجرم وأفعاله في الإعلام الآني الرخيص فقط؟!


لم كانوا يلعبون بك كالكرة بأيديهم وأرجلهم ويصدرونك ويتاجرون بك وباسمك، هل تظن ذلك لمالك أم لجمالك أم لطولك أم لعرضك أم لسواد عينيك كما تقول العامة !!!، وأنت تدرس وتحكي للناس من سير السلف الماضين أن من تقرب من السلطان أخذ السلطان من دينه أكثر مما يأخذ هو منه من مصالح يقصدها، دينية كانت أو دنيوية؟!.


لم... ولم... ولم؟؟؟.
ليكون الجواب بعد هذا كله بطريقة التدليس والتلبيس (التمييع): هل تريدون أن تفرغ البلاد كلها ممن يدل الناس على الله؟!، لو كل المشايخ طلعوا من البلد لأقفرت البلد من العلم والدين، فمن يخطب في المساجد؟ ومن يرشد ويعظ ويفتي؟ ومن يدرس الناس في المعاهد، !


يا هذا... انتبه لم يعد الناس مغفلين كما كانوا عقودا طويلة يضحك عليهم بكلمتين تقولهما... صحيح أن صنعة التمييع لا يحسنها كل أحد وليست مفضوحة كالتكويع، لكن الناس تغيرت، ولم يعد هذا الأسلوب مجديا في تغطية الحقائق.


لم يعب أحد من الناس على من لم يخرج من البلد ورابط فيها صابرا مخلصا محتسبا جزاه الله خيرا وضاعف أجره، فليس هذا محل الخلاف أصلا، ولا مورد السؤال والاستنكار، ولكن المصيبة فيمن أيد الظالمين المجرمين بقوله أو فعله، فركن إليهم، ومشى في ركابهم، وكان جزءا من مخططاتهم وأهدافهم يستغلونه ويتاجرون به ويحملون عليه أثقالهم ويوردونه ويصدرونه متى شاؤوا، وإذا كان من أهل العلم الذين يثق الناس بهم فجريمته أخطر وأشنع، والفعل منه قد يكون أخطر من القول وأفظع، عندما يشارك وزير الأوقاف المأفون في التشبيح الديني الممنهج ويساعده على إنجاح مخططاته، وهو الوزير الذي عده المجرم أحد أركان دولته وأهم وزرائه، طيلة هذه السنوات لأنه استطاع اللعب بعقول الناس وتشويه الدين في نفوسهم، وكنت أنت وأمثالك من أدواته وأزلامه وأركانه.


فإن كنت لا تدري ما كانوا يفعلون بك وما يحصدون من ورائك فتلك مصيبة كبيرة جدا !
وإن كنت تدري فالمصيبة أكبر وأعظم.


وعلى كلا الأمرين فأنت لست بما فعلت وارتكبت ممن يجدر أن يكون قدوة للناس في دينهم، لأن الدين كل لا يتجزأ وليس قاصرا على العبادات والأوراد ومجالس الذكر.


فما عليك إن كنت مخلصا إلا أن تتوب إلى الله تعالى على الملأ ورؤوس الأشهاد وتندم وتستغفر عسى الله تعالى أن يقبل توبتك فيما بقي من عمرك.


فإن قال قائل: ولكن كل من صدر منه قول أو فعل يؤاخذ عليه فهو معذور مضطر لأنه مجبر غير مختار، قيل له: هذا كذب ملبس، وباطل مغشى، كلا ليس مجبورا ولا مضطرا بدليل مئات العلماء الصادقين والمرشدين الناصحين المرابطين في طول البلاد وعرضها من الذين لم ير لأحدهم أو يسمع موقف واحد طيلة هذه الفترة يستغله النظام الفاجر في تشبيحه الديني فما بال أولئك؟!


يا هذا يمكن أن تضطر إلى حضور اجتماع فتكون مع الجمهور الذي لا حيلة له ولا سبيل لدفع ذلك والتخلص منه، أما أن تكون في قيادة أركان التشبيح الديني مع الوزير المأفون الذي تجب محاكمته هو وأزلامه عاجلا غير آجل فأمر لا يقبله طفل صغير في هذا العصر.


لا يريد منك أحد أن تجهر بالحق من على المنابر بل المطلوب منك ومن أمثالك إذا عجزتم عن قول الحق والصدع به أن تخرس ألسنتكم فلا تقولوا الباطل، وأن تعتزلوا القيادة الدينية وشأنها فلا تكثروا سواد الظالمين المجرمين.


لا عمل إلا تتوب إلى الله وتستسمح من الناس، ولا تمييع للحقائق بعد اليوم، ولن نحابي ولن ننسى.


عبد القادر الخطيب الحسني

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...