عندما يتعرّض القرآن الكريم للحديث عن الفروق بين الرجل والمرأة، ورغم أنّه أعطى مركز القوامة والمسؤولية الأولى للرجل "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء" عملاً بمبدأ "ربّانٍ واحدٍ لا ربّانين"، وأعطى الرجال درجةً إضافيّةً واحدةً على النساء "وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ" عملاً بالمبدأ نفسه، فمن السهل أن نلاحظ إلحاحه على حقيقة أنّ لكلٍّ من الرجل والمرأة ميزاتٍ خاصّةً يَفْضُل بها أحدُهما الآخرَ: "بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ" [النساء: 34]، ولم تحدّد الآية مَن يُفَضَّلُ على مَن؟ وبماذا؟ و "لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ" [البقرة: 228]، فلهنّ من الحقوق أو الفضائل؛ بقدر ما عليهنّ من الواجبات، تماماً كالرجل، وتماماً كأيّ مخلوقٍ على هذه الأرض. وتؤكّد لنا ذلك؛ الآيةُ التي تسبق الآيةَ الأولى بقليلٍ في السورة نفسها:
- ولَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّـهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ للرِّجالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ [النساء: 32]
لقد فضّلَ الله "بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ" أوّلاً، ثمّ فصّل الأمر في قوله "للرِّجالِ نَصِيبٌ" و "لِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ"، من غير أن تحدّد الآيات عناصر هذا التفاضل في القيمة، وعناصر هذا التقاسم في الأنصبة. فللنساء أفضليّاتهنّ، وهي تلك التي تشدّ الرجال إليهنّ، لأنّهم لا يمتلكونها، وعلى رأسها الأنوثة ومقوّمات الأنوثة، وللرجال أفضليّاتهم، وهي تلك التي تشدّ النساء إليهم، لأنّهنّ لا يمتلكنها، وعلى رأسها الرجولة ومقوّمات الرجولة.
لم يسبِق أن احتجّ رجلٌ يوماً على أن أُسنِد إليه مسؤوليّة الإنفاق على البيت وعلى الأسرة، مع إعفاء المرأة من أيّة مسؤوليّةٍ بهذا الجانب. ومع ذلك؛ فمن الطبيعيّ جدّاً، كما عوّدتنا النفس البشريّة الضعيفة، أن نجد بعض الرجال وقد اتّخذ من هذه الخصوصيّة أداةً للتحكّم بالمرأة والسيطرة عليها، ولتهديدها بقطع هذا الإنفاق عنها ساعة يشاء.
تُرى، لو كان الأمر على العكس؛ فهل ستكون النتيجة أفضل؟
النفس البشريّة هي النفس البشريّة..
ولم يحدث أن احتجّ رجلٌ يوماً على بقاء المرأة في البيت وإعفائها من خوض معركة العمل معه، وعدم تحمّلها مخاطر هذه المعركة اليوميّة الشاقّة أينما كانت. ولكنّ بعضهنّ جعل من هذه الميزة التي اختُصّت بها الأنثى؛ سجناً لها، وحرماناً للمرأة من مخالطة الرجال، ومنعاً لها من العمل جنباً إلى جنب مع شريكها الرجل.
تُرى، لو كان الأمر على العكس؛ فهل ستكون النتيجة أفضل؟
ولم يحدث أن احتجّ رجلٌ يوماً على إسناد الأعمال العسكريّة والحربيّة والأمنيّة إليه، وما تَحمله هذه الأعمال من مخاطر على حياته ومستقبله، ولم يطالب يوماً بمشاركة المرأة له في هذه الأعمال، ولكنّ بعضهنّ رأى في هذه الخصوصيّة أداةً لتحقير المرأة، والتقليل من شأنها، وجعلِها في مرتبةٍ وضيعةٍ وضعيفةٍ دون الرجل.
تُرى، لو كان الأمر على العكس؛ فهل ستكون النتيجة أفضل؟
وأخيراً، فإنّ رجلاً لم يحدث أن احتجّ يوماً، ولماذا يحتجّ أصلاً، على أن جعل الله الجنّة تحت أقدام الأمّهات وليس تحت أقدام الآباء "فالزَمْها، فإنَّ الجنَّةَ تحتَ رِجلَيها"، وأنّ رجلاً لم يحدث أن احتجّ على أنّ للأمّهات عند الله ثلاث درجاتٍ فوق درجة الآباء "قال: أمُّك. قال: ثمّ مَنْ؟ قال: أمُّك. قال: ثمّ مَنْ؟ قال: أمُّك. قال: ثمّ مَنْ؟ قال: أبوك". والواقع؛ أنّه لو لم يكن للمرأة إلّا مثل هذا التشريف والتفضيل النبويّ، بل السماويّ، على الرجل، لكفاها رفعةً وخصوصيّةً ومكانة.
ولكن، لأنّ السماء تدرك حتميّة وقوع مثل هذا "التمرّد" على ما كتبه الله للبشر من الحقوق والواجبات، والاعتراضِ على قوامة الرجل، وعلى تأكيدِ مسؤوليّته الكاملة تجاه المرأة، ومحاولةِ خلط الأوراق بين الحقوق والواجبات لكلٍّ من الرجل والمرأة، فقد استبَقَتِ العنايةُ الإلهيّة الأحداث، وصدّرت الآية 32 المذكورة من سورة النساء بهذه العبارة التحذيريّة، العامّة، والهامّة: "وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّـهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ".
إنّ من مسؤوليّة أيّة إدارةٍ، في أيّة مؤسّسة، وحفاظاً على نجاح هذه المؤسّسة وسيرها في الاتّجاه الصحيح، والسليم، والآمن، أن تُوظِّف التخصّصات التي تمتلكها لخدمتها، وألّا تخلط في عمل هذه التخصّصات، وأن تنظّم عمليّتي التعاون والتكامل بينها، بحيث لا تضيع الجهود سدىً في نجاح المؤسّسة، وحسن سيرها، وإيتاء ثمارها المرجوّة.
إجماع الشرائع السماويّة على اختلاف دورَي المرأة والرجل
مثلُ ذلك التمرّد على السماء لم يقتصر على زمنٍ واحد، أو على أمّةٍ واحدة، أو على أتباع شريعةٍ سماويّةٍ واحدة، فالشيطان لا يفرّق في بثّ وساوسه وتشكيكه بين أتباع شريعةٍ وأخرى.
ولقد أجمعت الشرائع السماويّة، في كتبها الثلاثة، على التأكيد على رجولة الرجل وقوامته وقيادته للمؤسّسة، وعلى أن يكون، كما في أيّة مركبة، هو الربّان لسفينة الأسرة. وأجمعت هذه الشرائع على أنوثة الأنثى بحيث تكون مساعِدةً للربّان، أو سكرتيرةً للإدارة. كما أصرّت الشرائع على التفريق بين تخصّص المرأة وتخصّص الرجل في إدارة عجلة الأسرة، مع بيان اختلاف حقوق كلٍّ منهما وواجباته تجاه الآخر، كما سبق أن مرّ بنا، وكما يتأكّد لنا من مثل هذه النصوص:
في العهد القديم:
- 16 .. وإلى رجُلِكِ يكونُ اشتياقُكِ، وهو يسودُ عليكِ. [سفر التكوين: 3: 16]
في العهد الجديد:
- 11 وعلى المرأة أن تتعلّمَ بصمتٍ وخضوعٍ تامّ، 12 ولا أجيزُ للمرأةِ أن تُعَلِّمَ ولا أن تتسلّطَ على الرجل، بل عليها أن تَلزَمَ الهدوء، 13 لأنّ آدمَ خلقَه اللهُ أوّلاً ثمّ حوّاء. 14 وما أغوَى الشرّيرُ آدمَ، بل أغوى المرأةَ فوقعتْ في المَعصية. [تيموثاوس 1: 2: 11-14]
- 3 وعَلِّمِ العجائزَ كذلك أنْ يتصرّفْنَ كما يَليقُ بنساءٍ يّسلُكْنَ طريقَ القداسة، غيرَ نمّاماتٍ ولا مُدمناتٍ للخمر، هادياتٍ للخير، 4 يُعَلّمْنَ الشابّاتِ محبّةَ أزواجهنَّ وأولادهنّ، 5 متعقّلاتٍ، عَفِيفَاتٍ، مُلاَزِمَاتٍ بُيُوتَهُنَّ، صَالِحَاتٍ، خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِهِنَّ، لِكَيْ لا يُجَدَّفَ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ. [تيطس: 2: 3-5]
- 5 كذلك كانتِ النساءُ القدّيساتُ المتّكلاتُ على اللهِ يتزيَّنَّ فيما مضى خاضعاتٍ لأزواجهنّ، 6 مثلُ سارةَ التي كانت تُطيعُ إبراهيمَ وتدعوه سيّدَها، وأنتُنَّ الآن بناتُها إنْ أحسنتُنَّ التصرّفَ غير خائفاتٍ من شيء. 7 وأنتم أيّها الرجال، عِيشوا مع نسائِكم عارفينَ أنّ المرأةَ مخلوقةٌ أضعفُ منكم، وأكرموهنَّ لأنّهنَّ شَريكاتٌ لكم في ميراثِ نعمةِ الحياة، فلا يُعيقُ صلواتِكم شيء. [بطرس 1: 3: 5-7]
- 34 لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ فِي الْكَنَائِسِ، لأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُونًا لَهُنَّ أَنْ يَتَكَلَّمْنَ، بَلْ يَخْضَعْنَ كَمَا يَقُولُ النَّامُوسُ أَيْضًا.35 وَلكِنْ إِنْ كُنَّ يُرِدْنَ أَنْ يَتَعَلَّمْنَ شَيْئًا، فَلْيَسْأَلْنَ رِجَالَهُنَّ فِي الْبَيْتِ، لأَنَّهُ قَبِيحٌ بِالنِّسَاءِ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي كَنِيسَةٍ. [كورنثوس 1: 14: 34-35]
- 3 لكنّي أريدُ أن تعرفوا أنّ المسيحَ رأسُ الرجل، والرجلَ رأسُ المرأة، واللهَ رأسُ المسيح.. 8 فما الرجلُ من المرأةِ، بل المرأةُ من الرجلِ، 9 وما خَلقَ اللهُ الرجلَ من أجلِ المرأةِ، بل خَلقَ المرأةَ من أجلِ الرجلِ. [كورنثوس 1: 11: 3، 8-9]
في القرآن الكريم:
- الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء: 34]
- وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّـهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ للرِّجالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ واسألُوا اللَّـهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [النساء: 32]
- وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ [البقرة: 228]
في الحديث الشريف:
- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَال: "لَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ مِنَ الشَّام؛ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، قَال: مَا هَذَا يَا مُعَاذ؟ قَال: أَتَيْتُ الشَّامَ فَوَافَقْتُهُمْ – أي وجدتُهم – يَسْجُدُونَ لأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ، فَوَدِدْتُ فِي نَفْسِي أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَلاَ تَفْعَلُوا، فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِراً أَحَداً أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا". [رواه المنذري في الترغيب والترهيب، وصحّحه الألباني]
إنّ من المهمّ، حين نرجع في مختلف قضايانا إلى السماء، أن ننظر في الشرائع السماويّة الثلاث كلّها، فهي تكاد لا تتفاوت في أحكامها، ليس فيما يخصّ المرأة وحدها، بل في كلّ الأحكام الأساسيّة التي سنّها الله للبشر وحَمَلَها رسلُه إلى الأرض، ليكون هذا النوع من الإجماع في الرسائل السماويّة بمثابة القانون المكمّل لكتاب الفطرة الذي زرعه الله في نفوس البشر وهم أجنّةٌ في بطون أمّهاتهم، كما سنوضّح في الفصول المقبلة.
وعندما نتحدّث عن "إجماع" الشرائع السماويّة على أمر؛ فإنّ هذا المصطلح (إجماع) ليس، لو توخّينا المزيد من الموضوعيّة، بالدقّة العلميّة المنشودة.
فالشرائع السماويّة الثلاث ما هي، في حقيقتها، إلّا شريعةٌ واحدة، كما ينصّ على ذلك الفصلُ الأخير، والذي عُرف باسم (القرآن الكريم)، من الفصول الكبيرة الثلاثة التي تُكوّن الكتاب الأمّ لهذه الشرائع كلّها، وهو ما توضّحه لنا بجلاءٍ آياتٌ قرآنيّةٌ عديدةٌ كمثل هذه الآية:
- وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [العنكبوت: 46]
وفي كتابه (ترويض الأمم) يقدّم الفيلسوف الأمريكي نورثروب F.S.C. Northrop (1893-1992) لقطاتٍ ذكيّةً مقارِنةً بين الشرائع السماويّة الثلاث، وعلاقة هذه الشرائع بعضها ببعض. وقد صدّرت منى أبو الفضل كتابها (حيث يلتقي الشرق بالغرب) ببعض هذه اللقطات، وقد جاء فيها:
"الانتقال من أدبيّات آسيا الهندوسيّة، والبوذيّة الطاويّة، والكونفوشيوسيّة، إلى أدبيّات الإسلام؛ هو بالنسبة إلى شخصٍ غربيّ؛ كالانتقال من مستوىً منخفضٍ مشبعٍ بالرطوبة، ويحيطه الضباب، إلى منطقةٍ عليا تتمتّع بالهواء النقيّ والمنعش. هناك وضوح رؤيا واقعيٌّ وصريحٌ في القرآن والإسلام، ممّا يَسمح لشخصٍ غربيٍّ بالتنفّس بسهولةٍ أكبر، ورؤية الأشياء بشكلٍ أوضح... لليهوديّة والمسيحيّة والإسلام جذورٌ مشتركة؛ على الرغم من أنّ كلّ دينٍ منها يضيف إلى هذه الجذور عناصر فريدةً من نوعها... وبالتالي فإنّ تحرّك الشخص الغربيّ إلى الإسلام.. هو، بالمعنى الحقيقيّ والأساسيّ، بمثابة عودةٍ إلى الوطن.." [The Taming of the Nations. New York. The Macmillan Company: 1952].
والواقع أنّ الخلافات بين أبناء الشريعة والأخرى، بل فيما بين أبناء الشريعة الواحدة، ليست في الأساس، لو تمعّنّا فيها، خلافاتٍ دينيّة، بل هي، في معظمها، خلافاتٌ تاريخيّةٌ حول أحداثٍ وقعت بعد وفاة النبي لكلّ شريعة، أو تأويلاتٌ بشريّةٌ شطّت وبالغت في البعد عن الأصل السماويّ، وعن القواعد المنطقيّة للّغة التي نزلت بها.
ومن المؤكّد أنّ الجزئيّة الأخيرة من كلّ شريعةٍ سماويّة، أيّة شريعة، تُختَتم في اللحظة التي يُتوفَّى بها النبيُّ الذي حمل هذه الشريعة لبني الإنسان، وكلّ خلافٍ أو انقسامٍ يعقب هذه اللحظة الفاصلة؛ إنّما هو، في جوهره، خلافٌ حول أحداثٍ تاريخيّةٍ أرضيّة، أو تأويلاتٍ لغويّةٍ منحرفةٍ عن المنطق اللغويّ، وليس حول أحكامٍ دينيّة.
الدين سماويٌّ، والتاريخ أرضيّ.
بقلم: د. أحمد بسام ساعي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


