عني بتحصحيحها ونشرها الشيخ مجد مكي
وواجب ثالث مقدَّس من واجبات العاملين في مجال الدعوة الإسلاميِّة: هو صيانة الحقائق الدينيَّة والمفاهيم الإسلاميَّة من التَّحريف، وإخضاعِها للتصوُّرات العصريَّة الغربية، أو المصطلحات السياسيَّة والاقتصاديَّة التي نشأت في أجواء خاصَّة وبيئات مختلفة، ولها خلفيات وعوامل وتاريخ، وهي خاضعة دائماً للتطور والتغيير ، فيجب أن نغار على هذه الحقائق الدينيَّة والمصطلحات الإسلاميَّة غَيرتنا على المقدَّسات، وعلى الأعراض والكرامات، بل أكثر منها وأشد، لأنها حصون الإسلام المنيعة، وحِماه وشعائره، وإخضاعها للتَّصوُّرات الحديثة أو تفسيرها بالمصطلحات الأجنبية إساءة إليها لا إحسان، وإضعاف لها لا تقوية، وتعريض للخطر لا حصانة، ونزول بها إلى المستوى الواطي المنخفض، لا رفع لشأنها كما يتصور كثير من الناس.
فإذا قلنا: الحج مؤتمر إسلامي عالمي، لم ننصف الحج ولم ننصف من نخاطبه ونريد أن نفهمه حقيقة الحج وروحه، ولمَ شُرِع له، ولم ننصح لكليهما، وإن روح الحج، وسر تشريعه غير ما تعقد له المؤتمرات صباح مساء، ولو كان الحج مؤتمراً إسلامياً عالمياً لكان له شأن ونظام غير هذا النظام، وجوٌّ غير هذا الجو، ولكان النداء له مقصوراً على طبقات مثقفة واعية فقط، وعلى قادة الرأي وزعماء المسلمين ( ).
كذلك حقيقة العبادة، وحقيقة الصلاة، وحقيقة الزكاة والصوم، فلا يجوز العبث بهذه المصطلحات والتَّجنِّي عليها، وإخضاعها للفلسفات الجديدة وتفسيرها بالشيء الذي لا ثقة به ولا قرار له.
وقد استخدمت هذه الاستراتيجيَّة الدعائيَّة الباطنيَّة في القرن الخامس الهجري فما بعده ففسَّروا المصطلحات الدينيَّة بما شاءوا وشاءت أهواؤهم ومصالحهم، وتفنَّنوا فيه، وأتوا بالعجَب العجاب، وحققوا به غرضهم من إزالة الثقة بهذه الكلمات المتواترة التي هي أسوار الشريعة الإسلاميِّة وحصونها، وشعائرها، ونشر الفوضى في المجتمع الإسلامي، والجماهير المسلمة، وإذا فقدت هذه الكلمات التي توارثت فهمها الأجيال المسلمة، وتواتر في المسلمين، وأصبح فيها مَساغ لكلِّ داعٍ إلى نِحْلة جديدة، ورأي شاذ، وقول طريف، فقد أصبحت قلعة الإسلام مفتوحة لكلِّ مهاجم ولكلِّ منافق، وزالت الثقة بالقرآن والحديث واللغة العربية، وجاز لكل قائل أن يقول ما شاء، ويدعو إلى ما شاء، وهذه فتنة لا تساويها فتنة، وخطر لا يكافئه خطر.
إنَّ مفاهيم هذه الكلمات معيَّنة – على اتِّساعها وبلاغتها وعمقها وكثرة معانيها – وأنَّ الأمَّة توارثت هذه المفاهيم المعيَّنة كما توارثت أشكال الصلاة والصوم والحج، ونظمها الظاهرة، وتناقلتها وحافظت عليها من غير أقل انقطاع أو أقصر فترة، وإنه معنى قوله تعالى:[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] {الحجر:9}.و: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا] {المائدة:3}. وهو معنى الحديث المشهور الذي صحَّ معناه: (لا تجتمع أمتي على الضلالة) ( ) وقد أثبت شيخ الإسلام ابن تيمة أن سُنَّة واحدة من السنن الكثيرة لم ترتفع من هذه الأمَّة بشكل كُلِّي، وأنها لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق.
والكلمات هي الوسيلة الوحيّدة لنقل المعاني والحقائق من جيل إلى جيل، ومن عصر إلى عصر، ومن إنسان إلى إنسان، فإذا وقع الشك في مدلول هذه الكلمات ومصداقها، أو صار التلاعب بها هيِّناً، اضْطربت دعائم الدين وتزلزلت أركانه، وهذا يعم التاريخ والشعر والأدب، لذلك كانت الفوضى اللغوية linguistic anqrchyأشد خطراً وأكثر ضرراً من الفوضى السياسية political anarchy ( ).
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
للاطلاع على الحلقة السابقة اضغط هنا
-------------
( ) راجع معرفة أسرار الحج ومقاصد الشريعة الإسلامية في كتابنا:" الأركان الأربعة ".
( )انظر البحث في هذا الحديث في كتابنا (النبوة والأنبياء).
( ) ومن أمثلة هذا التلاعب بالمصطلحات الدينية، أن أستاذاً في إحدى جامعات الهند الكبرى، وهو يدرس اللغة العربية وآدابها، ألقى محاضرة في دورة مؤتمر الدراسات الإسلامية الأخيرة قال فيها: أن المراد بكلمة (الصلاة) حيثما وردت في القرآن مطلقة (الحكومة المحلية ) أو (الإقليمية) والمراد (بالصلاة الوسطى ) :الحكومة المركزية أو (الخلافة العامة) ، وكان المقال باللغة العربية ، وقد رددت عليه في حينه وقلت في تعليقي عليه: إنه تلاعب بالقرآن الكريم وبالعقل، وتمهيد لفوضى لغوية فكرية، وفتح الباب للإلحاد على مصراعيه، ونالت هذه الكلمة رضا المستمعين، وتلقوها بالقبول والاستحسان.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


