
عني بتحصحيحها ونشرها الشيخ مجد مكي
-1-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن اتَّبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإنني سأتحدَّث في هذه المناسبة الكريمة، وهي (دورة مؤتمر الدعوة) التي تعقدها الجامعة الإسلاميِّة في مدرسة الدعوة الإسلاميِّة الأولى، ومنطلق الدعاة إلى الله في العالم (المدينة المنوَّرة) عن بعض السِّمات البارزة التي يجب أن تتَّسم بها الدعوة والدعاة في هذا العصر حتى يستطيعوا أن يقوموا بدور الدعوة في أتمِّ وجه ويبلِّغوا رسالة الرسل عليهم السلام ويُؤَثِّروا التأثير المطلوب.
أما الدعوة الإسلاميِّة فيجب أن تكون هذه الدعوة جامعة بين تحريك الإيمان في نفوس المخاطَبين والمجتمع الإسلامي، وإثارة الشعور الدِّيني، وبين إكمال الوعي وتنميته وتربيته، فإنَّ المُتتّبع لأحوال العالم الإسلامي اليوم وواقع الأقطار الإسلاميِّة وحكوماتها وشعوبها، يعرف أن تمسُّك هذه الشعوب والجماهير بالإسلام وحبَّها له هو الحاجز السميك والسدُّ المنيع لكثير من القيادات التي خضعت للحضارة الغربية وقيمها ومفاهيمها، وفلسفاتها ونُظمها، وآمنت بها إيماناً كإيمان المتدينين بالديانات والمؤمنين بالشرائع السماويَّة، وفقدت الثقة بصلاحية الإسلام لمسايرة العصر الحديث وتطوراته وأحداثه، كرسالة خالدة عالميِّة.
فإسلام هذه الشعوب والمجتمعات وكونها لا تفهم إلا لغة الإيمان والقرآن، ولا تندفع إلا لما يجيء عن طريقهما، ولما يمسُّ قلبها، ويخاطب ضميرها، يعوق كثيراً من هذه القيادات عن نبْذ الإسلام نبذاً كليًّا وإعلان الحرب عليه، وقد لجأ بعض هذه القيادات في ساعة عصيبة إلى إثارة هذا الإيمان والحماس الديني، واستخدامهما لكسب المعركة أو الانتصار على العدوِّ حين رأت أن لا ملجأ من الله إلا إليّه، وإلى إيمان هذه الشعوب السليمة المؤمنة، فرفعت هتاف التكبير (الجهاد)، والشهادة في سبيل الله، ومحاربة العدو الكافر المهاجم كما فعلت الجزائر في حربها مع الفرنسيين، وباكستان في حرب 1965م، وجرَّبت فائدة هذا الإيمان، وقوَّة هذه العاطفة.
فأصبح إيمان هذه الشعوب وتمسكها بالإسلام وتحمسها له، هو السور القوي العالي الذي يعتمد عليه في بقاء هذه البلاد، وكثير من القيادات والحكومات الإسلاميِّة في حظيرة الإسلام، فإذا تهدَّم هذا السور - لا سمح الله – أو تسوره دعاة الكفر واللادينيَّة، أو تيَّار الردة الفكريَّة والحضاريَّة، فالخطر كل الخطر على الإسلام في هذه البلاد، ولا يمنع هؤلاء القادة المحاربين للإسلام، والمضْمرين له العداء والحقد شيء من أن يخلعوا العذار ، ويطرحوا الحشمة والتكلف، ويجرِّدوا هذه الأقطار والشعوب العريقة في الإسلام من كل ما يمتُّ إلى الإسلام بصلة، فإنَّ الشيء الوحيد الذي يخافون معَرَّته، ويحسبون له حساباً هو ثورة هذه الشعوب على هذه القيادات بدافع الإيمان والحماس الإسلامي، فيفقدهم ذلك ما يتمتَّعون به من كراسيِّ الحكم ومركز القيادة، فإذا زال الحاجز لم يقف في وجههم شيء.
إذن فيجب على دعاة الإسلام والعاملين في مجال الدعوة الإسلاميِّة الاحتفاظ بهذه البقية الباقية من الإيمان في نفوس الشعوب والجماهير، والمحافظة على الجمرة الإيمانيَّة من أن لا تنطفئ.
ولا يصحُّ الاقتصار على تحريك الإيمان، وإثارة العاطفة الدينيَّة في نفوس الشعوب والجماهير، بل يجب أن تضمَّ إليه تنمية الوعي الصحيح وتربيته، والفهم للحقائق والقضايا، والتمييز بين الصديق والعدو، وعدم الانخداع بالشعارات والمظاهر، فقد رأينا أنَّ الشعوب التي ضَعُف فيها هذا الوعي أو حُرِمَته، يتسلَّط عليها – رغم تمسُّكها بالإسلام وحبها له – قائد منافق، أو زعيم ماكر، أو عدو جبَّار، فيصفِّق له الشعب بكل حرارة ويسير في ركابه ( )، فيسوقها بالعصا سَوْق الراعي لقطعان من الغنم، لا تعقل ولا تملك من أمرها شيئاً، ولا يمنعها تمسُّكها بالإسلام وحبها له من أن تكون فريسة سهلة أو لقمة سائغة للقيادات اللادينيَّة أو المؤامرات ضد الإسلام.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


