بطاقات الهدايا في الشريعة الإسلامية

بطاقات الهدايا في الشريعة الإسلامية

التصنيف: مقالات شرعية
الجمعة، ١٠ رمضان ١٤٤٧ هـ - ٢٧ شباط ٢٠٢٦
356

لقد تكاثرت أنواع المنتجات المالية تكاثرَ الأشجار في الغابات منذ اختراع الحاسوب والإنترنت وتقدم التكنولوجيا لا سيما البطاقات المالية ، وهي تزايدت في أنماطها وألوانها، في شكل غير مسبوق، سواء كانت بطاقات بلاستيكية أو إلكترونية. وبما أن الإسلام دين متكامل، يلائم كل عصر ومصر ويعالج كافة مشكلات الحياة، يجب على علماء المسملين وفقهائهم أن يستنبطوا أحكام هذه البطاقات على ضوء الكتاب والسنة ويبينوها لعامة المسلمين.
فمن أنواع البطاقات التي أصبحت شائعة وكثيرة الاستخدام في الآونة الأخيرة بطاقاتُ الهدايا في شتى أنواعها، فقد أصدرتها كافة الشركات العالمية والمحلية، ويشتريها الزبائن على إرادة منحها هدايا إلى أصدقائهم وأقاربهم كبديل لأنواع أخرى من الهدايا والتحف. وكنت قبل زمان عثرت على فتوى تُبين أحكام هذه البطاقات في ضوء الشريعة الإسلامية، ثم اطّلعت على فتوى أخرى تخالف ما قررته الفتوى الأولى من أحكام، فتحيرت، وحفزني ذلك إلى التفتيش والتنقيب، فشمّرت عن ساعد الجد لِأبحث في هذا الأمر وأحقق الأحكام التي تتعلق بهذه البطاقات بقدر وسعي، مستعينا بالله وتوفيقه.


تاريخ بطاقات الهدايا:
المصادر تخبرنا أن أول شركة أصدرت بطاقات الهدايا هي نيمان ماركوس (Neiman Marcus) الأمريكية حيث أصدرتها سنة 1994 م، ولكن الشركة لم تستطع أن تنتفع بها انتفاعاً بالغاً ولم تسوقها تسويقا عاما، إذ وضعتها في أمكنة بعيدة عن أنظار الزبائن.

وأول شركة استفاد بها استفادة تامة وروّجها رواجا واسعاً هي شركة بَلَكْبستر (Blockbuster) الأمريكية الشهيرة، حيث أصدرت سنة 1995 م بطاقات الهدايا التي أحدثت ثورة في الأسواق المالية، ثم تبعتها شركة ستاربكس (Starbucks) سنة 2001 م، وسرعان ما أصبحت بطاقات الهدايا شائعة الاستخدام للمنسابات الخاصة، مثل: الأعياد والأفراح ومنح الجوائز وغيرها، حيث يشتري كثير من الناس بطاقات الهدايا لإهدائها إلى الأقارب والأصدقاء وأفراد الأسرة كبدائل للنقود أو الأشياء الأخرى[1].


تعريف بطاقات الهدايا مركباً إضافياً:
بما أن «بطاقات الهدايا» مركب إضافي، فقبل أن نتعرف على معنى «بطاقات الهدايا» يجدر بنا أن نتعرف على معنى كل من كلمتي «بطاقات» و «الهدايا».
فأما كلمة «بِطَاقَات»: فهي جمع «بِطَاقَة»، ويقال لها بالإنجليزية: (Cards).
قال في الصحاح[2]: «البِطاقة بالكسر: رُقَيْعة توضع في الثوب فيها رقم الثمن بلغة أهل مصر. يقال سُمِّيت بذلك لأنها تشد بِطَاقَةٍ من هُدْب الثوب».
وفي القاموس[3]: «الرقعة الصغيرة المنوطة بالثوب، التي فيها رقم ثمنه، سميت لأنها تشد بِطاقةٍ من هدب الثوب»[4].
وفي المعجم الوسيط[5]: «البطاقة: الرقعة الصغيرة من الورق وغيره، يكتب عليها بيان ما تعلق عليه».
و في معجم اللغة العربية المعاصرة[6]: «بِطاقة [مفرد]: ج بِطاقات وبطائق: ورقة صغيرة أو رقعة من الورق المقوَّى أو غيره يكتب عليها بعض المعلومات المتعلقة بموضوعٍ ما».
وفي العرف المعاصر، يراد بها: قطعة صغيرة بلاستيكية أو إلكترونية، يوضع عليها عادةً شعار الجهة المصدرة لها، والجهة القابلة لها، ويكتب عليها: اسم صاحبها وتاريخ إصدارها وانتهائها، ولها رقم متسلسل، ويوجد خلف أغلب أنواعها شريط مُمَغْنَط أو رقاقة حاسوبية تسجل عليه بعض المعلومات المهمة[7].

وأما «الهَدَايا»: فهي جمع «هَدِيَّة»، ويقال لها بالإنجليزية: (Gifts).
قال في معجم التعريفات[8]:
«الهدية: ما يؤخذ بلا شرط الإعادة».
وفي الموسوعة الفقهية الكويتية[9]:
«الهدية في اللغة: هي المال الذي أتحف وأُهدي لأحدٍ إكراماً له، يقال: أهديت للرجل كذا: بعثت به إليه إكراماً، فالمال هدية. واصطلاحاً عرفها الحنفية بأنها: تمليك عين مجانا. وعرفها المالكية بأنها: تمليك من له التبرع ذاتاً تنقل شرعا بلا عوض لأهل أو ما يدل على التمليك. وعرفها الشافعية بأنها: تمليك عين بلا عوض مع النقل إلى مكان الموهوب له إكراماً. وعرفها الحنابلة بأنها: تمليك في الحياة بغير عوض.»


تعريف بطاقات الهدايا لقباً:
عرفت مجلة هارفارد بزنس ريفيو (Harvard Business Review) بطاقة هدية (Gift Card) بأنها:
«بطاقة خَصم مُسْبَقَة الدفع تُمَثِّل مبلغاً نقدياً محدّداً يمكّن من إجراء عدة عمليّات شراء، ويضم معظمُها مَبلغا نقدياً أوَّلياً يبلغ حده الأدنى 10 دولار، ويبلغ حده الأعلى 500 دولار، ويمكن استخدامها إلكترونياً أو تقليدياً»[10].
وفي معجم كامبريدج (Cambridge Dictionary) أونلاين:
«رمز الهدية: بطاقة أو قطعة ورق يمكن استبدالها في المتجر بسلع بالقيمة المطبوعة عليها»[11].
وفي العرف المعاصر بطاقة الهدايا هي: بطاقة بنكية أو قسيمة شرائية تمثل مبلغاً نقدياً محدداً، تصدرها مؤسسة تجارية أو مصرف مرة واحدة بتاريخ محدد، يكتب عليها أحياناً اسم المهداة إليه، وشعار جهة الإصدار، ولها رقم تسلسلي، تمكن صاحبها من إجراء علميات الشراء، ولا يمكن إعادة تعبئتها ولا استرداد ما بها من رصيد[12].

أنواع بطاقات الهدايا:
يتلخص أبرز أنواع بطاقات الهدايا فيما يلي[13]:
1 – بطاقة الاستخدام المفتوح (Open Loop Card): وهي بطاقة خصم متعددة الاستعمالات تستخدم أينما تقبل علامتها التجارية، وتضم شعار علامة البطاقة التجارية أو الشبكة التي تُجري عمليات الحركات المالية؛ مثل: فيزا (Visa)، وماستركارد (Master Card)، ومن أمثلتها في المملكة المتحدة: بطاقات الهدايا لشركة وَن فور آل (One4all) حيث يمكن استخدامها في عدد كبير من شركات ومتاجر داخل المملكة[14].
2 – بطاقة الاستخدام المحدود (Closed Loop Card): وهي بطاقة دفع إلكتروني تتيح لحاملها إجراء عمليات الشراء من شركة واحدة، وتحمل شعارها عادةً، إلا أنه لا يمكن إعادة تعبئتها، مثل: بطاقات الهدايا لشركات آرجوس (Argos) وأزدا (Asda) وبرايمارك (Primark) وأمازون (Amazon) وغيرها.


وظائفها وخصائصها:
أما أهمّ وظائفها وخصائصها فهي كما يلي[15]:
1 – أنها تصدر لمرة واحدة، ولا يمكن تمديد تاريخ صلاحيتها أو إعادة تعبئتها أو استرداد رصيدها عند انتهائها.
2 – عند الشراء بالبطاقة – سواء بكامل الرصيد أو جزء منه – تطبق شروط وأحكام البيع بالتجزئة (Retail sale) على العقد بين العميل (المهدى إليه) والمتجر حسب كل فئة.
3 – قد يتم إصدار البطاقة من التاجر نفسه، وقد يتم إصدارها عبر الوسيط.
4 – لا تعتبر بطاقات الهدايا حساباً جارياً أو حساب توفير أو وديعة تحت الطلب أو حساب أصول شخصية، ولا يتم منح أي فوائد على الرصيد المتوفر.
5 – يمكن للمُهدَى إليه استخدام بطاقات الهدايا البنكية في أي مكان تقبل فيه بطاقات الخصم المباشر من ماستركارد (Mastercard) أو الفيزا (Visa) ونحوها.
6 - لا يمكن استخدام بطاقات الهدايا للاسترداد النقدي، بل يمكن استخدامها لشراء السلع والخدمات فقط.
7 – وإذا انتهت مدتها يخسرُ حاملُها الرصيدَ المتبقي فيها، وإذا فُقِدت لا يمكن استبدالها بأخرى.


أحكامها الشرعية:
أما أحكامها الشرعية، فنبحث عن الأمور التالية: حكم بيعها، وحكم المعاوضة النقدية عن هذه البطاقات وما يتضمن من مسألة الربا ووجوب الزكاة على رصيد هذه البطاقات وما إليها.


حكم بيع وشراء بطاقات الهدايا:
أما بيع بطاقات الهدايا فالذي يظهر للباحث أنه لا حرج فيه، إذ هذه البطاقات – كما يبدو – من الأموال المباحة، ولا ريب في صحة البيع إذا لم يكن أحد البدلين من الأموال المحرمة في الشريعة.
قال العلامة ابن عابدين: «المراد بالمال: ما يميل إليه الطبع، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة، والمالية تثبت بتمول الناس كافة أو بعضهم، والتقوم يثبت بها، وبإباحة الانتفاع به شرعاً»[16].
ولا شك أن بطاقات الهدايا أصبحت مالاً، بل من أنفس الأموال، بسبب شيوع استخدامها بين الناس، وإذ أنها لا تمثل إلا مبلغا محددا من النقود ولا تحتوي على شيء محرم فهي متقومة ومباح الانتفاع بها شرعاً.
وبالإضافة إلى ذلك، الأصل في الأشياء الإباحة كما هو مقرر عند الفقهاء[17]. قال تعالى: ﴿أحل الله البيع وحرم الربا﴾، وقال النبي ﷺ: «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» [18].


حكم المعاوضة النقدية عن بطاقات الهدايا:
أما حكم المعاوضة النقدية عن هذه البطاقات فهذا يختلف باختلاف تكييفها نقودا أو سلعا أو دينا، فللمعاصرين فيه أربعة أقوال:


القول الأول:
أن هذه البطاقات تعتبر نوعا من أنواع النقود، فلها حكم النقود الورقية من حيث إجراء أحكام الصرف فيها، وجريان الربا، ووجوب الزكاة، كأحكام الدراهم والدنانير. وهذا قول دار الإفتاء الأردنية[19]، وقول الدكتور صغير بن محمد الصغير[20]، وقول بعض المفتين[21].
ويتفرع من هذا القول المسائلُ الآتية:
· إذا اشتريت هذه البطاقات بنفس العملة التي في رصيدها وَجَبَ التماثلُ والتقابض، وحرُم التفاضل والنسيئة؛ لأنها جنس واحد، وقد روى الإمام مسلم (1587) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد».
· وأما إذا اشتريت البطاقة بعملة مغايرة لعملة رصيدها، فلا بأس بالتفاضل؛ لقوله ﷺ: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد».
· فلا يجوز شراء البطاقة التي رصيدها – على سبيل المثال - عشرون دولاراً بتسعة عشر أو بواحد وعشرين دولاراً، ويجوز شراء نفس البطاقة بمائة ريال.
· وتجب الزكاة على رصيد بطاقات الهدايا كما تجب الزكاة على النقود.


القول الثاني:
أنها تعتبر سلعة من السلع، وأنها منتجات مالية بنفسها بغض النظر عن الرصيد الموجود فيها، فلا تجري فيها أحكام الصرف والربا، بل لها أحكام البيع المطلق، وهو[22] قول بعض المفتين[23]، وبناء على هذا:
· لا يجب فيها التقابض والتماثل وإن اشتريت بنفس العملة التي في رصيدها، بل يجوز فيها التفاضل والنسيئة سواءً.

· فيجوز شراء البطاقة التي رصيدها عشرون دولاراً بتسعة عشر أو واحد وعشرين دولاراً، ولا يعتبر هذا من باب الربا.
· ولا تجب الزكاة على الرصيد كما لا تجب على العروض، إلا إذا كانت هي عروض التجارة.


القول الثالث:
أنها نوع من النقود الإلكترونية ودين مضمون على مُصْدِر البطاقة، فيكون المُصدِرُ مَدِينا وحامل البطاقة دائناً، فكأن المُصدرَ استقرض رصيد البطاقة من حاملها، فلا يجوز معاوضتها نقدا إلا بالتماثل؛ لئلا تفضي إلى الربا لاشتمالها على فضل خال عن العوض[24].


القول الرابع:
يفرق بين نوعي بطاقات الهدايا، فأما النوع الأول – وهي بطاقات الاستخدام المفتوح – فلها حكم النقود، وتجري فيها أحكام الصرف وغيرها، وأما النوع الثاني – وهي بطاقات الاستخدام المحدود – فلها حكم السلع، ولا تجري فيها أحكام الصرف وغيرها [25].


القول الراجح:
يبدو لهذا الباحث أن القول الراجح هو الأول، إلا أن الباحث لا يرى أن لهذه البطاقات نفس أحكام الدراهم والدنانير من حيث إجراء أحكام الصرف من وجوب التقابض وحرمة النسيئة ولو اختلف الجنس، بل يرى الباحث أن لها أحكام الفلوس؛ تفريقًا بين الأثمان الخلقية والأثمان الاصطلاحية أو العرفية، كما قرّره شيخ مشايخنا العلامة محمد تقي العثماني – حفظه الله تعالى – في كتاب «فقه البيوع» في بحث النقود الورقية[26]، فبناء على هذا:
· يجب التقابض والتماثل إذا اشتُرِيت هذه البطاقات بنفس العملة التي في رصيدها؛
· ولا بأس بالتفاضل والنسيئة إذا اشتريت بعملة مغايرة عن رصيدها؛
· وتجب الزكاة في رصيدها. [27]


ويرجح الباحث هذا القول بناء على الأدلة التالية:

أولاً: استخدام هذه البطاقات يعتبر استخداما للعملات نفسها، فلذا تقوم مقام العملات وتأخذ أحكامها.
فإن قيل: إن هذه البطاقات لا يمكن استخدامها إلا عن طريق الجهة التي أصدرتها، وأنه لا يمكن استرداد ما فيها من النقد، وهذا يُغلِّب كونها سلعة.
أجيب: بأن هذا لا يضر أيضا؛ لأن العملات أيضا مثلها، فإنها إذا انتهت مدتها – كما إذا ألغت الحكومة صلاحيتها كوسيلة للتبادل وأصدرت عملات جديدة مكانها – أو فُقِدت، لا يمكن لحاملها الاستفادةُ منها واسترجاعها.
فغاية الفرق بين العملات وهذه البطاقات: أنها تُصدرها شركات خاصة والعملات تُصدرها الدول، وأن العملات مدة انتهائها غير معلومة حين إصدارها خلافاً لهذه البطاقات؛ فإن مدة انتهائها معلومة وقتَ إصدارها، بل هي مكتوبة عليها أو على الفاتورة.
ثانياً: هذه البطاقات مثل الشيك المصرفي المصدَّق، بل هي أكثر شبها بالنقود من الشيكات؛ لأنها وسيلة للتبادل التجاري بدون قيود؛ لأنه يمكن بها شراء السلع والبضائع المتنوعة، بخلاف الشيك؛ فإنه لا يمكن صرفه إلا لمن حرر لصالحه[28].
ثالثاً: الأخذ بالأحوط يرجح كون هذه البطاقات في حكم النقود؛ إذ القول بأنها في حكم السلع يفتح باب الربا بمصراعيه ويلغي وجوب الزكاة في رصيد هذه البطاقات. وقال عليه السلام: «إنَّ الحلال بيِّنٌ، وإنَّ الحرام بيِّنٌ، وبينهما أمور مُشتبهات لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس، فمَن اتَّقى الشُّبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومَن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يُوشك أن يرتع فيه، ألا وإنَّ لكل ملكٍ حمى، ألا وإنَّ حمى الله محارمه، ألا وإنَّ في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح الجسدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسدُ كله، ألا وهي القلب». رواه مسلم (1599).
رابعاً: قاعدة: «إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام» أيضا ترجح كون هذه البطاقات في حكم النقود؛ لأن عدم التماثل عند شراء هذه البطاقات بنفس العملة التي في رصيدها جائزٌ عند من يجعلها في حكم السلع، وحرامٌ عند من يجعلها في حكم النقود، فاجتمع فيه دليل التحريم ودليل التحليل، فيغلب جانب الحرمة [29].

وأما القول بأن هذه البطاقات منتجات مالية مستقلة فيجاب عنه بأن هذا ليس بسديد؛ لأنها لو كانت منتجات مالية بنفسها لكان لها قيمة مستقلة بغض النظر عن رصيدها، ومعلومٌ أن هذه البطاقات إذا نفد رصيدها لا يبقى لها أي قيمة، بل تطرح في سلة المهملات ولا يتعاطاها أحد ولو بفلسة أو فلستين، ولو سُلِّم أنّ لها قيمة فهي مثل قيمة الأشياء التي تطرح في سلة النفايات للتدوير فقط لا غير.
وهذا المعنى – أي: عدم وجود أي قيمة لها – أوضحُ بالنسبة للبطاقات الرقمية (digital)؛ إذ ليس لها وجود خارجي ولا يمكن تسليمها بعينها دون رصيدها. فهذا أكبر دليل على أن قيمة هذه البطاقات هي قيمة رصيدها، وأن الأصل هو الرصيد دون البطاقة، فالبطاقة تابعة للرصيد لا العكس، فإذا كان الرصيد مثلاً عشرين دولاراً فهي قيمة البطاقة، وإذا كان الرصيد صفرا فقيمة البطاقة صفر، فلا يمكن للبطاقة أن تكون أصلا والرصيد حقاً تابعاً يمكّن حاملَ البطاقة من شراء بضائع غير معينة من الشركات التي تقبل هذه البطاقة؛ إذ البطاقة غير مقصودة أصلاً، فأنى تكون هذه البطاقات منتجات مالية مستقلة عن رصيدها؟!
وأما القول الثالث فيجاب عنه بأن هذه البطاقات لا يمكن لها أن تصبح في حكم الديون أو سندات دين؛ لأنها إذا فقدت أو انتهت مدتها يخسر حاملها رصيدها المتبقي وليس له أي حق في مطالبة المُصدِر بدفع هذا المبلغ إليه، والديون لا تسقط بالتقادم وليس لها مدة الانتهاء، كما هو معلوم، فكيف يكون رصيد هذه البطاقات دينا على مصدرها؟
وأما القول الرابع فيجاب عنه بأنه لا وجه للتفريق بين النوعين، كما بينّا أن كلا النوعين من البطاقات يستخدم كالعملات.


الخلاصة:
بطاقات الهدايا أشبه بالنقود والعملات، ويمكن أن نسميها «شبه نقود»، فلذا يترتب عليها مختلف أحكام النقود من جريان الربا ووجوب الزكاة وما إلى ذلك، فلا يجوز فيها التفاضل والنسيئة إذا اشتريت هذه البطاقات بنفس العملة التي في الرصيد، ويجوز التفاضل والنسيئة إذا كان الشراء بعملة مغايرة، وتجب الزكاة في رصيدها إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول كما في الأوراق النقدية. والله أعلم بالصواب.



الهوامش :
[1] https://gizmodo.com/5434783/the-vile-history-of-gift-cards-and-how-they-came-to-destroy-christmas
[2] الصحاح للجوهري: مادة (بطق)، ص: 1450.
[3] القاموس المحيط للفيروزآبادي: مادة (بطق) ص: 868
[4] وقال شارحه الزبيدي في تاج العروس (25/85): «قال ابن سيده: وهذا الاشتقاق خطأ، لأن الباء على قوله باء الجر، فتكون زائدة، والصحيح فيه قول ابن الأعرابي: إنها الورقة».
[5] المعجم الوسيط: مادة (بطق) ص: 61.
[6] معجم اللغة العربية المعاصرة لأحمد عمر مختار: 1/218، مادة (بطق).
[7] بطاقات الإهداء مسبقة الدفع – حقيقتها وأحكامها، مجلة البحوث الإسلامية، العدد 131، ص: 107.
[8] معجم التعريفات، ص: 215
[9] الموسوعة الفقهية الكويتية: 42/252.
[10] https://shorturl.at/2D90M
[11] http://dictionary.cambridge.org/dictionary/british/gift-token
[12] بطاقات الإهداء مسبقة الدفع – حقيقتها وأحكامها، ص: 110
[13] https://shorturl.at/r04Kp
[14] https://www.one4all.com/new-where-to-spend
[15] بطاقات الإهداء مسبقة الدفع – حقيقتها وأحكامها، ص: 112 – 116.
[16] حاشية ابن عابدين 14: 9، دار الثقافة والتراث.
[17] نفس المصدر 1: 349.
[18]رواه الترمذي رقم (١٧٢٦) في اللباس، باب ما جاء في لبس الفراء، وابن ماجة رقم (٣٣٦٧) في الأطعمة، باب أكل الجبن والسمن.
[19] https://shorturl.at/IUbCW
[20] https://shorturl.at/bcKnJ
[21] https://shorturl.at/6UCMz
[22] https://islamicportal.co.uk/purchasing-gift-vouchers-cheaper-than-their-value
[23] https://shorturl.at/GmApo
[24] https://darulfiqh.com/is-it-permissible-to-buy-pre-loaded-gift-cards-with-discount-on-ebay/
[25] https://joebradford.net/buy-sell-gift-cards-face-value-islamic-law-ruling/
[26] فقه البيوع 2: 688 – 713، دار القلم.
[27] نفس المصدر، 2: 703.
[28] بطاقة الإهداء مسبقة الدفع، ص 129.
[29] عمدة ذوي الأبصار لحل مهمات الأشباه والنظائر للعلامة بيري زاده ج/ ، ص/276 ،، مكتبة الإرشاد.


الأستاذ عبد الله فهيم *

*عضو هيئة التدريس بمعهد الصفة - برمنجهام - المملكة المتحدة (بريطانيا/إنجلترا)

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
إعداد: د. إبراهيم محمد الحريري الخبير بمعلَمَة القواعد الفقهية (مجمع الفقه الإسلامي بجدة)...
الأخذ بالرخصة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١الأخذ بالرخصة
            كتبه: طه محمد فارس   الرخصة في اللغة: اليس...
(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
  التأصيل الشرعي: إنَّ مقولةَ ( لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) ليست مِن القواعد الفقهية، أو ال...