إن التوكل هو مجرد أن لا نقلق "Do not Worry". لكن من الذي لا يقلق أمام الأمور الهامة في الحياة، إلا طفل غافل، أو غبي جاهل لا يدرك الاحتمالات السيئة الممكنة، أو شخص مستند إلى قوة عظمى، بيدها كل شيء، وتقف إلى جانبه، ومنحازة إليه، وهل هنالك أعظم من رب العالمين، الذي يدعونا إلى التوكل عليه، والاستنامة إلى عظمته، وقدرته، والطمأنينة في أحضان رحمته، طمأنينة أحلى من طمأنينة الرضيع على صدر أم رؤوم حنون...
أن أتوكل على الله، أي: أن لا أقلق وأنا أجابه ظروف الحياة وضغوطها، رغم كل الاحتمالات، لأني اكتفيت به سبحانه وتعالى {حسبي الله ونعم الوكيل}. {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} التوبة129
بعدما نزل بالمؤمنين والرسول محمد صلى الله عليه وسلم من قرح، ومعاناة، بعد معركة أحد، وهم يلملمون جراحهم، جاءهم من يقول: إن المشركين قد جمعوا حشودهم، ليعيدوا الكرة عليهم، ويفنوهم عن آخرهم، فقالوا: "حسبنا الله ونعم الوكيل"..فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء.. اقرؤوا وتأملوا:
{الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ{172} الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ{173} فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ{174} (آل عمران: 172 - 174).
والله وعدنا على لسان نبيه، أن لو توكلنا عليه حق توكله، لرزقنا كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، أي: تخرج في الصباح وبطونها خاوية خالية، وتروح، أي: ترجع بطاناً، أي: قد ملأت بطونها بما وجدته من القوت والرزق، فالطير يخرج من عشه، ويبحث عن رزقه الذي يجده ملقياً هنا وهناك، حباً أو دوداً، أو غير ذلك، والجهد اللازم، إنما هو في التقاط هذا الرزق، والعودة به إلى العش، ليغذي به صغاره، ويتغذى هو بما يفضل ويزيد عن صغاره.. عن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا. (رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وقال حسن صحيح وقال الحكم في مستدركه صحيح الإسناد).
المتوكلون يرزقهم الله رزقاً ميسراً، وبسهولة، كما يرزق الطير، بيسر وسهولة، أي: إن للتوكل على الله مكافأة فورية، هي تيسير الرزق، وسهولة الحصول عليه....
كما إن للتوكل على الله مكافأة كبرى هي الفوز بحب الله. {إن الله يحب المتوكلين}. (آل عمران: 159). وهل هنالك ما هو أروع من أن يحبنا الله؟، وهل بعد أن يحبنا ربنا، يمكن أن يخزينا أو يذلنا؟. لا والله، لا يمكن أن يتخلى الودود عمن أحب.
إن التوكل يوصلنا إلى الشعور بالأمان، والطمأنينة، والسكينة، ويقربنا إلى الله، ويضمن لنا أن يقدر الله لنا الخير، وما هو أحسن لنا، مما لنا به علم، أو من حيث لا نعلم.
والتوكل على الله أحد الأسباب التي على المؤمن أن يأخذ بها ليصل إلى ما يريد وهو مكمل للكَيْس الذي دعانا النبي إليه وليس عجزاً وانعدام حيلة. فالتوكل على الله مع الدعاء والطلب من الله أن يعطينا ما نحب من الخير هما من أهم الأسباب التي يسهل على المؤمن الأخذ بها فييسر الله له مراده بأهون الأسباب وأقل الجهد.
ونعود إلى القلق الظرفي، الذي لخص رسول الله صلى الله عليه وسلم شفاءه، والوقاية منه، في قوله: [إعقلها وتوكل]، لنؤكد على أهمية الاجتهاد، وبذل الجهد، والإعداد للأمر قدر المستطاع، لنقلل من دواعي القلق بسببه. فالذي عليه امتحان، عليه الدراسة الجيدة، والمراجعة، والمذاكرة، حتى يتقن المادة المطلوبة منه، وعندها تقل دواعي القلق لديه، وحتى لو رسب، وأخفق، لن يلوم نفسه على التكاسل، والتقصير، لأن الإخفاق سيكون لأمر خارج عن سيطرته.. وكذلك في أمور الحياة الأخرى نبذل من الجهد ما نستطيع ونحن متوكلون على الله فنضمن أن يقدر لنا ربنا الخير وييسره لنا بأهون الأسباب.
أرجو ممن أعجبته مقالتي هذه أن يتكرم بنشرها لعل الله يثيبه ويثيبني وينتفع بها إخوة آخرون.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


