ولم ينتبه كثيرون إلى أن النفس المطمئنة المخاطبة بالآية الكريمة، إنما هي النفس المؤمنة التي استحقت الجنة، فبشرت بها بمجرد أن بعثها الله، فاطمأنت، وكانت من الذين. {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. أي: لا خوف عليهم لأنهم ليسوا في خطر، ولا هم يحزنون لأنهم مبشرون، ويعلمون أنهم ناجون، وأن الجنة بانتظارهم عندما يحين الوقت.. بل عندما تقبض الروح تكشف الحجب، ويصبح البصر حديداً، يرى ما لا نراه، فيرى الصالح مقعده من الجنة فيقول: "قدموني، قدموني". ويرى الشقي مقعده من النار، فيكره لقاء الله ويقول: "أخروني، أخروني"كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم.
لذلك ولأن الملائكة تتنزل على صالح المؤمنين يوم القيامة بالبشرى. {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ }فصلت30 {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}النمل89 تكون نفوس الصالحين يوم القيامة مطمئنة لا تحزن ولا تخاف، ثم تدخل الجنة، وهنالك ينزع منها حتى القابلية للحزن والقلق فيتمتع المؤمنون بوجود رائع، ليس فيه قلق ولا حزن ولا خشية ولا هم ولا غم، فينطلق لسانه يحمد الله على هذه النعمة:
وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ{34} الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ{35 فاطر-3534). وهذه الآية دليل أن الحزن والقلق يلازمان النفس البشرية في الدنيا، حتى لو كانت مؤمنة، وأن زوال القلق والحزن، هو من نعيم الجنة ففي الجنة ليس للقلق والحزن فائدة، لأن الجنة دار السلام والأمان والرعاية والعناية الربانية، ولا يحتاج فيها الإنسان إلى جرس الإنذار الذي يحذره من الأخطار غير المنظورة ليجعله يتوقعها ويتجنبها.
وفي الجنة ينزع من القلوب الحقد والغل. {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ }الحجر47 وهذه الآية الكريمة، تذكرني بالتجارب الحديثة على أدمغة بعض الحيوانات الشبيهة بالإنسان، حيث استأصل الباحثون جزءاً صغيراً من المخ اسمه اللوزة Amygdala فانقلب الحيوان الشرس العدائي، إلى كائن مسالم وصبور، من العسير جداً استثارة غضبه وعدائه. ولا يبعد أن يكون نزع الغل، وإذهاب الحزن من أنفسنا في الجنة، بأن تستأصل من أدمغتنا أجزاء صغيرة تقوم بتوليد تلك المشاعر في الدنيا لحكمة عظيمة، بينما في الجنة لا حاجة لتلك المشاعر السلبية أبداً .
يجب أن نفهم ديننا جيداً، حتى لا نقسو على أنفسنا فنحرجها ونشق عليها.
ولو كان المؤمن لا يحزن ولا يقلق، لما حزن أبو بكر في الغار، وهو خير المؤمنين إيماناً بعد رسول الله، ولما تطلب الموقف أن يطمئنه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ويذكره بمعية الله لهما:
{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } التوبة40
أرجو ممن أعجبته مقالتي هذه أن يتكرم بنشرها لعل الله يثيبه ويثيبني وينتفع بها إخوة آخرون.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


