وللنفس البشرية أساليب وحيل، للتغلب على قلقها والتهرب منه، لكن مهما كانت مهارتها في ذلك كبيرة، فإنها دون الإيمان ما أكثر ما تخفق! فتقع فريسة القلق والاكتئاب والإحباط والمعاناة النفسية... ويتحدث عالم النفس الشهير" كارل يونغ"، عن تجربته فيقول: "....وعالجت مئات كثيرة من المرضى، فلم أجد مريضاً واحداً من مرضاي الذين كانوا في النصف الثاني من عمرهم، أي: جاوزوا سن الخامسة والثلاثين، لم تكن مشكلته في أساسها إلا افتقاره إلى وجهة نظر دينية في الحياة.... وإنه لم يتم شفاء أحد منهم حقيقة، إلا بعد أن استعاد نظرته الدينية في الحياة".
والمؤمن يصاب بالقلق والاكتئاب والإحباط بقدر ما يغفل عنه أو يجهله من حقائق الإيمان، ويكون في القرآن الكريم الذي يجمع تلك الحقائق الشافية كلها، يكون شفاؤه وطمأنينته وسكينته..
قال تعالى: {يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين}. " يونس: 57".
اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وشفاء صدورنا، وجلاء همنا وحزننا وغمنا.
والإنسان المؤمن يصاب أيضاً بالقلق والاكتئاب والوسواس القهري، وبجميع الحالات المرضية التي يصاب بها البشر، لأن إيمانه لا يخرجه عن بشريته، وقابلية جسمه لأنواع الخلل والاضطراب في أداء وظائفه.
فالإيمان لا يحول دون الإصابة بالداء السكري، أو أمراض القلب، أو الكبد، أو الكلية. وهكذا هي الأمراض النفسية من قلق واكتئاب وغيرهما، إذ تنتج عن خلل في عمل مواد كيماوية معينة في خلايا المخ، فيرتبك أداؤه لوظائفه النفسية والعقلية، ويشعر الإنسان بالأعراض المزعجة من خوف وقلق، وحزن وتشاؤم ووسوسة وغير ذلك.
وللأسف تنتشر خرافة لدى الكثير من المسلمين تقول: إن المؤمن لا تصيبه الأمراض النفسية، وإن هي أصابته فذاك دليل على نقص إيمانه، وما عليه لعلاجها إلاّ أن يراجع إيمانه، ويستكمل ما ينقصه منه، ويتلافى تقصيره في العبادات، ويكثر من النوافل، إلى غير ذلك من كلام لا تصدر إلاّ عن جهل كامل بطبيعة النفس البشرية التي خلقها الله من تراب، وجعلها من لحم ودم، ومن خلايا تعمل وتتواصل، وجعل لها جهازاً عصبياً مركزياً، ينظم كل شيء فيها، ويقوم بإدراك كل ما يدركه الإنسان، وفيه تتكون المشاعر والأفكار، وفيه يتولد الخوف أو القلق أو الحزن أو الغضب أو الرضى، أو السرور وغير ذلك من مشاعر، وإذا ما أصاب الخلل عمله، فإن صاحبه يعاني من مشاعر وأفكار مزعجة، لا لأنه ناقص الإيمان، بل لأنه مريض. قال صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). (رواه مسلم)
والقلب في القرآن والحديث، هو إشارة إلى آلة الفكر والعقل والشعور. {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }الأعراف179
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} الحج46
أرجو ممن أعجبته مقالتي هذه أن يتكرم بنشرها لعل الله يثيبه ويثيبني وينتفع بها إخوة آخرون.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


