عندما عصى آدم ربه، وأكل من شجرة من شجر الدنيا كانت قائمة في الجنة وأمره ربه أن لا يأكل منها، اضطر إلى ما نضطر إليه، من طرح الفضلات المقززة، وبدت له سوأته، كما بدت سوءة زوجه حواء، واستحقا مع إبليس، أن يهبطا إلى الأرض التي خلق أصلاً ليكون خليفة لله فيها. عندها قال تعالى: { قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى (124)}. (طه: 123 - 124). إذاً بهداية رب العالمين، لا يضل المرء، ولا يشقى، أما إن رفض هذه الهداية، فإن له معيشة ضنكاً، كلها ضلال وشقاء.
والضلال هو السبب الأساسي للقلق الإنساني الوجودي، حيث يحتار الإنسان ماذا يفعل في حياته، وحيث يضنيه البحث عن معنى لوجوده، وللحياة من حوله، فلا يراها إلا فاقدة للمعنى والهدف، ولا تبدو له إلا عبثية عدمية، فيصبح الشعور بالغثيان فلسفة، والشعور بالسأم مزاجاً سائداً، وتصبح اللذة الحسية غاية الوجود، وخير ما يغنمه الإنسان من حياته الفانية، ويزداد الشعور بالضياع والضلال، ويختفي الفرح والسرور من القلوب، وتختفي الابتسامة، لتغشى الوجوه كآبة دائمة، تعكس ما تمر فيه النفس الإنسانية من ضنك ومن ضلال وشقاء، عندما استكبرت على خالقها، ورفضت الانحناء له وإتباع نهجه وهداه.
لقد خلق الله في النفوس القابلية للقلق النفسي، ليكون القلق دافعاً لها للعمل، والتخطيط للمستقبل، لتحمي نفسها، وتحمي من تحب من مخاطر الحياة الدنيا، ومخاطر الآخرة.
والعبرة في القلق والاكتئاب، في ما يراه الإنسان خطراً أو خسارة، سواء كانت هنالك خطورة حقيقية، أو كانت الخطورة متوهمة، وسواء كانت الخسارة حقيقية، أو كانت متوهمة، فإن أثرها النفسي واحد، وكل ما تتصوره النفس حقيقة، فهو بالنسبة لها حقيقة، ويؤثر فيها التأثر الكامل.
لذا كانت رؤية الإنسان للأمور، وتقديراته لاحتمالات المستقبل، هي العامل الفعال في وقوعه في القلق، فإن هو أخطأ في تقديراته، أو كان منظوره لأمور الحياة منظوراً خاطئاً، فإنه يفقد الشعور بالأمان والطمأنينة، ويحس بالخسران، ويغمره القلق والاكتئاب، وتكون معيشته ضنكاً كلها معاناة، ويتحول القلق لديه من سبب من أسباب السعادة والنجاة إلى عذاب، ومصدر للمعاناة التي لا تثمر إلا حلولاً متخبطة، طالما أنه رافض لهداية خالقه.
فالإنسان مخلوق، والمخلوق مهما أوتي من قدرات، يبقى محكوماً للذي خلقه، ويبقى خاضعاً للنظام الذي أراده الخالق سبحانه وتعالى...
وما أن يتفكر الإنسان في وجوده في هذه الحياة، حتى يقف وجهاً لوجه أمام تحديات كبرى لا قبل له بمواجهتها، والتغلب على القلق الذي تثيره في نفسه إلا بهداية رب العالمين.
ولعل أهم أنواع هذا القلق، قلق ينشأ عن إدراك الإنسان أن حياته على هذه الأرض مؤقتة، لا بد للموت من أن ينهيها يوماً ما، وإدراكه أنه قد خلق فرداً وحيداً، وسيموت فرداً وحيداً، فهو كائن مستقل عن هذا الكون، وعن كل من حوله، إنه مخلوق له ذاتيته وفرديته، وبالتالي فإنه وحده يحمل تبعات وجوده ونتائجه.
وبسبب إدراكه لضعفه، ومحدوديته كبشر، يغمره إحساس بالوحدة والعزلة يملأ نفسه رعباً وقلقاً.
ثم هنالك إحساسه بأنه مخلوق حر مريد، ومع بحثه الدائم عن معنى لوجوده، يغدو الضلال وفقد الهداية من أكبر مصادر القلق في النفس البشرية، إذ يحار من لم تصله الهداية، ويحار من وصلته ولم يتبعها، يحار ماذا يفعل في هذا الوجود، وهو المخلوق الحر المريد، ويحار في معنى وجوده وغايته، فيرى الحياة عبثاً لا طائل وراءه، وتفقد الحياة كل طعم لها، وتكون المعيشة الضنك.
وبالإضافة إلى هذه الأسباب الوجودية الكبرى للقلق الإنساني، التي لا شفاء للقلق الذي تثيره إلا بالإيمان، فإن هنالك مصادر كثيرة للقلق في الحياة اليومية، كالخوف من الإخفاق، والخوف من المصائب، والخوف من اتخاذ قرار خاطئ في أمر هام جداً، أو غير ذلك من دواعي القلق...
أرجو ممن أعجبته مقالتي هذه أن يتكرم بنشرها لعل الله يثيبه ويثيبني وينتفع بها إخوة آخرون.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


