بصائر نفسية إسلامية الغيظ والغضب

بصائر نفسية إسلامية الغيظ والغضب

التصنيف: ركن الشباب
السبت، ٢٢ رجب ١٤٣٤ هـ - ١ حزيران ٢٠١٣
555

 
 
6 - حسن الخلق والتحكم في الانفعالات
 
بقلم الدكتور محمد كمال الشريف
      قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً{63} }. (الفرقان: 63).
     إننا عندما نقرأ هذه الآية الكريمة نكاد نرى السكينة التي تملأ نفوس المؤمنين بأم أعيننا.
     إن الإيمان يغير في الشخصية الإنسانية، ويجعلها هينة لينة سهلة، لا تميل إلى العنف والشدة، إلا في مواقف الجهاد في سبيل الله ضد الكفار الذين يحاربون دين الله.
     وقد وعد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم المؤمن الهين اللين أن يحرم الله عليه النار، قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: [ألا أخبركم بمن يحرم على النار -أو بمن تحرم عليه النار؟- تحرم على كل قريب هين لين سهل]. (رواه الترمذي وقال: حديث حسن).
     ويقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه: [إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة]. (رواه مسلم).
     وروى ابو داود أن أشج عبد قيس أتى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن فيك خلتين يحبهما اللّه ورسوله الحلم والأناة" قال: يارسول اللّه! أنا أتخلق بهما أم اللّه جبلني عليهما. قال: "بل اللّه جبلك عليهما" قال: الحمد للّه الذي جبلني على خلتين يحبهما اللّه ورسوله. والدراسات المعاصرة أثبتت أن الوراثة تحدد سمات الشخصية إلى حد بعيد ورسولنا أكد على دور الوراثة في سمات الشخصية قبل علماء عصرنا بقرون لأن الذي علمه ذلك هو الخبير العليم.
      إن النفس المؤمنة نفس تتمتع بالسكينة والاستقرار، فلا تهتاج إلا للأمر العظيم، وهي مطمئنة على قدرها ومكانتها عند الله، فلا تشعر بالتهديد لهذا القدر لأتفه الأسباب، كما يحدث لمن يستمد قيمته من نظرة الناس إليه لا من رضا الله عليه.
     قال أنس -رضي الله عنه-: "كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: "يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء". (متفق عليه).
     إن الأخلاق الحسنة، والتعود على التعامل مع الآخرين باللين والرحمة والرفق تترك أثرها في النفس، حيث تمتلئ النفس طمأنينة وسكينة، فالذي لا يكظم غيظه، بل يثور ويغضب، لا يمكن له أن يحافظ على حسن خلقه، ولا بد له في ثورة غضبه من أن يكون عنيفاً، وقد يظلم ويرد الإساءة بأكثر منها.
      لذا كان الحث في الإسلام على الرفق واللين.
      قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: [إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله]. (متفق عليه).
     وقال أيضاً: [إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه]. (رواه مسلم).
     وقال صلى الله عليه وسلم: [إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شأنه]. (رواه مسلم).
     وقال أيضاً: [من يحرم الرفق يحرم الخير كله]. (رواه مسلم).
     وقد علمنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم طرقاً لتهدئة غضبنا إذا عجزنا عن كظم غيظنا، وهي طرق سلوكية سبقت العلاج النفسي الحديث بأربعة عشر قرناً من الزمان، فقد وجد علم النفس الحديث أن حالة الإنسان الانفعالية تتأثر بحالة جسده من حيث وضعيته، والتعبيرات التي على وجهه، وغير ذلك، فالانفعال النفسي يؤدي إلى تغيير في تعبيرات الوجه، ووضعية الجسم، ثم إن إحساس الإنسان بهذه التغييرات يزيد من الانفعال النفسي الذي ولدها في البداية، وهكذا يقوم الانفعال بتضخيم ذاته حتى يصبح شعوراً قوياً محركاً للإنسان.
     وانفعال الغيظ وما يولده من تعبيرات الغضب على الوجه والجسم، ومن استنفار الجسم، وتهيئه للهجوم على الخصم، يزداد بدوره، ويتعاظم نتيجة إدراك الإنسان وإحساسه بحالة تعبيرات وجهه، والتبدلات الغضبية الأخرى في جسمه، وبالتالي فإن أي معاكسة لهذه التغييرات الغضبية في الجسم،وأي اتخاذ لأوضاع متناقضة معها يرسل إيحاءاته إلى النفس، فتعاكس الغيظ والثورة التي فيها، ويهدأ غضب الإنسان.
      قال صلى الله عليه وسلم: [وإذا غضب أحدكم فليسكت]. (رواه أحمد).
     وقال أيضاً: [إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع]. (رواه أبو داود).
     وقال صلى الله عليه وسلم: [إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ]. (أبو داود 4784) .
     وقد استب رجلان عند النبي محمد صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إني لأعرف كلمة لو قالها هذا لذهب عنه الذي يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم]. (أبو داود: 4781).
     لقد جعل الله سبحانه وتعالى للخلق الحسن والصبر والرفق واللين جائزة فورية للمؤمن، وهي سكينة تملأ نفسه، وطمأنينة تملأ قلبه، وعافية في النفس والبدن تزين حياته.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...