بر الوالدين الوالدين وحقوقهما

بر الوالدين الوالدين وحقوقهما

التصنيف: ركن الشباب
السبت، ١١ ذو القعدة ١٤٤٠ هـ - ١٣ تموز ٢٠١٩
4988

يأتي برّ الوالدين في الإسلام في القمّة من سلّم القيم العليا ، إنّه يأتي مباشرة بعد الإيمان بالله تعالى. يدلّ على هذا قوله سبحانه : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا {23} وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا {24}} سورة الإسراء .

- الوالدان سبب وجودك وسقيا بقائك ، كم سهرا لتنام ، وكم تعبا لتستريح ، وكم استبدّ بهما القلق إذا ما أصابك أدنى مكروه … وإنّ الحديث عن فضلهما يطول ، لا توفّيه حقّه البلغاء ، ولا تَقْدِرُعلى إظهار حقيقته الأدباء . وليس في الدنيا من يريد أن يكون أحد خيراً منه ، إلا الوالدين ، فإنّه يسعدهما أن يكون الولد خيراً منهما ، بل يعتزان بهذا ويفخران به بين الناس ! فبماذا سوف تجزيهما أيها الولد ذكراً كنتَ أم أنثى !؟ . 

والسؤال البليغ الذي يقرر قاعدة من أعظم القواعد في التعامل ، جاء في قوله الله تعالى : {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} ، هو خير جواب على سؤالنا المطروح .

- هذه القاعدة العظيمة التي لا يصحّ أن يرتاب فيها عاقل ، ولا أن يغفل عن العمل بمقتضاها عالم أو جاهل ، يسعى بعض المفسدين إلى التشكيك بها وإلغائها من واقع الحياة ، ليسهل تحطيم الأسرة التي هي الخليّة الأساس من خلايا المجتمع ، والتي يكون تماسكها وسلامتها أساساً لتماسك المجتمع وسلامته.

- إنّ طاعة الوالدين في غير معصية فرض . والمتتبع لآيات القرآن الكريم وسنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يفهم بوضوح أنّه لا يجوز لمسلم أن يرفض أمراً لوالديه ، سواءً أعجبه الأمر أم لا ، بل لم يكْتَفِ الإسلام بذلك ، حيث أوجب على المسلم مستوىً من العلاقة ، أعلى من الطاعة وأرقى منها ، حين طالب المسلم ببرّ الوالدين والإحسان إليهما والأدب الرفيع معهما ، وذلك في قوله تعالى : {وبالوالدين إحسانا} إنّه الإحسان الذي يزيد على الطاعة ، ويتجاوزها إلى ما هو أسمى منها ؛ وهوما تشير إليه الآية الكريمة : {ولا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة وقل ربّ ارحمهما كما ربَّياني صغيرا}.

وقد عدّ الرسول صلى الله عليه وسلم عقوق الوالدين من الذنوب الكبيرة المهلكة ، كما عدّ برّهما من أفضل الأعمال ، فقد سُئل الرسول صلى الله عليه وسلم: أيّ العمل خير ؟ قال "الصلاة على وقتها" ثمّ أيّ ؟ قال : "برّ الوالدين" ثمّ أيّ ؟ قال : "الجهاد في سبيل الله" .

ولمّا رأى شابّا يريد الجهاد وليس لوالديه الكبيرين من يرعاهما في غيابه ، أمره أن يبقى قربهما . وقال صلى الله عليه وسلم: "فيهما فجاهد" .

- ومن الأمور التي تلفت النظر ، أنّ آيات القرآن الكريم أمرت الأولاد ببرّ الوالدين والإحسان إليهما ، ولم يَرِدِ الأمر للوالدين ببرّ الأولاد ، بل جاء الأمر للوالدين بالإنفاق ، وبإحسان التربية والتوجيه ، ذلك لأنّ عاطفة الوالدين الفطريّة القويّة تدفعهما إلى حبّ الأولاد والإحسان إليهم ما دامت الفطرة سليمة لم تَفسُد . ولا تنطفئ هذه العاطفة حتى بعد أن يشبّ الأولاد ويكبروا ، بل إنّ عاطفة الوالدين تتسع بعد ذلك لتشمل الأحفاد مع الأولاد.

وكما جاء الأمر للأولاد بطاعة الوالدين والإحسان إليهما ، جاء الأمر للمرأة بطاعة الزوج وحسن التبعّل له ، فهل أمر الأولاد بطاعة الوالدين وأمر المرأة بطاعة الزوج إنّما هو من أجل إخضاع إنسان لآخر ؟! لا … الأمر ليس كذلك ، بل إنّ من وراء هذا معنىً أعمق وأهمّ .

- نعم هناك معنىً أهمّ وأعمق ، وهو تقدير فضل الوالدين الذي أشرنا إليه آنفاً ، ثمّ سلامة الأسرة وتماسكها ، إذ أنّ أيّ مؤسسة لا يمكن أن تنضبط ولا أن يستقيم أمرها إلا إذا كان لها مدير أعلى ، ومرجع له القرار.

وهل يستقيم أمر مؤسسة ليس لها رأس ، ويتصرف كلّ فرد من أفرادها كما يريد ، دون مرجع أو ضابط ؟!.

إنّها مؤسسة تعمّها الفوضى ، ويسرع إليها التفكك والخراب ، وليس مقصدنا أنّ نقول إنّ للوالدين سلطة استبدادية ، بل على الوالدين أن يكونا حكيمين ، وأن يتخلّقا بخلق الإسلام ، وأن يعرفا كيف يعاملان الأولاد . ورحم الله والداً أعان ولده على برّه .

ومن المعلوم أنّ الشورى من مبادئ الإسلام العظيمة ، والأسرة من مجالات تطبيقها بما يناسب جوّ الأسرة ، وتسمح به ظروفها .

وإذاً ، يجب أن نؤكّد أن الأمر بطاعة الوالدين إنّما هو لاستقرار الأسرة والمحافظة عليها . ولا يغيب هذا إلا عن جاهل أو صاحب هوى .

- وثمّة نقطة ثانية لا تقلّ عن سابقتها أهميّة ، وهي حسن العلاقة بين الآباء والأبناء ، تمكّن الأبناء من الاستفادة من تجارب الآباء ، وتتيح للأجيال اللاحقة أن يأخذوا خير خبرات السابقين . ومن الواضح أنّ ذلك لا يتحقق إلا إذا كانت العلاقة بين الأجيال علاقة سليمة ، ونظرة اللاحق للسابق نظرة إقرار بالفضل ، وتقدير للخبرة ، لا نظرة احتقار أو استخفاف .

- وعلى ضوء ما تقدّم ، نفهم ما يسعى بعض المفسدين إلى زرعه في نفوس الأبناء ، بأنّهم جيل متقدّم ، وانّ الآباء جيل متخلّف ، وأنّ الأبناء أكثر انفتاحا وتطوّراً ودراية في الحياة من آبائهم .

نعم ! إنّهم يفعلون ذلك ، ويزيدون على هذا بإيهام الأبناء أنّ عصيان الوالدين ، والانطلاق بعيداً عن توجيهاتهما ، إنّما هو من الحريّة الشخصيّة التي لا يحقّ للوالدين المساس بها … وكلّ ذلك تدليس وغشّ واستخدام للمعاني في الشرّ والتدمير .

- فماذا يبقى من الأسرة بعد هذا الأذى والتخريب ، وأي جوّ ستعيشه الأسرة وتحياه في ظلّ تلك القيم المستوردة والشعارات البرّاقة الخادعة ، التي يُقدّمها سَدَنَةُ الفساد ، وأعداء الأمّة والمجتمع ! .

أيّ حياة هانئة ، وأيّ سكينة ، وأيّ استقرار ، عندما تصبح الزوجة عدوّاً للزوج متمرّدا عليه ! وعندما يحتقر الولد والديه أو يستخفّ بهما ؟!

وإذا تحطّمت هذه اللبنة ، فأيّ بناء سيرتفع ويقوم بلبنات فاسدة محطّمة ؟! .

- يجب أن نعود إلى قيمنا الأصيلة ، وإلى أحكام ديننا العظيم ، مع نبذ القيم الفاسدة المستحدثة التي يُزيّنها المفسدون ، ويُقدّمونها بأثواب مزخرفة ، تعجز عن ستر عوراتها ، وإخفاء بشاعتها .

إنّنا بحاجة إلى طاعة الوالدين ، وبِرّهما ، لِمَا لَهُما من فضل ، ولأنّ الله تعالى أمر بذلك ، وأوصى به ، كما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ناظرين إلى الحِكَمِ العظيمة التي تنطوي عليها قيمنا الإسلاميّة من استقرار للأسرة ، وتماسك للمجتمع ، واستفادة الأجيال اللاحقة من السابقة ، والعيش في وئام وسلام ، وودّ وتفاهم .

- فيا أيّها الأبناء : برّوا آباءكم لتنالوا رضا ربّكم ، ولتنعموا بالعيش في ظلّ أسرة مستقرّة ، وارفضوا القيم الغربيّة التي أدّت إلى تفكيك المجتمع ، وازدياد التعاسة والانتحار ، وفقدان السعادة ، على ما هم عليه من التقدّم المادّي وابتكار وسائل الرفاه والراحة الحسيّة .

وفي الحديث : "بَرُّوا آباءكم تَبَرَّكُم أبناؤكم ، وعِفُّوا تَعِفَّ نساؤكم" رواه الطبراني .

برّوا آباءكم ولا تكونوا ناكرين للفضل والمعروف ، وافهموا قول الله تعالى {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}

- الفلسفة الغربية ، بتأكيدها الحريّة الشخصيّة أوّلا ، وبقيام الدولة فيها بتقديم العون المادّي وألوانٍ من الرعاية للطفل والمريض والمسنّ ، خَفَّفت العبء عن أفراد الأسرة ، وقَلّلت من حاجة أحدهم إلى الآخر … فهيّأت رواتب للمولودين ، ومعالجة طبيّة مجانيّة أو شبه مجّانية ، ودوراً للعجزة والمسنين ، ومؤسسّات اجتماعيّة ترعى الفرد في جوانب كثيرة من حياته في مختلف أطوار الحياة .

وقد حسِب أصحاب هذه الفلسفة أنّهم يصنعون للإنسان جَنَّة على هذه الأرض ، لكنّهم اكتشفوا أنّ إضعاف الروابط بين أفراد الأسرة ، بل تحطيم الأسرة ، شرّ وبيل ، وأنّ دور الحضانه لا تغني عن الأمّ ، وأنّ دور العجزة لا تُعوّض عن الأولاد والإخوة والأخوات … وأنّ كلّ التيسيرات الماديّة ليست بديلا عن القلوب والأرواح .

لقد صارت صلة الفرد ـ في بلاد الغرب ـ بالدولة مباشرة ، يدفع إليها ضرائب باهظة ، ويتلقّى منها رعاية شاملة ، وفق مفاهيمهم للرعاية ، فعظمُ واجب الفرد تجاه الدولة ، وعظُت حقوقه ، وضؤلت واجباته تجاه أسرته ، وضؤلت حقوقه كذلك .

ولكنّ المبهورين من أبناء أمّتنا ، أحبّوا أن يُقلّدوا الغرب تقليداً أعمى ، وبشكلٍ انتقائيّ ، فهم يُطالبون بالتحرّر من سلطة الأبوين باسم الحريّة الشخصيّة وتحقيق الذات وأنّهم أدرى بمصالحهم … لكنّهم لا يفتؤون يُحمّلون والديهم كلّ واجبات الرعاية لهم ، والإنفاق عليهم بشكل كامل ، إلى سنّ البلوغ ، بل إلى حين التخرج في الجامعات ، بل إلى ما بعد ذلك .

إنّهم يريدون أن يُحطّموا رابطة الأسرة حين يتمرّدون على قوانينها ، ويتملّصون من واجباتهم تجاهها ـ وتحطيم الأسرة كما ذكرنا ، شرّ وبيل ـ لكنّهم يزيدون على ذلك بأن يطالبوا بحقوق لهم على هذه الأسرة التي يعملون على تحطيمها !!.

نشرت 2009 وأعيد تنسيقها ونشرها 13/4/2019

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...