بروق النِّعَم من دياجير الظُلَم  ( 6 ) يوم الأرض ... يوم بلاد الشام

بروق النِّعَم من دياجير الظُلَم ( 6 ) يوم الأرض ... يوم بلاد الشام

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الثلاثاء، ٩ رجب ١٤٣٣ هـ - ٢٩ أيار ٢٠١٢
1281

ماجد الدرويش

في الثلاثين من آذار عام 1976 م اغتصب الصهاينة قطعة إضافية من أرض فلسطين في الخليل فحصلت صدامات مع الأهالي ذهب ضحيتها ستة شهداء وعشرات الجرحى، فعرفت هذه الحادثة بيوم الأرض.
في ذلك الوقت كان حدثٌ بهذا الحجم كافٍ ليتحول في وعي الأمة إلى يوم يتجدد الاحتفال به في كل عام.
يومها كانت الأمة أكثر حيوية وأكثر حمية مما هي عليه اليوم.
أما الآن فقد تحوّلت أيامنا إلى سجلات نحصي فيها أرقام القتلى، مجرد أرقام: ستون شهيدا، خمسون شهيدا، مئة شهيد... وهكذا..
ومع هذا فإنني أحب أن أخرج من هذا الواقع المؤلم للنظر في الأسباب.
فيوم الأرض لم يكن سوى حلقة من نتائج سلسلة تعديات عالمية على الأمة أرضا ودينا، برزت بشكل واضح ومفضوح بعد انهزام تركيا في الحرب العالمية الثانية، ودخول الإنكليز القدس، والفرنسيين دمشق، مع ما عبَّروا عنه بكل وضوح عن حقدهم التاريخي الذي يعود إلى زمن الحملات الفرنجة (الصليبية) على بلادنا في أواخر القرن الخامس هجري.
فالجنرال الفرنسي غورو يقف عند قبر صلاح الدين الأيوبي في دمشق ليقول مزهوا: ( ها قد عدنا يا صلاح الدين )، ومن هم الذين عادوا؟
أما الجنرال اللمبي الإنكليزي فقد وقف في باحة المسجد الأقصى ليقول: ( اليوم انتهت الحروب الصليبية ).
هؤلء هم الذين عناهم غورو بأنهم عادوا..
إذن هذه الحوادث العظام التي تجري في بلادنا لها خلفيات تاريخية معروفة، إلا أن أهلنا الكرام، ولشدة كرمهم، لا يريدون أن يروا هذا. مع أن التفتيت الذي تعيشه بلادنا؛ انطلاقا من سايكس – بيكو، ووصولا إلى الشرق الأوسط الجديد؛ ما هو إلا حلقات متصلة بهذا الصراع الذي يعود في جذوره إلى الحروب الصليبية، بل وما قبل الحروب الصليبية. وما كان لهذه الحروب أن تؤثر لو أن الأمة كانت على أقل ما يُطلب منها شرعا. ويُستأنس لهذا المعنى بما أخرجه الإمام أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ عُلَمَاؤُهُ كَثِيرٌ، خُطَبَاؤُهُ قَلِيلٌ، مَنْ تَرَكَ فِيهِ عُشَيْرَ مَا يَعْلَمُ هَوَى، أَوْ قَالَ: هَلَكَ، وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَقِلُّ عُلَمَاؤُهُ وَيَكْثُرُ خُطَبَاؤُهُ، مَنْ تَمَسَّكَ فِيهِ بِعُشَيْرِ مَا يَعْلَمُ نَجَا ).
فيوم دخلت خيل الفرنجة أرضنا أواخر القرن الخامس هجري، أسفر ذلك عن تمزيق بلادنا "وقيام أربع إمارات، كانت أسبقهن في الظهور إمارة الرها التي قامت في ربيع الأول من سنة 491 هـ/ 1098 م)، وتلا ذلك قيام إمارة أنطاكية في (رجب 491 هـ / 1098 م)، ثم مملكة بيت المقدس في (شعبان سنة 492 هـ/ 1099 م)، ثم مملكة طرابلس في (ذي الحجة سنة 502 هـ/ 1109 م).
وكان هذا النجاح اللافت الذي حققته الحملة الصليبية في سنوات معدودة، لا تتعدى العشر سنوات، لا يعود إلى خطة محكمة أو إرادة صلبة أو قيادة حكيمة أو عدد وفير أو عتاد هائل بقدر ما كان راجعا إلى تهاون من المسلمين واستخفافهم بعدوهم، وإلى الانشغال بخلافات وأهواء شخصية ومطامح ضيقة ومطامع صغيرة.
وكان ما كان، وألفى المسلمون أنفسهم ورايات الصليب ترفرف على بيت المقدس ومدن الساحل الشامي وهم لا يحركون ساكنا، وعجزت المحاولات التي قام بها بعض قادة المسلمين عن تحرير الأرض المغتصبة وإعادة الحق إلى أهله، وبقي الأمر على ما هو عليه، وهو ما جعل الناس يتحركون للبحث عن مخرج من الأزمة، ولكنه كان حراكا ضعيفا اكتفى بالبكاء والعويل، وهذا هو شر سلاح يلجأ إليه الإنسان المكبل بالأغلال، العاجز عن التغيير، وهو ما عبر عنه الشاعر الكبير القاضي أبو المظفر الأَبِيْوَرْدي (457 - 507 هـ / 1064 - 1113 م )، في قصيدة يصف حال المسلمين، وكان معاصرا لتلك النكبة، ومما جاء فيها:
مزجنا دماءً بالدُّموعِ السَّواجمِ                     فَلَمْ يَبْقَ مِنَّا عَرْصَةٌ ( أي: ساحةٌ) لِلَمراحِمِ
وَشَرُّ سِلاحِ الـمَرْءِ دَمْعٌ يُفيِضُهُ                    إذَا الحَرْبُ شُبَّت نارُها بِالصَّوارِمِ
فَإِيهاً بَني الإسْلامِ إِنَّ وَراءَكُمْ                     وَقائِعَ يُلْحِقْنَ الذُّرَا بِالمناسِمِ
أَتَهْويمَةً في ظِلِّ أَمْنٍ وَغِبْطَةٍ                       وعيشٍ كنوَّارِ الخميلةِ ناعمِ
وكيفَ تنامُ العينُ ملءَ جفونها                   على هَفَواتٍ أَيْقَظَتْ كُلَّ نائِمِ
وإخوانكمْ بالشَّامِ يُضحي مقيلُهمْ              ظهورَ المذاكي أوْ بطونَ القشاعمِ
تَسُومُهُمُ الرُّومُ الهَوانَ وَأَنْتُمُ                  تجرُّونَ ذيلَ الخفضِ فعلَ المسالمِ
وكمْ منْ دماءٍ قدْ أُبيحتْ ومنْ دُمىً           تُوارِي حَياءً حُسْنَها بِالـمَعاصِمِ
بحيثُ السُّيوفُ البيضُ محمرَّةُ الظُّبا             وَسُمْرُ العوالِي دامياتُ اللَّهاذِمِ
وَبَيْنَ اخْتِلاسِ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَقْفَةٌ           تظلُّ لها الولدانُ شيبَ القوادمِ
وتلكَ حروبٌ: من يَغِبْ عن غمارها           لِيَسْلَمَ، يَقْرَعْ بَعْدَها سِنَّ نادِمِ
سللنَ بأيدي المشركينَ قواضباً                 ستُغْمَدُ منهمْ في الطُّلى والجماجمِ
يَكادُ لَهُنَّ الـمُسْتَجِنُّ بِطَيْبَةٍ                      يُنادِي بِأَعْلَى الصَّوْتِ:يا آلَ هاشِمِ
أرى أمَّتي لا يُشرعونَ إلى العدا                  رِماحَهُمُ، وَالدِّينَ واهِي الدَّعائِمِ
ويجتنبونَ النّارَ خوفاً منَ الرَّدى                  ولا يحسبونَ العارَ ضربةَ لازمِ
أَتَرْضَى صناديدُ الأعاريبِ بالأذى              ويُغضي على ذلٍّ كُماةُ الأعاجمِ!
فليتهمُ إذْ لمْ يذودوا حميَّةً                       عنِ الدِّينِ، ضنُّوا غيرةً بالمحارمِ
وإنْ زهدوا في الأجرِ إذْ حَمِسَ الوغى           فهلاَّ أَتَوْهُ رغبةً في الغنائمِ!
لَئِنْ أَذْعَنَتْ تِلكَ الخَياشِيمُ لِلْبُرى               فلا عطسوا إلاَّ بأجدعَ راغمِ
دعوناكمُ والحربُ ترنو ملحَّةً إلينا               بألحاظِ النُّسورِ القشاعمِ
تُراقِبُ فينا غَارَةً عَرَبِيَّةً تُطيلُ                    عليها الرُّومُ عَضَّ الأَباهِمِ
فَإِنْ أَنْتُمُ لَمْ تَغْضَبُوا بَعْدَ هذِهِ                   رَمَيْنا إِلى أَعْدائِنا بِالَجرائِمِ.
ومـا إن وطئت أقدام الغزاة الأرض الإسلامية حتى شرعوا يقتلون المسلمين، ويأسرونهم، ويسبون نساءهم وأطفالهم، ويدمّرون ما تصل إليه أيديهم من مظاهر الحضارة والعمران؛ فبعد أن استباحوا أنطاكية سنة 491هـ وأعملوا السيف في رقاب أهلها، وسَبَوْا " من الرجال والنساء والأطفال ما لا يدركه حصر" ؛ هاجموا المعرة في السنة نفسها "وملكوا البلد بعد صلاة المغرب، وقُتل فيه خلق كثير من الطرفين، وانهزم الناس إلى دور المعرة للاحتماء بها، فأمنَّهم الفرنج وغدروا بهم" ووضعوا السيف فيهم ثلاثة أيَّام.
واقترف الفرنجة في بيت المقدس مذبحة رهيبة، وقد وصف ابن الأثير تلك المذبحة، قائلاً: "ولبث الفرنج في البلدة أسبوعاً يقتلون فيه المسلمين، وقتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً، منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبّادهم وزهّادهم".
 ووصف ابـن القلانسّي ما أصاب المسلمين في مدينة عسقلان بعد استيلاء الفرنجة عليها، بعد أن تمكنت سيوفهم "من المسلمين، فأتى القتل على الراجل والمطوّعة وأهل البلد، وكانوا زهاء عشرة آلاف نفس …".
وقد اعترف مؤرخو الفرنجة بما ارتكبه جندهم، وكيف أَنَّهم أثاروا الرعب في المدن التي استولوا عليها حتى صار "مِنْ أَحَبِّ ضروب اللهو إليهم قتلُ من يلاقون من الأطفال وتقطيعُهم إرباً إربا".
ووصف أحد الرّهبان الذين دخلوا بيت المقدس الأعمال التي اقترفها بنو جلدته قائلاً: "كان قومنا يجوبون الشوارع والمياديين وسطوح البيوت ليرووا غليلهم من القتل، وذلك كاللبؤات التي خُطفت صغارها، وكانوا يذبحون الأولاد والشّباب والشيوخ ، ويقطعونهم إرباً إربا …".
 وبعد فترة بدأت الأمة تستيقظ من غفلتها وثباتها، وكانت حلب هي نقطة الانطلاق، وكانت أحوالها في هذه الفترة غير مستقرة، وبدأ الضعف يدب فيها بعد وفاة حاكمها "رضوان بن تتش" سنة (507 هـ/ 1113 م) وخلفه في حكمها أبناؤه، وكانوا ضعافاً غير قادرين على تسيير شئون البلاد، فتحكم فيهم أوصياؤهم، وصارت حلب سهلة المنال، فتحالف (روجر) أمير أنطاكية مع كبار مسئوليها كي يمنع (إيلغازي الأُرتقي) صاحب ماردين من الاستيلاء عليها وضمها إلى دولته، ووصل الأمر بحلب أن أصبح المسئولون عنها يعتمدون على روجر الصليبي في رد الطامعين في الاستيلاء عليها من أمراء المسلمين.
ولم تأت سنة (511 هـ / 1118 م) حتى صارت حلب تحت رحمة أنطاكية، وهو ما جعل أهلها يستنجدون بإيلغازي بن أرتق، وكان واحدا من أبرز المجاهدين ضد الوجود الصليبي في بلاد الشام، وقامت سياسته على أساس التحالف مع الأمراء المسلمين ضد الصليبيين.
التوحد من أجل النصر
ولما قدم إيلغازي إلى حلب قام بعدة إجراءات إصلاحية وسيطر على أمور البلدة، وصادر أموال الأمراء الذين كانوا قد سيطروا على شئون حلب في الفترة السابقة، واستعان بها في حشد قواته من التركمان لمجابهة الصليبيين.
وقام بتوحيد العمل مع (طغتكين البوري) حاكم مدينة دمشق التي لم تسلم من اعتداءات الصليبيين، فذهب إليه في دمشق، واتفقا على حشد قواتهما والبدء بمهاجمة أنطاكية، وحددا شهر صفر من سنة (513 هـ/1119 م) موعدا للاجتماع.
غير أن إيلغازي كانت حركته أسرع من حركة حليفه، فاستطاع أن يحشد أكثر من عشرين ألفا من مقاتلي التركمان، واتجه بهم إلى الرها، فتخوف أمراؤها الصليبيون، وأرسلوا إليه يطلبون مصالحته نظير تنازلهم عن أسرى المسلمين الذين في حوزتهم، فأجابهم إلى ذلك، واشترط عليهم البقاء في بلدهم وعدم التوجه لمساعدة أمير أنطاكية في حالة حدوث قتال معه، وكانت هذه خطوة صائبة من إيلغازي تمكن بموجبها من عزل إحدى القوى الصليبية الكبرى. ثم عبر إيلغازي وحلفاؤه الفرات وهاجموا (تل باشر) و(تل خالد) والمناطق المحيطة بهما، وانتشرت قوات إيلغازي في مناطق وجود الصليبيين، واستولى على حصن (قسطون)، ثم مدينة (قنسرين) التي اتخذها قاعدة لشن الغارات على (حارم) و (جبل السماق).
وتتالت العمليات العسكرية الموفقة التي كانت تنطلق من قاعدة (الوحدة في مواجهة العدو)، ثم كانت النقلات النوعية على يدي الشهيد نور الدين زنكي ثم الناصر صلاح الدين، وهكذا انطلقت مسيرة تحرير بيت المقدس من حلب.
واليوم، ونحن نتذكر يوم الأرض، وفي كل يوم يمر علينا يومٌ للأرض، أظن أن الربيع العربي بعامة، وربيع سوريا بخاصة، سيكون البداية الصحيحة لتحرير بيت المقدس، لذلك فإن أبطال الربيع السوري لا يواجهون عصابة مجرمة تحكم سوريا، وإنما يواجهون العالم الصليبي مجتمعا من خلال وكلائه في المنطقة، وفي مقدمتهم العصابة التي تحكم سوريا اليوم. هذا العالم الذي يتلذذ برؤية الدم السوري يجري أنهارا على ذرى بلاد الشام؛ من بيت المقدس إلى دمشق؛ ولئن كان الثمن مرتفعا جدا، فقد كان فيما مضى أكثر ارتفاعا، ولكننا اليوم نتكلم عنه تاريخا، ونستذكر أيامه للعبرة، وقد خسئ أعداؤنا وبقيت أمتنا، وقتلانا في الجنة وقتلاهم في النار.
وهكذا الأمر اليوم: بلادنا عبارة عن إمارات لأعدائنا، يسرحون فيها ويمرحون، ويأمرون وينهون، وأبناء هذه الإمارات مقموعون مخذولون، مضطهدون مقهورن، لا حيلة لهم ولا قوة، إلى أن جاء الربيع العربي ليؤذن بحقبة جديدة، قد تأخذ وقتا، لكن أمتنا ستذكرها بعد فترة كما تتذكر حملات الفرنجة السابقة، وسيذكر التاريخ الأمير البطل من الأمير الخائن، والملك الصادق من الملك الكاذب، ) وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (.
ملاحظة: بعض المعلومات التاريخية مأخوذة عن موقع ويكبيديا.                           31 / 3 / 2012م

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...