بروق النِّعم من دياجير الظُّلم ( 21 )عقلاء عند الابتلاء

بروق النِّعم من دياجير الظُّلم ( 21 )عقلاء عند الابتلاء

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الاثنين، ١٨ رمضان ١٤٣٣ هـ - ٦ آب ٢٠١٢
949

بقلم: ماجد الدرويش
كثير من الناس يحزنهم الدم الذي يجري أنهارا في بلاد الشام، ويتألمون لمصاب أهلنا الذين عصفت بهم محنة لا كالمحن، وداهية لا كالدواهي. حتى تركتهم بين شريد، وطريد، وشهيد.
هذا الواقع المرير جعل البعض يتساءلون: لم يتحمل هذا الشعب البطل الصابر المصابر كل هذه المآسي؟ ألم يكن من الأجدى والأولى له أن يعض على جرحه حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا؟
إنه مصاب جلل، نعم..
ولكن المصاب الأكبر لو أن هذا الشعب الذي أقامه الله تعالى في الأرض المباركة خسر آخرته، وهو ما لا يتصور حصوله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم )، وبما أن الخير باق في هذه الأمة إلى قيام الساعة، إذن فإن أهل الشام لن يفسدوا جميعا، وإنما تبقى طائفة منهم على الحق حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
ومن باب الاستئناس بصوابية ما يقوم به أهل الشام من تصدٍّ لهذا الجبار العنيد وجنده، دعونا نجول في كتاب الله تعالى مع موقف يشبه إلى حدٍّ ما موقف اهلنا في سوريا، إنه موقف: سحرة فرعون.
سحرة فرعون كانوا يشكلون طوق النجاة لفرعون، فمعركته مع سيدنا موسى عليه السلام، لا تنفع فيها الجيوش، لأنها معركة الكلمة، معركة الحجة في مقارعة الحجة، لذلك كان السحرة سلاح فرعون في هذه المعركة. والدليل عليه المقابل الذي وعدهم به في حال تغلبهم على سيدنا موسى عليه السلام: [وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المُقَرَّبِينَ] {الأعراف:114}
أخرج الطبري بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما، قال: )فأرسل في المدائن حاشرين(، فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون قالوا: بم يعمل هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيات. قالوا: والله ما في الأرض قوم يعملون بالسحر والحيات والحبال والعصي أعلم منا، فما أجرنا إن غلبنا؟ فقال لهم: أنتم قرابتي وحامتي، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم.
وفي رواية أنه قال لهم: قد جاءنا ساحر ما رأينا مثله قط، وإنكم إن غلبتموه أكرمتكم وفضلتكم، وقربتكم على أهل مملكتي!
فهذه المغريات قد تفتن بعض من كان ينتسب إلى التقوى، فكيف بمن يطلب الدنيا أصلا؟
ومع كل هذه المغريات، عندما رأوا ما جاء به سيدنا موسى عليه السلام وأنه ليس بسحر وإنما أمر لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، ثابوا إلى رشدهم وتابوا إلى ربهم، تاركين وراءهم كل تلك المغريات التي تفتن العقول ويسيل لها لعاب الكثيرين.
ليس هذا فقط، بل مع تركهم لهذه المغريات وقفوا في وجه جبار عاةٍ في الأرض يحسب له ألف حساب، ويكفي في ذلك أن سيدنا موسى عليه السلام قال، عندما أمره بالذهاب مع أخيه هارون، إليه: [قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى] {طه:46}
 
فمع كل المخاطر التي ترافق القرار الذي اتخذه السحرة فإنهم كانوا على استعداد تام لكل تضحية ممكن أن يقدموها، فقط ليرضى الله سبحانه الإله الحق، حيث إنهم مرت عليهم أوقات كانوا قد رفعوا فيها فرعون إلى أعلى من مقامه بكثير، ولا كفارة لذلك إلا الوقوف في وجه هذا الطاغية الذي نصب نفسه إلها في الأرض. وهو ما توصل له السحرة من قرار خلال لحظات فقط، ومع ذلك كان منهم هذا الموقف الصلب في وجه هذا الجبار العنيد:
[رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ(122) قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ(123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ(124) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ(125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ(126) ]. {الأعراف}.
يقول الإمام أبو جعفر الطبري: يقول تعالى ذكره: وألقي السحرة عندما عاينوا من عظيم قدرة الله، ساقطين على وجوههم سجدا لربهم، يقولون: [قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ العَالَمِينَ] {الأعراف:121} ، يقولون: صدقنا بما جاءنا به موسى، وأن الذي علينا عبادته هو الذي يملك الجن والإنس وجميع الأشياء، وغير ذلك، ويدبر ذلك كله [رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ] {الأعراف:122} ، لا فرعون.
فأسقط في يد فرعون، واستشاط غضبا، وبدأ سيل الاتهامات بالتآمر والعمالة الخارجية، كل ذلك لأن القوم ثابوا إلى رشدهم، وعادوا إلى ربهم الحق.
فهذا الموقف منهم فيه تمام العقل، وتمام الحكمة، ذلك أن فرعون مهما علا شأنه فإنه لا يملك لهم من الله شيئا، وأقصى ما يستطيعه أن يقتلهم: سواء كان القتل سريعا أو تعذيبا، فالأمر سيان، والموت حق، والعاقبة للمتقين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد القائل: ( سيد الشهداء حمزة، ورجلٌ قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه، فقتله )، أي: قتله ذلك الحاكم الجائر. فالزعم أن من كان هذا حاله هو ( حثالة ) أو (مجرم) أو (خارج على الإمام) أو (خارج على القانون) تنكب لسبيل العقلاء، واتباع لسبيل الظالمين.
هذا وما عاشه السحرة من حقائق الإيمان لا يتجاوز اللحظات، فما بال أناس أمضوا حياتهم في نعيم الإيمان، ثم نراهم يرسبون عند أول امتحان؟ اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. فالتمييز بين الحق والباطل وبين الخير والشر أمر هو، واتباع الحق وهجر الباطل أمر آخر. فكم من عالم بالخير لا يفعله، وكم من مدرك للحق لا يقوله.
 

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...