بقلم: ماجد الدرويش
منذ أن انجلت غيوم الهمّ عن مصر الكنانة، ومنّ الله تعالى عليها بأول رئيس منتخب حقيقة من شعبها الأبيّ، الذي يعتز بدينه، هو الدكتور محمد مرسي، القادم من مدرسة الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله تعالى، والرئيس، وحركة الإخوان، يتعرضان لحملة إعلامية شرسة من الذين يرون أنهم متضررين من صعود نجم الإسلام السياسي، كما يعبرون عنه.
ولو أنصف هؤلاء لعلموا أنه ليس من صعود لنجم الإسلام السياسي، مع تحفظي على هذا المصطلح، وإنما هو عودة للمسلمين إلى هويتهم التي غُرِّبوا عنها عقودا من الزمن تحت شعارات ثورية براقة، ونهضوية لماعة، وتحررية كاذبة، وتقدمية مزعومة، لم تجلب على بلادنا إلا الويلات، ولم تتقدم بنا إلا إلى الهاوية، ولم تحرر شعوبنا سوى من الالتزام بالأخلاق والقيم الدينية البناءة.
وطيلة فترة التغريب هذه كان لحركة الإخوان المسلمين، ثم لمن سبقها أو لحق بها من الدعاة إلى الله تعالى، شرف حمل لواء التذكير بالهوية والانتماء، ولاقى أتباعها في سبيل ذلك من المشقة والعنت ما لا يعلم مداه إلا الله سبحانه وتعالى، ولعل هذه الأبيات من ملحمة الابتلاء التي كتبها العلامة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله تعالى، أثناء استضافته في السجن الحربي في القاهرة عام 1955م حيث أمضى نحوا عشرين شهراً ، ما يلقي ضوءً على ما كان يجري في تلك الحقبة الحالكة.
إنها تصوير بسيط لبعض ما قاساه المسلمون الذين عذبوا في هذا السجن الرهيب، تعكس واقعا عاشه الملتزمون بدينهم في سائر بقاع العالم الإسلامي في تلك الفترة. وتبلغ عدد أبياتها أربعة وتسعين ومائتين بيتا، بدأها بتصوير وجداني لما يختلج في نفس كل من ابتلي بالسجن لدينه، ثم قال حفظه الله في مطلعها مقدما لصور التعذيب:
......
صَوَّرْتُ فيها ما استطعت بريشتي وتركـت لــلأيـــام مـــــا يـُعْـيـيـنـي
أحداثَ عهد عصابةٍ، حكمـوا بنـي مصـرَ بــــلا خــُلــقٍ، ولا قــانـــون
أَنْسَتْ مظالِمُهم مظالـمَ مـن خَلَـْوا حتـى تـرحَّـمْـنـا عــلــى نــيـــرون
حسِبوا الزمـان أصـمَّ أعمـى عنهـم قـد نــوّمــوه بـخـطـبـةٍ وطـنـيــن
ويراعةُ التاريـخ تسخـر منهمـو وتقـوم بـالـتـسـجـيـل والــتــدويـــن
وكفـى بربـك للخليقـة محصـيـاً فــي لــوحــه وكـتـابــه الـمـكـنـون
يا سائلي عن قصتي اسمـع: إنهـا قصـص مـــن الأهــــوال ذات شــجــون
أمسـك بقلبـك أن يطيـر مفزعـاً وتـولّ عـــن دنـيــاك حـتــى حـيــن
فالهـول عـاتٍ والحقائـق مـرةٌ تسـمـو عـلــى الـتـصـويـر والتـبـيـيـن
والخطب ليس بخطب مصـر وحدهـا بـل خـطـب هــذا المـشـرق المسكـيـن
فـي ليلـة ليـلاء مـن نوفمبـرٍ فزِّعْـتُ مــن نـومــي لـصــوت رنـيــن
فإذا كلاب الصيد تهجـم بغتـةً وتحوطنـي عــــن شــمـــألٍ ويـمــيــن
فتخَطَّفونـي مـن ذَوِيَّ وأقبـلـوا فـرحـا بـصـيــدٍ لـلـطـغـاة سـمـيــن
وعُزِلْتُ عن بصر الحياة وسمعهـا وقذفـت فــي قـفــص الـعــذاب الـهــون
في ساحة (الحربي) حسبـُك باسمـه مـن بـاعـثٍ للـرعـب قـــد طـرحـونـي
ما كدت أدخـل بابـه حتـى رأت عينـاي مـــا لـــم تحتـسـبـه ظـنـونـي
فـي كـل شبـر للعـذاب مناظـرٌ ينـدى لـهــا -والله - كــــل جـبـيــن
فترى العساكـر والكـلاب معـدة للنهـش طــــوع الـقـائــد الـمـفـتــون
هـذي تعـض بنابهـا، وزميلُهـا يـعـدو عـلـيـك بـسـوطــه الـمـسـنـون.
إلى أن قال، واصفًا أنواع العذاب في قاعات السجن الحربي وساحاته، وعلى يدي أناس من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، ولكنهم كما وصفهم شيخنا في ملحمته:
لا تحسبوهـم مسلميـن مـن اسمـهـم لا ديــن فيـهـم غـيـر ســبّ الـديـن
لا ديـن يـردع لا ضمـيـر محـاسـبٌ لا خــوف شـعـبٍ لا حـمـى قـانــون.
ثم قال عن أنواع التعذيب والتفنن في أصنافه:
قل للعـواذل إن رميتـم مصرنـا بتخلُّـفِ الـتـصـنــيــع والـتــعــديــن
مصر الحديثـة قـد علـت وتقدمـت فـي صـنـعـة التـعـذيـب والـتـقـريـن
وتفننـت، كـي لا يمـل معـذَّبٌ، فــي الـعــرض والإخـــراج والتـلـويـن
أرأيـت بالإنسـان يُنفـخ بطنـه حـتـى يُــرى فـــي هـيـئـة الـبـالـون ؟
أسمعت بالإنسان يُضغـط رأسُـه بالطـوق حــتــى يـنـتـهـي لـجـنــون ؟
أسمعت بالإنسـان يُشعـل جسمُـه نـار اً وقـــد صـبـغــوه بالـفـزلـيـن ؟
أسمعت ما يلقى البـرئ ويصطلـي حتـى يـقـول: أنــا الـمـسـئُ خـذونــي
أسمعت بالآهـات تختـرق الدجـى ربـاه عــدلــك .. إنــهــم قـتـلـونـي
إن كنت لم تسمع فسل عمّـا جـرى مثلـي ولا يـنـبـيـك مــثــل سـجـيــن
واسـأل ثـُرى الحربـي أو جدرانـه كـم مــن كسـيـر فـيــه أو مـطـعـون
وسل السياط السود كم شربت دمـاً حتـى غـــدت حـمــراً بـــلا تـلـويـن
وسل (العروسة) قبحـت مـن عاهـرٍ كـم مــن جـريـحٍ عـنـدهـا وطـعـيـن
كـم فتيـة زفـوا إليهـا عنـوة سقطـوا مــــن الـتـعـذيـب والـتـوهـيـن
واسأل (زنازين) الجليـد تجبـك عـن فـن الـعــذاب وصـنـعــة التـلـقـيـن
بالنـار أو بالزمهريـر فتلـك فـي حيـنٍ وهــــذا الـزمـهـريـر بـحـيــن
يُلقـى الفتـى فيهـا ليالـي عـاريـاً أو شـبـه عــارٍ فــي شـتـا كـانـون
وهناك يملي الاعتـراف كمـا اشتهـوا أو لا، فـويــل مـخـالــفٍ وحــــرون
وسل (المقطـم) وهـو أعـدل شاهـدٍ كـم مــن شهـيـدٍ فــي الـتـلال دفـيـن
قتلتـه طغمـة مصـر أبـشـع قتـلـةٍ لا بالـرصـاص ولا الـقـنـا المـسـنـون
بـل علقـوه كالذبيحـة هيئـت للقـطـع والـتـمــزيــق بـالـسـكــيــن
وتهجـدوا فيـه ليـالـي كلـهـا جـلـدٌ وهــم فــي الجـلـد أهــل فـنـون
فإذا السياط عجـزن عـن إنطاقـه فالكـيُّ بـالـنـيـران خــيــر ضـمـيــن.
إلى ما هنالك من صور للتعذيب يندى لها جبين التاريخ والبشرية.
وبالرغم من كل ذلك بقيت مسيرة الدعوة إلى الله تعالى تسير هادئة، مطمئنة، واثقة بنصر الله تعالى الذي يمتحن الناس في دينهم والتزامهم، ليُعرَف على الملإ الصادق من الكاذب.
وكذلك كانت مسيرة العداء للإسلام تسير مع مسيرة الدعوة إلى الله تعالى جنبا إلى جنب، مع فارق أنه كلما طال المسير كلما حميت همة الإسلام، وكلَّت همة أعدائه. إلى أن وصلنا إلى المرحلة التي بدأت الأمة تستيقظ فيها من ثباتها، فمن البدهي جدا أن يكون الإخوان المسلمون في الطليعة. لذلك لا أدري ما المبرر لكل هذا الهجوم على اختيار الناس في انتخابات ديمقراطية صُمِّخَتْ آذانُنا ونحن نسمع المتهجمين اليوم يطالبون بها، أم أن الديمقراطية لا تتحقق إلا إذا كانوا هم في صدارتها؟
وعليه فإننا يمكن أن نتفهم ونتقبل انتقادا لموقف، أو لعمل، يرى فيه البعض خطرا على المجتمع أو على النسيج الوطني، أو على العقد الاجتماعي... إلى ما هنالك من مسميات تعكس مخاوف لفئات معينة يرى التيار الإسلامي نفسَه معنيا بطمأنة أصحابها، كما يرى نفسه ملزما بقبول النصح والإرشاد، انطلاقا من الهدي النبوي: ( الحكمة ضالة المؤمن )، وانطلاقا من السياسة الراشدة ( رحم الله امرءً أهدى إلي عيوبي ).
إلا أن الذي لا يُفهم ولا يُبرر: هذا الهجوم الحاقد على حركة الإخوان المسلمين، وكأننا ما زلنا في زمن السجن الحربي، وفي زمن أناس حريصين كل الحرص على العودة إليها وعلى ثقافة التغريب والتفلت من عقال الدين.
فهل هؤلاء ممن قال الله تعالى فيهم: ) قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر (؟
أم هؤلاء أقوام لا يرون في الإسلام صلاحية للحكم؟
أم هم أناس يريدون أن يمارسوا انحرافهم عن الدين بكل أشكاله دون رادع من دين أو تشريع؟
فإذا كانت الأولى فسوف يكفينا الله تعالى شرورهم بصبرنا على الحق، وحرصنا على العدل.
وإن كانت الثانية فسوف يرون أن الإسلام في أحكامه ليس كما صُّوِّر لهم من أعدائه، وشربوه في ثقافتهم من خلال مناهج التغريب. فمصر دولة مسلمة ودستورها ينص على أنها دولة مسلمة، وكل القضية أن الرئيس مرسي، سيكون إن شاء الله تعالى أمينا على المال العام، وسوف يقدم إلى المسئوليات الجسام أمثاله من المؤتَمَنين، وسيعملون جاهدين على نشر العدل. وهذا هو الحكم الإسلامي: ) إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل (.
أما إذا كانت الثالثة فيكفينا قول الله تعالى: ) ... وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ. سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(.