بقلم: ماجد الدرويش
عبارة نقرؤها في المحاكم معلقة على الجدر فوق رؤوس القضاة لتقول للناس: هنا، وفي هذا المكان بالذات يأخذ كل ذي حق حقه.
هذا هو العدل: أن يأخذ كل ذي حق حقه. وهذا يتأتى من الاستقامة في العمل، أي عمل، يتولاه إنسان، بَلْهَ أن يكون مسلما. فالاستقامة أيضا من معاني العدل.
قال صاحب التاج: الْعَدْلُ: ضِدُّ الْجَوْرِ، وَهُوَ مَا قامَ فِي النُّفُوسِ أَنَّهُ مُسْتَقِيمٌ، وقيلَ: هُوَ الأَمْرُ الْمُتَوَسِّطُ بينَ الإِفْراطِ والتَّفْرِيطِ.
وقالَ الرَّاغِبُ الأصبهانيُّ: العَدْلُ ضَرْبَانِ:
مُطْلَقٌ يَقْتَضِي العَقْلُ حُسْنَهُ، وَلَا يَكونُ فِي شَيْءٍ مِنَ الأَزْمِنَةِ مَنْسُوخاً، وَلَا يُوصَفُ بالاعْتِداءِ بِوَجْهٍ، نَحْوُ الإِحْسانِ إِلى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ، وكَفِّ الأَذِيَّةِ عَمَّن كَفَّ أَذاهُ عَنْكَ.
وعَدْلٌ يُعْرَفُ كَوْنُهُ عَدْلاً بالشَّرْعِ، ويُمْكِنُ نَسْخُهُ فِي بعضِ الأَزْمِنَةِ، كالقِصَاصِ، وأُرُوشِ الجِناياتِ، وأَخْذِ مالِ المُرْتَدِّ، ولذلكَ قالَ تَعالى: )فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاَعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ(، وقالَ تَعالَى: )وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها(، فَسَمَّى ذلكَ اعْتِداءً وسَيِّئَةً، وَهَذَا النَّحْوُ هُوَ المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: )إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإِحْسانِ(،
فَإِنَّ العَدْلَ: هُوَ المُساوَاةُ فِي المُكافَأَةِ، إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ، وإِنْ شَرّاً فَشَرٌّ،
والإِحْسَانُ: أنْ يُقابِلَ الخَيْرَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، والشَّرَّ بِأَقَلَّ مِنْهُ. انتهى.
أما المُلكُ فهو كناية عن السلطة التي يمارسها من كان حاكما لبلد ما وشعب ما.
قال الراغب الأصبهاني: المُلْك: هُوَ التَّصَرُّفُ بالأَمْرِ والنَّهي فِي الجُمْهُورِ، وذلِكَ يَخْتَصُّ بسِياسَةِ الناطِقِينَ، ولِهذا يُقال: مالِكُ النّاس، وَلَا يُقال: مالِكُ الأَشْياءِ...
والمُلْكُ ضَربان: مُلْكٌ هُوَ التَّمَلّكُ والتَّوَلِّي، ومُلْكٌ هُوَ القُوَّةُ على ذلِكَ، تَوَلَّى أَو لَمْ يَتَوَلَّ، فمِنَ الأَوَّلِ قولُه عَزَّ وجَلَّ: ) إنَّ المُلُوكَ إِذا دَخَلوا قَريَةً أَفْسَدُوها(. وَمن الثّانِي قولُه عَزَّ وجَلَّ: )إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُم مُلُوكًا ( فجعَلَ النُّبُوَّةَ مَخْصُوصةً، والمُلْكَ فِيهم عامًّا، فإِنَّ مَعْنَى الملْكِ هُنا: هُوَ القَوَّةُ الَّتِي يُتَرَشَّحُ بهَا للسِّياسَةِ، لَا أَنّه جعلَهُم كُلَّهُم مُتَوَلِّينَ للأَمْرِ، فَذَلِك مُنافٍ للحِكْمَةِ، كَمَا قِيلَ: لَا خَيرَ فِي كَثْرَةِ الرّؤَساءِ. انتهى.
أما الأساس، فهو أصل الشيء وقاعدته التي يقوم عليها، وكلما كانت القاعدة مناسبة للبنيان كلما كان أمتن وأصلب.
فعندما نقول: ( العدل أساس الملك ) فهذا يعني أن العدل هو القاعدة الصلبة التي يقوم عليها بناء الحكم والسياسة.
الإخوان المسلمون ..... والمُلك
وحركة الإخوان المسلمين الأصل فيها أنها تتمتع بالنوع الثاني من المُلك، والذي هو القوة والقدرة على سياسة العباد والبلاد، وذلك بسبب من عقيدة الإسلام التي تأمر أتباعها بأن يعدلوا بين الناس، كل الناس، وأن يكونوا أمناء على ما استُرعوا من شأن عام مهما قل شأنه أو علا. فالأمانة دين عندهم.
والأصل أن يكون هذا عند كل المسلمين بدون استثناء، لأن قول الله تعالى:
) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ( إنما هو خطاب عام لكل مكلف من أمة الإجابة، سواء كان من تنظيم الإخوان المسلمين أم من غيرهم، إلا أن المشاهد أن كثيرا من المسلمين قد بعدت بهم الطريق عن النبع الصافي لفهم الإسلام، ولعل في رياح التغيير الربيعية التي تهب على بلادنا ما يعيد أبناء هذه الأمة إلى صوابهم ورشدهم، وفهمهم الأصيل والمميز لدينهم على طريقة أسلافنا العمالقة الكبار الذين أرسوا دعائم الحق والعدل والحرية عبر التاريخ.
وبالعودة إلى حركة الإخوان المسلمين، فإنها اليوم؛ إضافة إلى أنها تمتلك القوة والقدرة على المُلكِ؛ فإنها بشكل أو بآخر صارت مالكة، أي : حاكمة، في عدّة أقطار إسلامية، وبالتالي اجتمع فيها اليوم معنيا ( المُلكِ ) على ما قاله الراغب الأصبهاني في مفرداته، وهذا يحتم عليها مسئوليات كبيرة جدا، ليس لأنها تمثل الإسلام، فتمثيل الإسلام ليس حكرا على حركة الإخوان، ولا على أية حركة أخرى، إذ الإسلام يمثله كل فرد مسلم من هذه الأمة. وإنما لأن الله تعالى جعلها حاكمة في المسلمين، والحاكم ينبغي أن يقيم حكمه على أساس من العدل الذي جاء في قوله تعالى: ) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ( .
والعدل كما سبق هو أن يأخذ كل ذي حق حقه، وهذا أقل ما يمكن أن يقبل، وإلا هناك ما هو أرقى من العدل: هناك الفضل، أو الإحسان، كما في قوله تعالى: )إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ (، وقد مرَّ معنا قول الراغب الأصبهاني: أن العدل هو المساواة في المكافأة، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وأن الإحسان أن نقابل الخير بأحسن منه، والشر بأقل منه.
وهذا أكثر ما يطلب اليوم من أبناء الحركة الإسلامية.
لقد ظلم أبناء الحركة الإسلامية عامة، وأبناء حركة الإخوان المسلمين خاصة، ظلما لو وُّزِّع على أبناء الجيل لوسعهم. وهذا ينبغي أن يكون أكبر حافز لهم، وقد صاروا حكاما، أن يتجنبوا ظلم الناس. ومع يقيني أنهم من أكثر الناس نفورا من الظلم لما عايشوه، إلا أنه في بعض الأحايين تصدر عبارات في حالة الانتصار قد يستشف منها التحدي وإرادة الانتقام، كما حصل يوم فتح مكة عندما صرخ سعد بن عبادة بأعلى صوته قائلا: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة. فسمعها رجل من المهاجرين، فقال: يا رسول الله، ما آمن أن يكون لسعد فى قريش صولة. فقال صلى الله عليه وسلَّم لعَلي رضي الله عنه: ( أدركه فخذ الراية منه فكن أنت تدخل بها).
وفى المغازى: أن أبا سفيان قال للنبى- صلى الله عليه وسلم- لما حاذاه: أمرت بقتل قومك؟ قال: ( لا )، فذكر له ما قال سعد بن عبادة، ثم ناشده الله والرحم، فقال صلى اله عليه وسلم: ( يا أبا سفيان: اليوم يوم المرحمة، اليوم يعز الله قريشا).
لذلك ينبغي اليوم التنبه لأمور، منها:
أن الإخوان ما جاءوا ليقيموا دولة الإسلام من فراغ، فمصر دولة مسلمة، بشعبها، وأزهرها، بل حتى إن دستورها ينص على ذلك، كما في الفقرة الثانية من الدستور:
« الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع ».
فمصر دولة مسلمة، تحتاج إلى العدل بمفاهيمه التي ذكرناها آنفا، وهذا ما يجب أن يركز عليه العاملون اليوم: إقامة العدل بالفضل.
فلا انتقام من أحد لكلمة قالها أو موقف اتخذه، وإنما مبادلة الخير بأحسن منه، والشر بأقل منه. فمن أساء إلى الإخوان منهم من تغتفر إساءتهم، ومنهم أناس لا بد من محاسبتهم، وإنما بالقدر الذي يقل عن مستوى إساءتهم ليشعروا بالفضل عليهم، لعلهم يهتدون.
ومنها أن على الإخوان أن يسعوا بالناس بأخلاقهم، هذه الإخلاق التي يبحث عنها الإنسان حيث كانت أرضه، الأخلاق التي باتت أندر من الكبريت الأحمر على سطح البسيطة. فهذه الأخلاق هي مضمون قول الله تعالى: ) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ، وَالْإِحْسَانِ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ، وَالْمُنْكَرِ، وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (.
وقد ذكر عن سفيان بن عيينة رحمه الله، أنه كان يقول في تأويل ذلك: « إن معنى العدل في هذا الموضع: استواء السريرة والعلانية من كل عامل لله عملا، وإن معنى الإحسان: أن تكون سريرته أحسن من علانيته، وإن الفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسن من سريرته« .
وعن قتادة بن دِعامة السدوسي رحمه الله تعالى، في قوله سبحانه: )إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى( ... الآية، قال: « إنه ليس من خُلُقٍ حسنٍ كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به، وليس من خُلُقٍ سيئ كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقَدَّمَ فيه. وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها».
لذلك، والله أعلم، قال الإمام الطبري في تأويل هذه الآية: «إن الله يأمركم، يا معشر ولاة أمور المسلمين، أن تؤدوا ما ائتمنتكم عليه رعيتكم من فيئهم وحقوقهم وأموالهم وصدقاتهم إليهم، على ما أمركم الله بأداء كل شيء من ذلك إلى من هو له، بعد أن تصير في أيديكم، لا تظلموها أهلها، ولا تستأثروا بشيء منها، ولا تضعوا شيئا منها في غير موضعه، ولا تأخذوها إلا ممن أذن الله لكم بأخذها منه قبل أن تصير في أيديكم. ويأمركم إذا حكمتم بين رعيتكم أن تحكموا بينهم بالعدل والإنصاف، وذلك حكم الله الذي أنزله في كتابه، وبينه على لسان رسوله، لا تعدوا ذلك فتجوروا عليهم ».
أعان الله تعالى الرئيس الدكتور محمد مرسي على ما ولاه إياه.
وأعان الله تعالى كل وال تول شيئا من أمور المسلمين وقصد إلى الحق والعدل فيهم.
وليتذكروا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا، فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ ).
وإذا فقد الناس العدل عندكم فأين يجدونه؟!! .