بروق النِّعم من دياجير الظُّلم (16) من أخلاق الروم

بروق النِّعم من دياجير الظُّلم (16) من أخلاق الروم

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الاثنين، ٢٢ رجب ١٤٣٣ هـ - ١١ حزيران ٢٠١٢
1853

بقلم: ماجد الدرويش

سألني بعض الإخوة مستنكرا: كيف يمكن للمضطهدين في بلاد الإسلام أن يضعوا يدهم بيد الغرب الذي يدعم الكيان الصهيوني بكل ما أوتي من قوة؟ أليس من الأجدى أن يعمل العرب على عدم ازدياد التدخل الأجنبي في بلادهم؟
وهذا الأخ الحبيب صادق في مشاعره، إلا أنَّ الغرب لا يُسأل عن الظلم الذي يلحق بأهلنا في بلادنا على أيدي بني جلدتنا بالقدر الذي نسأل عنه نحن. فهل ألوم الغرب الذي يسعى إلى مصالحه، أم ألوم حكامنا الذين رهنوا قرارهم عند غيرهم حرصا على مناصبهم ولو على حساب شعوبهم؟!! أو ألوم أنفسنا حيث إننا بتنا على مسافة بعيدة جدا من ديننا وقيمنا وأخلاقنا ؟!!
والكلام حول مثل هذه التساؤلات لا ينتهي، إلا أنه وبعيدا عن هذه الإشكاليات، وبعيدا عن مطامع الغرب التي لا تخفى على أحد، هناك أمور لا بد من الاعتراف بها، منها : القيم والأخلاقيات العامة التي يتحلى بها الرأي العام في بلاد الغرب، فأنا لا أستغرب عندما ينتصر العرب والمسلمون لبني جلدتهم، ولكنني أُسَرُّ كثيرا عندما أرى أطفال الغرب يفترشون الشوارع في بلادهم تعبيرا عن تعاطفهم مع أطفال الحُولة ممن قتلوا على يدي بني جلدتهم مثلا، فهكذا تصرف لا أظن أنَّ له علاقة بسياسة تلك البلاد، وإنما هو محض شعور إنساني يستهجن الإجرام الذي أخذ مداه في بلاد الشام، كما أنه يؤثر في سياسة تلك البلاد التي يعتبر الرأي العام من أهم الأسباب المؤثرة فيها.
وبعيدا عن هذا كله، وتجردا للحق الذي أمرنا بقوله بغض النظر عن عواطفنا وأهوائنا، فإنني أكتب هذه الكلمات في بيان أخلاقيات الروم العامة، وأنا يعتصرني الأسى بأننا اليوم لا نجد أكثر هذه الأخلاقيات في تعامل المسلمين، لا أقول بينهم وبين مخالفيهم، وإنما بينهم أنفسهم.   
أخرج الإمام مسلم في صحيحه / كتاب الْفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ / بَابُ: تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ: بسنده إلى الْمُسْتَوْرِدِ الْقُرَشِيِّ رضي الله عنه، أنه قَالَ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ).
فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ، قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا:
-         إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ،
-         وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ،
-         وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ
-         وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ،
-         وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ.
وفي رواية أخرى في نفس الموضع السابق: عن الْمُسْتَوْرِدِ الْقُرَشِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ). قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تُذْكَرُ عَنْكَ أَنَّكَ تَقُولُهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَوْرِدُ: قُلْتُ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَقَالَ عَمْرٌو: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، إِنَّهُمْ:
-          لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ،
-         وَأَجْبَرُ النَّاسِ عِنْدَ مُصِيبَةٍ،
-         وَخَيْرُ النَّاسِ لِمَسَاكِينِهِمْ وَضُعَفَائِهِمْ.
فزاد فيه وصف: وأجبر الناس عند مصيبة. فأصبح مجموع الصفات التي ذكرها عمرو بن العاص عن الروم ستة أوصاف، وهي:
-         إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ.
-         وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ.
-         وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ.
-         وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ.
-         وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ.
-         وَأَجْبَرُ النَّاسِ عِنْدَ مُصِيبَةٍ.
وهذا لا يعني أنه ليست لهم أخلاق حسنة غيرها، كما لا يعني أن كل أخلاقهم حسنة، ويكفيهم قبحٌ أن يزعموا لله تعالى ولدا، وكفى بالشرك بالله تعالى ظلما، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. إلا أن قضايا المعتقد يحاسب عليها رب العالمين، لذلك قال لنا: ) لا إكراه في الدين (، وإذا راجعنا كل الآيات القرآنية التي تتعلق بمناقشة اليهود والنصارى وغيرهم في المعتقد سنجد أن الله تعالى لا يرتب عليها حسابا دنيويا يذكر، بل، مثلا، أجاز لنا أن نتزوج الكتابية، وأن نأكل من طعام أهل الكتاب، إلى ما هنالك من أحكام تدل على أنه لا قطيعة بسبب المعتقد، وأن المعوَّل عليه القضايا المعاملاتية: ) فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ( )لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (، إلى ما هنالك من آيات تبين أن الأساس هو التعامل، ولعله من هنا جاءت العبارة المشهورة ( الدين المعاملة ). بل وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يمدح مكارم الأخلاق في المشركين، وما ذلك إلا للأثر العملي الذي تتركه مكارم الأخلاق في التعامل بين الناس.
ويوم جاء وفد البحرين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، سألهم: (أَيُّكُمْ عَبْدُ اللَّهِ الأَشَجُّ)؟ فَيَقُولُونَ: أَتَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ وَضَعَ ثِيَابَ سَفَرِهِ وَأَخْرَجَ ثِيَابًا حِسَانًا فَلَبِسَهَا. وَكَانَ رَجُلا دَمِيمًا. فَلَمَّا جَاءَ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى رَجُلٍ دَمِيمٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لا يُسْتَقَى فِي مُسُوكِ الرِّجَالِ ( أي: لا يشرب الماء في جلودهم ) إِنَّمَا يُحْتَاجُ مِنَ الرَّجُلِ إِلَى أَصْغَرَيْهِ لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (فِيكَ خَصْلَتَانِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ).
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ما هُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ: (الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ).
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشَيْءٌ حَدَثَ أَمْ جُبِلْتُ عَلَيْهِ؟
قَالَ: (بَلْ جُبِلَتَ عَلَيْهِ). [الطبقات الكبرى لابن سعد: 6/80].
فالله تعالى يحب الخصال الحميدة في الناس، لأنها تنعكس على الذين يعاملونهم، وهذا من مقاصد الشريعة، وقد قال الله تعالى: ) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ( ففهمنا من هذا أن أصل العلاقة مع الناس الأمانة وحسن الخلق.
من هنا استوقفتني الأوصاف التي وصف بها سيدنا عمرو بن العاص الروم، وهي أوصاف الكبار الذين يدركون معنى الأمانة، وأن يكون الإنسان حاكما.
وهذا لا يعني أنَّ هذه الأخلاق ليست عند المسلمين، حتى لا يستدرك عليَّ مستدرك ظنا منه أنني أحط من قدر المسلمين، حاشا ، ولكن الإنصاف يقتضي منا الاعتراف اليوم أن هذه الأخلاق هي عند الروم أكثر منها عند المسلمين، وأقصد بالروم الغرب عامة فهم يشكلون اليوم غالب سكان الكرة الأرضية على اختلاف مللهم ونحلهم. ونحن نرى كيف يتصرف هؤلاء عند المصائب والملمات، ونرى التفاوت الكبير بين مواقفهم ومواقف غيرهم حيال ما يصيب البشرية من مصائب ومحن.
صحيح أن تفاوتا بين مواقف الرأي العام الغربي وبين مواقع القرار فيه، إلا أنه لا ينكر أن الرأي العام عندهم قادر على الضغط على صناع القرار عندهم، فيتحقق بالتالي الوصف الذي وصفهم به عمرو بن العاص رضي الله عنه. فهم:
-         أحلمُ الناس عند فتنة، يتماسكون عندها، يحسنون التصرف والتخطيط لتحويل ذلك إلى مكاسب لهم ولبلادهم.
-         وأسرع الناس إفاقة بعد مصيبة، يدل لذلك ما حصل لأوروبا بعد حربين عالميتين تسببتا بكورث بشرية وطبيعية لا حدَّ لها، فقسمت أوروبا إلى شرقية وغربية، ثم ما لبثت أن توحدت على اختلاف أعراقها وأديانها.
-         وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، يعرف ذلك من عاش في الغرب فترة من الزمن وتنعم بالنظم الاجتماعية التي توفر له الحد الأدنى من المتطلبات الاجتماعية ليشعر بوجوده كإنسان.
-         وأمنعهم من ظلم الملوك، أي الحكام، ونحن نرى كيف أن سوء تصرف بسيط من أي سياسي أجنبي، أو سوء استغلال لمنصبه، كاف في الإطاحة به من المناصب التي يشغلها..
ولائحة القيم عند الغرب تطول، والكلام عنها له ذيول، ومهما كانت الملاحظات على الممارسات في تلك المجتمعات. ومهما كانت المآخذ على مواقف الغرب تجاه قضايا الشرق، إلا أن الناظر المتجرد عندما يتمعن في المجتمعات الغربية وفي ما قاله الصحابي الجليل الحصيف المنصف عمرو بن العاص رضي الله عنه، سيجد مصداق ذلك الوصف في واقع حياتهم. ليس بالضرورة أن يكون على ما نحب نحن الشرقيين، ولكنه على ما يريده شعب تلك البلاد، فهل نحن منتبهون؟ والله تعالى يقول لنا: ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...