اليقين

اليقين

التصنيف: روضة المنابر
الثلاثاء، ٢ صفر ١٤٣٨ هـ - ١ تشرين الثاني ٢٠١٦
916

 

 إنَّ اليقين شعبة عظيمة من شعب الإيمان , وصفة من صفات أهل التقوى والإحسان , قال

تعالى : (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)) سورة لقمان .

واليقين "هو العلم التَّامُّ الذي ليس فيه أدنى شك، الموجب للعمل". تفسير السعدي 40. 

قال الشاعر :

وقد أتاك يقينٌ غيرُ ذي عِوَجٍ * * * من الإله وقولٌ غيرُ مكذوبِ

وقال البيهقي : " اليقين هو سكون القلب عند العمل بما صدَّق به القلب، فالقلب مطمئنٌ ليس فيه تخويف من الشَّيطان ولا يُؤثِّر فيه تَخوُّفٌ، فالقلب ساكن آمن ليس يخاف من الدُّنيا قليلاً ولا كثيراً . الزهد الكبير 1/352.

قال ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد": لا يتم صلاح العبد في الدَّارَيْن إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا من قلبه وبدنه. انظر: مدارج السالكين 2/397 .

وقال صاحب الظِّلال : " والذي يجد راحة اليقين في قلبه يجد في الآيات مصداق يقينه ، ويجد فيها طمأنينة ضميره . فالآيات لا تُنشىء اليقين ، إنَّما اليقين هو الذي يدرك دلالتها ويطمئن إلى حقيقتها . ويُهيئ القلوب للتَّلقي الواصل الصحيح . تفسير الظلال 1/81.

ولأهميَّة اليقين، فقد نبَّه الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الرُّكون إلى أهل الشَّك ومن ليس لديهم اليقين الكامل بالله رب العالمين , قال تعالى : {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ }(60) من سورة الروم .

كما أمره بمداومة العبادة حتى يأتيه اليقين التَّام بلقاء ربه والفوز بمرضاته , قال تعالى : {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ }(99) من سورة الحجر.

واليقين عده البعض الإيمان كلَّه , قال بعض السلف : الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كلُّه" , وقال ابن القيِّم : " اليقين من الإيمان بمنزلة الرُّوح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمَّر العاملون، وهو مع المحبة رُكنان للإيمان، وعليهما ينبني وبهما قَوامه، وهما يُمدان سائر الأعمال القلبية والبدنية، وعنهما تصدر، وبضعفهما يكون ضعف الأعمال، وبقوتهما تقوى الأعمال، وجميع منازل السَّائرين إنَّما تُفتتح بالمحبَّة واليقين، وهما يثمران كل عمل صالح، وعلم نافع، وهدى مستقيم"[ مدارج السالكين 2/397] . 

وعَنِ الْحَسَنِ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَطَبَ النَّاسَ ، فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ النَّاسَ لَمْ يُعْطَوْا فِي الدُّنْيَا خَيْرًا مِنَ الْيَقِينِ ، وَالْمُعَافَاةِ ، فَسَلُوهُمَا اللهَ ، عَزَّ وَجَلَّ.أخرجه أحمد 1/8(38).

وعَنْ عُمَرَ ، قَالَ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ خَطَبَنَا ، فَقَالَ:إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ فِينَا عَامَ أَوَّلَ ، فَقَالَ : أَلاَ إِنَّهُ لَمْ يُقْسَمْ بَيْنَ النَّاسِ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنَ الْمُعَافَاةِ بَعْدَ الْيَقِينِ ، أَلاَ إِنَّ الصِّدْقَ وَالْبِرَّ فِي الْجَنَّةِ ، أَلاَ إِنَّ الْكَذِبَ وَالْفُجُورَ فِي النَّارِ.أخرجه أحمد 1/9(49) و"النَّسائي" في "عمل اليوم والليلة" 885.

ولهذا قال أبو بكر الورَّاق رحمه الله:"اليقين ملاك القلب، وبه كمال الإيمان، وباليقين عُرف الله، وبالعقل عُقل عن الله".

ولقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : "اللهم قْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ , وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ , وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصائب الدُّنْيَا , اللهم أمتعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا , وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا , وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا , وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا , وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِى دِينِنَا , وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا , وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا , وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا. أَخْرَجَهُ الترمذي (3502) و"النَّسَائي" في عمل اليوم والليلة (402) عن ابن عمر رضي الله عنه .

واليقين : ثلاث درجات:

الأولى: علم اليقين.قال تعالى : { كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} (5) من سورة التكاثر ،فعلم اليقين هو العلم الجازم المطابق للواقع الذى لا شك فيه .

والثانية: عين اليقين.قال تعالى : { ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} (7 )من سورة التكاثر.  وهو ما كان عن مشاهدة وانكشاف .

والثالثة حق اليقين . قال تعالى :  {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} .الواقعة: 74. وهو ما كان عن ملابسة ومخالطة .

قال الشعراوي : " إن اليقين هو تصديق الأمر تصديقاً مؤكداً، بحيث لا يطفو إلى الذهن لِيُناقش من جديد، بعد أن تكون قد علمته من مصادر تثق بصدق ما تَبلغك به.

أما عَيْن اليقين؛ فهي التي ترى الحدث فتتيقَّنه، أو هو أمرٌ حقيقيٌّ يدخل إلى قلبك فَتُصدقه، وهكذا يكون لليقين مراحل: أمر تُصدِّقه تَصديقاً جازماً فلا يطفو إلى الذهن لِيُناقَش من جديد، وله مصادر عِلْم مِمَّنْ تثق بصدقه، أو: إجماع من أناس لا يجتمعون على الكذب أبداً؛ وهذا هو " علم اليقين "؛ فإنْ رأيتَ الأمر بعينيك فهذا هو حق اليقين. تفسير الشعراوي 1885.

وأهل اليقين هم أهل الإيمان وأهل التَّميز في الأقوال والأفعال ولهم صفات تتباين وتتمايز عن صفات باقي الناس.

اللهمَّ اجعلنا منهم برحمتك الواسعة يا أرحم الرَّاحمين.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مدرسة الصيام - أخلاقيات الصائمين
الأحد، ٢٦ رمضان ١٤٣٦ هـ - ١٢ تموز ٢٠١٥مدرسة الصيام - أخلاقيات الصائمين
هذه خطبة جمعة ألقيتها في جامع السلام بحلب في رمضان 1398، وجدت أصولها بين أوراقي ،وقد قام ...
من آداب السفر - ـ
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩من آداب السفر - ـ
من آداب السفر للشيخ ناجي الطنطاوي   إن الإسلام يصبغ المسلم بصبغته ،ويرافقه في حركا...
مولد النور لفياض عبسو - الرحمة المهداة
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩مولد النور لفياض عبسو - الرحمة المهداة
مولد النور بقلم: فياض عبسو قال الله تعالى :{هو الذى بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليه...