الهجوم على السنة سهم مسموم

الهجوم على السنة سهم مسموم

 

السُّنة هي المصدر الثَّاني من مصادر التَّشريع، والأصل الثَّاني بعد القرآن الكريم في استقامة الأمَّة وسيرها في الحياة، وهى العاصمة لها من الانحراف والضَّلال، والحامية لها من الفساد والانحلال، وهي الحصن الحصين للفهم الدَّقيق والعمل الصَّحيح، وهي الميزان الحساس في حفظ هويَّة المسلمين، وهي المعيار الصَّحيح لسلوكهم وأخلاقهم، وعليها يتوقف النَّجاح والفلاح، وبدونها يكون الضَّلال والخسران عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنتي، ولن يتفرّقا حتى يردا على الحوضِ» [أخرجه مالك مرسلاً، والحاكم مسنداً وصححه].

ما هي السنة؟

قبل الخوض في الموضوع لا بدَّ من التَّعريف بالسُّنة النَّبوية كما بيَّنها علماء الحديث والأصول، فقالوا في تعريفها: "ما أُثر عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من قولٍ، أو فعلٍ، أو تقريرٍ، أو صفةٍ خِلْقيَّةٍ أو خُلقيةٍ، أو سيرةٍ" هذا تعريف علماء الحديث، وأمَّا الأصوليون فقالوا: "ما صدر عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم غير القرآن من قولٍ، أو فعلٍ، أو تقريرٍ" وهذا مجمعٌ عليه لدى العلماء.

وعلماء الحديث أفنوا أعمارهم في تدوين السُّنة النَّبوية، وضبطها، وحفظها، وشرحها، ولما شعر العلماء بالخطر على توثيق السُّنة احتاجوا إلى وضع قواعد لحماية السُّنة من الدسِّ والكذب، فأنشؤوا علمًا هو علم الجرح والتَّعديل، هذا العلم الذي لم تحظ أمَّة من الأمم بمثله، ولا يوجد عند أمَّةٍ من الأمم كتاب له سندٌ متصلٌ، ولا تصل كتبهم المقدسة من حيث السَّند والمتن إلى أدنى مستوى من مستويات الأحاديث الضَّعيفة، بل تقابل عندنا بالأحاديث الموضوعة، وفي هذا يقول عبد الله بن المبارك: "إنَّ الإسناد من الدِّين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".

وقضية إنكار السُّنة ليست وليدة اليوم، ولا صدفة العصر، بل لها جذورٌ تاريخيَّةٌ، كـ"الحروريين" و"القرآنيين" و"المستشرقين" وركّز المستشرقون على "الطَّعن في السُّنة والنَّيل من الصَّحابة نقلَةِ السُّنة"، لتشكيك الأمَّة في ثاني مصادر التَّشريع، وهؤلاء المستشرقون أمثال (جولد تسهير) و (البرفسور شاخت) وغيرهم بذلوا جهودًا كبيرةً للنَّيل من كتب الحديث والتَّشكيك في أمانة الصَّحابة وعدالتهم، ونال النَّصيب الأكبر من النَّقد والهجوم الصَّحابي الجليل أبو هُريرة رضي الله عنه، وجاءت محاولاتهم بالفشل وعدم القبول، بسبب وقوف العلماء وأهل الحديث في صدِّ الهجوم، والدِّفاع عن السُّنة، ولكن جهودهم أثمرت في العصر الحديث، حيث ظهرت في الأمَّة الشَّجرة الخبيثة التي غرسوها، وانتشر السَّم القاتل الذي دسوه، وبدأت الثِّمار الفاسدة تظهر في ثياب أدباءٍ وعلماءٍ ومفكرين من أبناء جلدتنا وممن ينتسبون إلى الإسلام. 

فالحرب الدَّائرة على السُّنة اليوم لا تقلُّ تهلكة وضررًا عن الحرب التي يقودها الغرب ضدَّ الإسلام والمسلمين، بل الحرب على السُّنة تمهيدٌ ومقدِّمةٌ للقضاء على الأمَّة عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا؛ لأنَّ أي نهوضٍ أو انتصارٍ أو تقدُّمٍ للأمَّة لا يمكن تصوره بدون السُّنة النَّبويَّة التي هي الشَّارحة للقرآن، والتَّطبيق العمليُّ للإسلام، والتَّفصيل الدَّقيق لكل ما يحتاجه المسلم في حياته، فبالقضاء على السُّنة يكون القضاء على الإسلام.

السُّنة حجة مثل القرآن

ولنضرب أمثلةً من القرآن تبين لنا أهميَّة الرَّسول وسنته في حياتنا، يقول الله تعالى: ?لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا? [الأحزاب: 21] فالآية تبيِّن أنَّ للمسلمين أسوةً حسنةً، وقدوةً طيبةً في محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون الرَّسول قدوةً للمسلمين؟ وأقواله وأفعاله وتقريراته لا قيمة لها، وكيف يكون قدوةً وقد أبعدناه عن دائرة التَّشريع والقبول؟ وإذا كان الرَّسول شأنه شأن الآخرين فلِمَ فيه القدوة؟ ولا يقول بهذا إلَّا جاهلٌ بالإسلام أو عدوٌ للإسلام.

ويقول الله عز وجل: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تأويلا? [النساء:59] إنَّ الله تعالى يأمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، فكيف نفرق بين الطَّاعتين، والآمر بطاعة الله هو الآمر بطاعة الرَّسول، وهل المسلمون اليوم غير مسئولين عن طاعة الرسل؟ لو فرضنا جدلًا أنَّهم غير مسؤولين عن طاعة الرَّسول إذن فهم غير مسئولين عن طاعة الله أيضًا، ولا يقول بذلك أحد من المسلمين، وإذا تقرَّر أنَّ طاعة الرَّسول واجبةٌ كطاعة الله تعالى، فكيف تكون طاعته واجبةً إذا كانت سنته غير حجة؟ وكيف يطاع إذا كانت أقوله وأفعاله وتقريراته غير ملزمة لأحدٍ من المسلمين؟ إنْ هذا إلَّا ضلالٌ مبينٌ.

وفي آية أخرى يقول الله جلا وعلا: ?وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى? [النجم: 3-4]،     هذا كلام الله تعالى في حق مَنْ أرسله مبلغًا وداعيًا وهاديًا، فالشارع عزَّ وجلَّ حينما يقول عن رسوله: ?لا ينطق عن الهوى?، ثمَّ يأتي من يقول: ما ينطق به رسوله ليس بحجةٍ، وما يقوله أو يفعله أو يقرره لا يلزم أحدًا من المسلمين فهو قد كذَّب الله تعالى فيما قال عن رسوله من أنَّه لا ينطق عن الهوى، يقول الإمام القرطبي رحمه الله: «وفيها - أيضًا - دلالةٌ على أنَّ السُّنة كالوحي المنزل في العمل» [تفسير القرطبي: 10/20].

قال تعالى: ?وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا? [النساء: 113] وقال: ?هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ? [الجمعة: 2] وقال: ?وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ? [الأحزاب: 34] الآية الأولى تبيِّن أنَّ الله أنزل على رسوله شيئين اثنين: الكتاب والحكمة، والآية الثَّانية توضح مهمَّة الرَّسول صلى الله عليه وسلم وهي تعليم الأمَّة شيئين اثنين: الكتاب والحكمة، والآية الثَّالثة تأمر أهل بيت النُّبوة بذكر وقراءة شيئين اثنين: الآيات والحكمة، ولا شك أنَّ المراد بالكتاب والآيات هو القرآن الكريم، كما لا شك في أنَّ المراد بالحكمة هو غير القرآن؛ لأنَّ الحكمة معطوفة على الكتاب والآيات، والعطف يقتضي التَّغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، إذن ما المقصود بالحكمة في الآيات؟ ولنسمعْ الجواب الشَّافي من الإمام الشَّافعي حيث قال رحمه الله بعد سرده الآيات: «سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم» [الرسالة: 87].

وقال ابن القيم رحمه الله: «والكتاب هو القرآن، والحكمة هي السُّنة باتفاق السَّلف، وما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه فهو في وجوب تصديقه والإيمان به، كما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، هذا أصل متفق عليه بين أهل الإسلام، لا ينكره إلا من ليس منهم« [الروح: 501].

وهذا الحديث يصوِّر لنا موقف هؤلاء المنكرين من السُّنة، ويوضح تطاولهم واستهانتهم بها، هذا الحديث الذي رواه أبو داود عن المقدام بن معديكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا وإني قد أوتيت الكتاب ومثلَه معه، ألا يوشك رجل شبعان على أركته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يَقروه، فإن لم يَقروه فله أن يُعْقِبهم بمثل قِراه» [سنن أبي داود: 4604 ، المسند: 17174] قال الخطَّابيُّ تعليقًا على هذا الحديث: «قوله: (ألا وإني قد أوتيت الكتاب ومثلَه معه) يحتمل وجهين من التَّأويل: أحدهما: أنَّ معناه أنَّه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أعطي من الظَّاهر المتلو، والثَّاني: أنَّه أوتي الكتاب وحيًا يتلى، وأوتي من البيان مثله، أي: أُذِنَ له أن يبين ما في الكتاب، فيعمم ويخصص، ويزيد عليه، ويشرع ما ليس له في الكتاب ذكر، فيكون ذلك في وجوب العمل به، ولزوم قبوله كالظاهر المتلو من القرآن» [معالم السنن:4/298]

والتَّعبير «ألا يوشك رجل شبعان على أركته» أي: الذي يدعي بأنَّ مصدر التشريع والحلال والحرام هو القرآن فقط، ولا حاجة إلى السُّنة إنما هو – كما قال الخطابي – وإنما أراد بالأريكة أصحاب الترفه والدعة، الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا العلم من مظانه. [نفس المرجع]

وأخيرًا فالتَّشكيك في السُّنة هو التَّشكيك في القرآن نفسه؛ لأنَّ الذين نقلوا إلينا القرآن هم الذين نقلوا إلينا الحديث، فالشَّك في الصَّحابة - نَقَلَة السُّنة -  يؤدي إلى الشَّك في القرآن الكريم، لأنَّهم هم الذين نقلوا القرآن، والقرآن لم يصلنا إلَّا عن طريق إبلاغ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ من نقل الصَّحابة رضوان الله تعالى عليهم؛ لأنَّه لا أحد من المسلمين شاهد أخذ جِبْرِيل عن اللوح المحفوظ، ولا تلقِّيَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من جِبْرِيل، فالقرآن الكريم أخذ شفاهة من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ عن طريق الصَّحابة رضي الله عنهم، فحيث يُقدح في حجيَّة السُّنة وفي عدالة الصَّحابة يُقدح في ثبوت القرآن الكريم، ولكنهم لا يجرؤون على التَّشكيك في القرآن مباشرةً فلذلك يهدفون إلى هدم السُّنة ونزع الثَّقة فيها.

ونختم بكلام ابن حزم في الرد على من ينكر حجية السنة حيث يقول في كتابه الإحكام في أصول الأحكام ما نصه:

يقول رحمه الله تعالى: «في أيِّ قرآن وجد أن الظهر أربع ركعات، وأن المغرب ثلاث ركعات، وأن الركوع على صفة كذا، والسجود على صفة كذا، وصفة القراءة فيها والسلام، وبيان ما يجتنب في الصوم، وبيان كيفية زكاة الذهب والفضة، والغنم والإبل والبقر، ومقدار الأعداد المأخوذة منها في الزكاة، ومقدار الزكاة المأخوذة، وبيان أعمال الحج من الوقوف بعرفة، وصفة الصلاة بها، وفي مزدلفة، ورمي الجمار، وصفة الإحرام، وما يجتنب فيه، وقطع يد السارق؟ وصفة الرضاع المحرم، وما يحرم من المآكل، وصفة الذبائح والضحايا، وأحكام الحدود، وصفة وقوع الطلاق، وأحكام البيوع، وبيان الربا والأقضية والتداعي والأيمان، والأحباس، والعمرة، والصدقات، وسائر أنواع الفقه. وإنما في القرآن جمل لو تركنا وإياها لم ندر كيف نعمل بها، وإنما المرجوع إليه في كل ذلك النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الإجماع، إنما هو على مسائل يسيرة، فلابد من الرجوع إلى الحديث ضرورة، ولو أنَّ امرأ قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافراً بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر؛ لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حد للأكثر في ذلك، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال». رحمه الله رحمة واسعة.

والحمد لله رب العالمين.

المصدر: مجلة الحميدية العدد الثاني

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...