الجمعة 15/محرم/1398 جامع السلام بحلب الشهباء.
الشيخ مجد مكي
هناك هجرات كثيرةٌ عرفها التاريخ، حدثت وما زالت تحدث حتى وقتنا هذا... وهي هجرات لها دوافعها المختلفة، وأسبابها المتباينة... ومهما تكن هجرات الناس... فلن تصل إلى سماءِ هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها هجرة تجردت من كل هدفٍ إلا إعلاءِ كلمة الله عزَّ وجل.
تلك هي الهجرة التي تُعلِّمُ المسلمين كيف يكونُ التجرد لله... وكيف يكونُ البذل في سبيل العقيدة...
وكيف ترتفع النفوس البشرية على مغريات الحياة، ومزاعم المال والطين والجاهِ، وكيف تجدُ تلك النفوس أُنسها بربها وعقيدتها، لقد كانت هذه الهجرةُ وما تزال درساً رائداً ومعلماً لكل عشاقِ البطولة والشجاعة والاستبسال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولقد تألقت على لوحةِ الهجرة بطولاتٌ رائدة وتجلى الإيمان حتى ساد ا لموقف واختفت كل مشاعر الضعف.
عندما رأت قريش تتابع الهجرة في مدٍّ متلاحق، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صار له أصحابٌ وأنصارٌ في المدينة ولا سلطان لهم عليها، تخوفوا من خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وعرفوا أنه إذا كان ذلك فلا حيلة لهم فيه، ولا سبيل لهم عليه، ولهذا اجتمع طواغيت مكة في دار الندوة على شكل مؤتمر موسَّع ليتخذوا القرار الحاسم في هذا الموضوع؟!
وقد تداولوا الرأي في الخطة التي يضمنون بها التخلص من رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى بعضهم أن يعتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكبل بالأغلال وأن توضع القيود في يده ويشدّ وثاقه، ويقذف به في غيابات السجون، ورأى آخرون أن تكون العقوبة هي النفي وتستريح قريش منه ومن دعوته إلى الأبد، ونوقش هذان الرأيان بأنهما لا يحسمان الأمر فسجن محمد صلى الله عليه وسلم يهيج قبيلته، فتطالبُ بإطلاق سراحه فتعود المشكلة كما بدأت!! ونفيُهُ قد يؤدي إلى أن ينشئ قاعدة جديدة في المنفى تكون منطلقاً لدعوته حتى إذا قوي أمرُه رجع يحارب قريشاً، وليس بعيداً أن يتجه إلى أصحابه صوب المدينة... وهذا أخطر ما في الموضوع، ثم أبدى أبو جهل اقتراحاً صفق له الجميع ورأوا الأخذ به، وخلاصة هذا الاقتراح: أن يؤخذ من كل بطنٍ من قريش شابٌ نسيب، ثم يتناول كل فتى من هؤلاء سيفاً صارماً ، ثم ينقضون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضربونه ضربة رجلٍ واحدٍ ، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل فلا تقدر بنو هاشم على حرب قريش كلها، فلا يكون أمامها إلا الدية فإذا طلبوها دفعناها، هكذا قال أبو جهل!! وقد استراح الجميع لهذا الرأي، لذا كانت الموافقة جماعية ولم يبق بعد ذلك إلا تنفيذ الخطة، وهذا الحوار كله لم تكن له صفة السريَّة لذلك ذاع أمره بين الناس، وقد أشار القرآن إلى هذا المؤتمر الفاجر في قوله سبحانه وتعالى:[وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] {الأنفال:30}.وقد فضحت هذه الآية خطة القوم ولخصت آراءهم في المؤتمر أدق تلخيص وسمَّت ذلك مكراً... وأين لهؤلاء البشر الضعاف المهازيل الذين يدبرون و يتآمرون من قدرة الله الجبار القاهر فوق عباده، الغالب على أمره، وهو بكل شيء محيط.؟!
وهذا القرار المجرم الذي ارتضاه القوم باغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتبر قمة التصعيد للشر، فكان لابد أن يواجه هذا القرار بقرارٍ من الله يُحبط به كيدَ الكافرين... لذا أوحى الله إلى نبيِّه ورسوله بالهجرة، وأذن له فيها.
من روائع التخطيط وبدائعه : أن يُتخذ قرار الهجرة من جانب الرسول صلى الله عليه وسلم سرياً وفي تكتم شديد وحذرٍ بالغ، وكثيراً ما ألحّ أبو بكر رضي الله عنه على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأذن له بالهجرة مع من هاجر من الصحابة إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستمهله ويقول له: لا تعجل لعل الله يجد له صاحباً، وقد طمع الصديق رضي الله عنه أن يكون هذا الصاحب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فابتاع راحلتين فاحتبسهما في داره يعلفهما ويعدهما انتظاراً للرحلة الميمونة المباركة، وما كان أحرَّ أشواقه للهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم !! وإنه لشرفٌ دونه كل شرف، ومطمحٌ تتضاءل أمامه كل المطامح، وقد حققه الله للصديق، ها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدر في سيره فوق طيَّات الثرى اللهب في حر الهاجرة، والشمس محرقة، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى وجهه آثار الاهتمام وشعاع الأمل يغمر جبينه، فقال صلوات الله وسلامه: (إنَّ الله قد أذن لي في الخروج والهجرة) فيرد الصديق: الصحبةَ يا رسول الله ؟ فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم : الصحبة!!.
وهنا تغمرُ السعادة أبا بكر... حتى ما يطيق أن يخفيها!! حتى إنه ليبكي من الفرح قتلك هي الفرصة التي كان يترقبها بصبرٍ فارغٍ وشوقٍ نازع!! تقول عائشة رضي الله عنها وقد حضرت المشهد: (فوالله ما شعرتُ قبل اليوم أنَّ أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكرٍ يبكي يومئذ).
ثم قال أبو بكر رضي الله عنه وقد استنار وجهه من البِشر: يا نبي الله إن هاتين راحلتان كنت قد أعددتهما لهذا الأمر... فيصرُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يدفع ثمن راحلته لأبي بكر من مالِه الخاص، لأن البذل في تلك الرحلة عبادةٌ لا تعدلها عبادة أخرى!!
لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يشك أن قريشاً ستقتفي أثرهما وستطاردُهما مطاردةً عنيفة لا هوادة فيها، وأنها رحلة محفوفة بالمخاطر، لذا استأجر خبيراً بدروب الصحراء، ومتاهاتها، استوثق على سرٍ فكان ثقة، وعلى وعدٍ فكان أميناً.. وكانت السريَّة التامَّة تلف أحداث الهجرة ، وبلغ من حيطته صلى الله عليه وسلم أن يخرج من بيته في وقت غير مألوف، وأن يسلك سبلاً غير مألوفة، وقد وقف الشبان الذين أعدتهم قريشٌ لقتله يحاصرون داره بالليل. وهنا تأخذ الهجرة سمتها الأخلاقي الرائع، فإنَّ الرسول المطارد من أهل مكة، المستباح الدم، تأبى عليه أخلاقه أن يهاجر دون أن يسلِّم الودائع لأصحابها مهما كانوا أعداءَه ومهما تربَّصوا به، وتلك أخلاقيات الهجرة!! ورب قائل بقول: إن وراء الهجرة هدفاً أكبر من التمسك بجزئية أخلاقيه قد يسمح الظرف الخطير بتجاوزها؟ لكن منطق رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء آخر، فما الفرق بين الإسلام وبين المبادئ الأخرى إذا كان متأسياً بها في تخليه عن أخلاقياته في ساعات المحنة والخطر؟
وإن وضع الغنائم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش يدل على تناقضٍ غريب، فكانت قريش - رغم عدائها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورميه عن قوسٍ واحدة - عظيمة الثقة بأمانته وصدقه، وهذا يدل على أن كفرانهم لم يكن بسبب الشك لديهم في صدقه، وإنما هو بسبب تكبرهم واستعلائهم على الحق الذي جاء به وخوفاً على زعامتهم وطغيانهم وصدق الله العظيم:[قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ] {الأنعام:33}.
وتتجلى لنا مهمة عليٍّ رضي الله عنه التي تحفُّها المهالك، ويحيط بها الموت... وبخاصةٍ أنه سيواجُه القومَ، ويكون آخرُ المهاجرين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم !! ومع ذلك فهو ينفذُ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل طاعةٍ وبكل حبٍ وشوقٍ، وينامُ قريرَ العين، وهو موقن أن السيوف توشك أن تخالط صاحب الفراش وتمزق لحمه وعظمه.
وجعل هؤلاء الفتيان المترصدون بسيوفهم البواتر ينظرون من فرجة الباب إلى مضجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرون في الفراش رجلاً فيطمئنون إلى أنه نائم لم يغادر فراشه، حتى إذا كان الثلث الأخير من الليل خرج الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان النعاسُ قد غزا عيونهم فاستسلموا للرقاد!! فمر من بينهم ترعاه عين الله ـ فحثا على رؤوسهم التراب، وهو يردد قول الله تعالى:[وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ] {يس:9}.
وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دار أبي بكر وانطلقا إلى غار ثور، وهنا في ذلك الغار الغارق في الصمت والوحشِة ثوى الرجلان الكريمان ثلاثة أيام!!
فأما الفتيان فقد ظلوا على وضعهم حتى سفعتهم الشمس فانتبهوا فزعين يمسحون الكرى عن عيونهم، وينفضون التراب على رؤوسهم، وذهلوا حين عرفوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هاجر... وأقبل بعضهم على بعضٍ يتلاومون... وهالهم أن النائم هو عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واقتفى المشركون أثر الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت قريش ترصد السبل والمنافذ وتبث العيون والأرصاد، وتوصد الفجاج على الذاهب والآت، وتبحث في مناجي الصحراء... وأنصتَ الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبُه إلى أقدام المطاردين تخفق فوق رؤوسهم، وكانت أدقَ لحظة مرت بها الإنسانية في رحلتها الطويلة، وكانت لحظة حاسمة، فأما ابتداء شقاءٍ لا نهاية له، و أما افتتاح سعادةٍ لا آخر لها، وقد حبست الإنسانية أنفاسها، ووقفت خاشعة حين وصل الباحثون إلى فمِ الغار ولم يبق بينهم وبين العثور على منشودهم إلا أن ينظر أحدهم تحت قدميه، ولكن الله حال بينهم وبين ذلك فاختلط عليهم الأمر، ورأوا على بابِ الغار نسج العنكبوت فيما يرويه الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما.
كان هذا الغار هو المقر الأمين الذي استودعته عناية الله مصير الرسالة الخاتمة، ومستقبل الدعوة الكريمة التي ستنقل العالم كلِه من الظلمات إلى النور.
ولقد صار هذا الغار خليقاً بأن يبقى محفوراً في ذاكرة التاريخ لا ينساه ولا يفرط في ذكراه فلقد كان هذا الغار وفياً لهذه الرسالة التي لجأت إليه، و استعصمت به من مطاردة الشرك والمشركين.
ألا بوركت يا غار ثور، وبورك أديمك الطاهر أوى إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبُه، ولاذت بك الدعوة المضطهدة فكنت باراً حفياً بضيفك، وكنت أميناً على سر الكلمة.
أنت يا غار ثور مشرقُ النور للحياة كلها... الغارقة في الظلام... ومصدرُ الهداية للعالم المتخبط في الضلالة، ومنطلق الحضارة الإنسانية للدنيا بأسرها.
إن لك في تاريخ الإنسانية ليوماً عظيم الشأن... بل أياماً ثلاثة، كان قلب الكون كله يخفق إشفاقاً على مصير الدعوة، ونبي الدعوة، وصاحبه الأمين... فهل ننساك يا غار ثور؟ وفيك انهمر معدن الإيمان، وتنزل غيث السكينة واطمأنَّ قلبُ الصديق!! هل ننساك؟ ولك في القرآن قصة مجد ترددها ملايين الشفاه التالية لكتاب الله إلى أن يرث الله الأرضَ ومن عليها [إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]{التوبة:40}.
وتأملوا في مدى ثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصر الله حتى في أحرج الأوقات إذ ليس هناك ما هو أخطر من ذلك الموقف، فيقول لصاحبه الصدِّيق :[ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا] {التوبة:40}. والعاطفة الغالبة التي كان يعالجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفس أبي بكر رضي الله عنه عاطفة الحزن ، فقد قال له: لا تحزن. ولم يقل : لا تخف وهذا دليلٌ على أن الصديق رضي الله عنه كان مشفقاً من أعماق فؤاده على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الدعوة.
ولم يكن هناك خوفٌ يغزو قلبه، ويشكك في يقينه، ومن ثم جاء التعبير (لا تحزن) ولم يكن لا تخف لأن الخوفَ جبنٌ وضعفُ ثقة بالله. أما الحزن فهو يخامر القلب إشفاقاً على الدعوة من أن تصاب بسوءٍ في رسول الله أو فيمن يحملونها. وهذا من جنس دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر:" اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض"، فليس هذا دعاء الخائف، بل هذا هو دعاء المشفق على كلمة الله ورسالته، إن الإيمان الكامل لا يسكن مع الخوف من أعداء الإسلام في قلبٍ واحد، فإذا وجد الإيمان الصحيح الكامل ذهب الخوف وكانت البطولة وكانت الشجاعة وكانت النجدة وكان الفوز المؤكد لا شك فيه.
وفي قوله سبحانه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: [إِنَّ اللهَ مَعَنَا] {التوبة:40}. تأكيدٌ للثقةٍ في حماية ربه، وارتباط بالله في حالات اليأس، وإحساسٌ بأن الله معه: لأنه مع الله مهاجراً في ذات الله، وتحمل العذاب في سبيله، فإن الله سيكون معه في شدته، لأن من كان مع الله كان الله معه.
ومن خلال التعبير تسطع أضواءُ الهداية، ويتدفق نبعُ السكينة، ويتألق ومضُ الأُنس، ويفوح عبيرُ الإيمان، وإن هذه الأضواء لتغمر الغار ومَن بالغار يفيض من السكينة تثبتهما في تلك الشدائد الصعاب، والذين يشعرون بإيمانهم وينتفعون به في الأهوال والشدائد قِلَّةٌ قليلة نادرة!! ولكنَّ الإيمان الحق يأبى إلا أن يعبر عن نفسه يقيناً وثباتاً وبطولةً وثقةً في مثل تلك الأوقات وهكذا يظل الإيمان نظرياً، يُعبِّر عن نفسه في المحن والشدائد...
وأبى ذلك الإيمان إلا أن يفيضَ من قلبه على لسانه صلى الله عليه وسلم فيتمثل ساطعاً ناصعاً في قوله: [إِنَّ اللهَ مَعَنَا]، وفاضَ ذلك الشعور بالأنسِ فغمر أبا بكر رضي الله عنه بالثقة والثبات [إِنَّ اللهَ مَعَنَا]. موثقة بشتى التأكيدات التي تطارد كل الهواجس والوساوس، فهو مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومع صاحبه ومع المؤمنين يمدهم بالثقة والأمن والأنس والسكينة،( معنا)، هكذا بنون الجماعة ولم يقل :(معي) .
ولعل هنا مجالاً للموازنة بين [إِنَّ اللهَ مَعَنَا]في هذا الموقف وبين قول سيدنا موسى عليه السلام وفرعون يطارده [إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ] {الشعراء:62} وهما تعبيران كريمان لرسولين عظيمين محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام ! صاغهما الإيمانً في أحرجِ المواقف وأدق الظروف، فقد كان موسى مطارداً من فرعون وجنودِه حتى البحر، والعدو وراءه والبحر أمامه.
وكان محمد صلى الله عليه وسلم مع صاحبه في الغار والقوم على رؤوسهما يسمعان خفق نعالهم!! وكلا الموقفين اختبار صارم للإيمان والعقيدة.. وكلا الرجلين نبي ورسول!! يطارده الكفر لإحباط رسالته!!
لكن قولَ الرسول صلى الله عليه وسلم [إِنَّ اللهَ مَعَنَا].فيه تقديم لاسم الجلالة وقد آثر صلوات الله عليه وسلم أصل أسمائه الحسنة وهو الله، ولم يصرفه الخطر عن البدءِ باسمه سبحانه، فلم يقدم (معنا) عليه... وهو تقديم له بهاؤه وروعته فإنَّ الله ـ جل جلاله ـ هو الذي يُفيض الثقة، ويمنح الأنس، ويضفي الخير والبركة... ثم هذه المعية التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم معيةٌ واسعةٌ تتسع له ولغيره، فهي تتسع للصديق، بل لكل صادقٍ في إيمانه، تتهدده المخاطر، وتطارده قوى الشر، بخلاف قول موسى عليه السلام [إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ]. فهو قد آثر ربي وأضاف لنفسه وحده، وقدم المعية عليه سبحانه وجعلها ضيقة لا تتسع لغيره!! وشتان بين معنا ومعي!!
وهكذا تبدو من خلال التعبيرين سمات وملامح تصورُ الخلجات والمشاعر.
لقد كانت حادثة الغار مشهداً من مشاهد حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان النصر فيه نصراً مباشراً متجرداً من الأسباب المادية التي تعارف عليها الناس، تقارن بين مشهدين من مشاهد السيرة في الغار ليلة الهجرة، وفي العريش يوم بدر، ففي غزوة بدرٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وأربعة عشر، وفي الهجرة ثاني اثنين، و في بدر يدخل أبو بكرٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش وهو مستغرقٌ في الدعاء والابتهال، و التضرع وهو يقول:" اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم نصرك الذي وعدتني " ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط الرداء عن منكبيه، وجعل أبو بكر يشفق عليه من كثرة الابتهال.
فأبو بكر في غزوة بدرٍ يطمئن الرسول صلى الله عليه وسلم ويعزيه، أما في يوم الهجرة فيقول له: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا!! فيرد عليه الرسول وقد امتلأ ثقة بربه: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إنَّ الله معنا. ففي الغار يطمئن الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر وهم: ثاني اثنين. فالفارق بين الأمرين: كان في بدرٍ أسباب مادية من ثلاثمائة وأربعة عشر فكان يخشى أن يتركهم الله فيبتليهم بالمعركة لذلك توجه إلى الله بأن يمدهم بالنصرِ ويرعاهم وهو يقول: (إنهم حفاة فاحملهم، عراةٌ فاكسِهُم جياع فأشبعهم، عالة فأغنهم من فضلك) وقد علم أنه لو وكل المسلمون إلى أنفسهم وقوتهم فالنتيجة معلومة واضحة، أما يوم الهجرة: اثنان في الغار، وسط ظلمات الليل، ومخاوف الصحراء وخطرِ الأعداء فالتجرد تام من كل الأسباب المادية فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم موقناً بأن الله تبارك وتعالى سيحميه ( ما ظنك باثنين الله ثالثهما) [إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] {التوبة:40}.
فنحن معاشر المسلمين كلما ضاقت بنا الأحوال واشتدت علينا الظروف ووجدنا أعداءنا مزودين بأسباب القوة المادية فمشهد الهجرة الذي جردته عناية الله من كل الأسباب المادية وتكفل الله تكفلاً واضحاً صريحاً بإنقاذ اثنين من الغار والكفار على رؤوسهم، هذا الإله القوي القادر، قادرٌ في كل الظروف أن ينصر دينه، وأن يؤيده، وهذه القدرة قائمة في كل وقت وقادرة أن تمد جناحيها على كل من يعملون لهذا الدين، ولكن المهم أن يقف في المعركة كما وقف في المعركة الأولى: الإيمان الصادق الموصول بالله عزَّ وجل.
ما هي النتيجة النهائية والثمرة الحقيقة من تأييد الله ونصره لرسوله صلى الله عليه وسلم في الهجرة؟؟ إن النتيجة النهائية تكمن في قوله سبحانه: [وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] {التوبة:40}. وهي نتيجة وثمرة دائمة على امتداد الزمن مع أولياء الله وأصفيائه الذين يتعرضون للمخاطر ليستهدفون للشرور، لابد في تلك المعارك أن ينتصر الحق وأن تنهزم قوى الشر مهما لجت في الضلال، وملكت من وسائل التدمير والهلاك... وهذا الذي حدث... لقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم مكة وعمره ثلاث وخمسون سنة، ولا ريب أن نفسه كانت تموج بذكريات عزيزةٍ جياشة، لقد بُثت في طريقه الأرصاد، ووضعت المكافآت لمن يسفك دمه، أتكون هذه هي خاتمة جهاده بمكة، أم سيرجع إليها لتكون كلمة الله هي العليا، ويختلج في نفسه الأمل العَذْب، هل سيعود إلى مكة وهنا يتنزل الوحي:[إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ]{القصص:85}. ولكن الجبّارين الذين أقاموا بمكة يكفرون ويكرهون الناس على الكفر ماذا يكون حاله معهم وماذا يكون مصيرهم وهنا يتنزل الوحي مرة أخرى:[وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ] {محمد:13}. [وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا]{الإسراء:76} . ولقد صدق الله وعده فها هو ذا محمد صلى الله عليه وسلم يهاجر في جنح الليل، ويهاجر أصحابه فرادى تحت وابل الإرهاب والتنكيل وإنه اليوم ليعود إلى مكة في وضح النهار منتصراً ظافراً يردد قول ربه الكريم: [وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا] {الإسراء:81} . وكذلك تمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ] {القصص:6} . الأشخاص الذين ظلوا حتى اللحظة الأخيرة على غبائهم وجمودهم، متشبثين بالجاهلية قد تحدد مصيرهم الآن، بعد أن دخلت عليهم مكة من أقطارها:[ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] {التوبة:40}. محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين كانوا مطاردين بالأمس يسميهم قومهم السفهاء يصبحون اليوم في مكة السادة العظماء، ويقف المجرمون من أهلها تحت أقدامهم ينتظرون كلمة الحياة أو الموت تصدر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم خائف يترقب.
ولكنَّ محمد صلى الله عليه وسلم لا ينزل إلى درك الانتقام لأنه النعمة المزجاة والرحمة المهداة: (اذهبوا فأنتم الطلقاء). وهكذا أدت الهجرة أهدافها ؟ لقد كانت هذه الدعوة المعذبة المضطهدة تشبه غيثاً مباركاً محتبساً وراء الأجلاد والصخور حتى إذا كانت الهجرة أتيح لهذا الغيث أن ينساب في أرض الله. فتكون منه الحضارة والخير إلى يوم الدين.
إن الذي حطم السد الكبير أمام غيث الدعوة هي الهجرة فقد أتاحت للدعوة انطلاقاً وحرية وأمناً وأملاً، نعم لولا الهجرة لما تحولت أم القرى من عاصمةٍ للوثنية إلى معقل للإسلام!!
ولولا الهجرة لما كان للإسلام وجود عالمي يكتسح من الحياة غثاء الأوهام، والأباطيل، وينسف بالحق المنتصر إرادة الجبابرة المتألهين ويضع حداً لمأساة الظلم والبغي التي تردت فيها البشرية، ويهيء المستضعفين في أرض الله حياة كريمة عزيزة تنقلهم من عبادة العباد إلى عبادة الواحد القهار.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.