ياسر محمد حجازي
قال الله تعالى:
} مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) { البقرة
نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما ، أمّا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم صدقة ، فقال : كان عندي ثمانية آلاف درهم ، فأمسكت منها لنفسي ولعيالي أربعة آلاف درهم ، وأربعة آلاف أقرضتها ربي.
فقال، النبي صلى الله عليه وسلم : (بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت)
وأما عثمان رضي الله عنه فقال : عليَّ جهاز من لا جهاز له في غزوة تبوك، فجهز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها
فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يدعو لعثمان ويقول:
( يا رب إن عثمان بن عفان رضيت عنه فارض عنه ) فما زال رافعا يده حتى طلع الفجر ، فأنزل الله تعالى { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}الآية[1].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
لما نزلت { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ } إلى آخـرها
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رب زد أمتي )
فنزلت: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}
فقال صلى الله عليه وسلم : ( رب زد أمتي )
فنزل: { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [الزمر:10]
[2].
وقوله تعالى { كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ }
مَثَلٌ ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق وجاهد بماله في سبيل الله ورِفعة دينه سبحانه وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فقال: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ …}
قال سعيد بن جبير: فِي سَبِيلِ اللَّهِ في طاعة الله
وقال مكحول: يعني به: الإنفاق في الجهاد من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك
وقال ابن عباس رضي الله عنه : الجهاد والحج ، يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمائة ضعف؛ ولهذا قال الله تعالى: { كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ }
وهذا المثل أبلغ في النفوس ، من ذكر عدد السبعمائة ، فإنّ هذا فيه إشارة إلى أنّ الأعمال الصالحة ينميها الله عز وجل لأصحابها ، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة[3]
وقد وردت السنة بتضعيف كل الحسنات ابتداء من عشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف
وإلى أضعافٍ كثيرة ابتداء من سبعمائة ضعف إذا كان الإنفاق جهاداً في سبيل الله تعالى وعزة دينه
عن عياض بن غطيف[4] قال: دخلنا على أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه نعوده من شكوى أصابته - وامرأته تُحَيْفَة قاعدة عند رأسه - قلنا: كيف بات أبو عبيدة ؟
قالت: والله لقد بات بأجر
قال أبو عبيدة : ما بت بأجر ، وكان مقبلاً بوجهه على الحائط ، فأقبل على القوم بوجهه، وقال: ألا تسألوني عما قلت ؟
قالوا: ما أعجبنا ما قلت فنسألك عنه
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله أو عاد مريضا أو مازَ أذى ، فالحسنة بعشر أمثالها ، والصوم جنة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله عز وجل ببلاء في جسده فهو له حِطة)[5].
وأخرج مسلم عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال:
جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله.
فقال: ( لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة ).
وفي رواية النسائي : أن رجلا تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ليأتين يوم القيامة بسبعمائة ناقة مخطومة)
[6].
وفي الحديث المتفق عليه: (من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة , وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة , ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة , فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة )[7]
وحديث: ( من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم , ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجه ذلك فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم) , ثم تلا هذه الآية (والله يضاعف لمن يشاء)[8].
وقال الإمام الطبري:
"الذي هو أولى بتأويل قوله:( والله يضاعف لمن يشاء ) والله يضاعف على السبعمائة إلى ما يشاء من التضعيف ، لمن يشاء من المنفقين في سبيله"[9].
وقوله تعالى: { وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }
"يعني تعالى ذكره بذلك:( والله واسع ) ، أن يزيد من يشاء من خلقه المنفقين في سبيله على أضعاف السبعمائة التي وعده أن يزيده ( عليم ) من يستحق منهم الزيادة"
وقال الإمام الفخر الرازي:
"الأصح أن هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو وكم هو؟"[11].
فالمضاعفة درجات كثيرة "لا يعلمها إلا الله تعالى لأنها تترتب على أحوال المتصدق , وأحوال المتصدق عليه , وأوقات ذلك , وأماكنه, وللإخلاص وقصد الامتثال , ومحبة الخير للناس, والإيثار على النفس , وغير ذلك مما يحف بالصدقة والإنفاق ، تأثير في تضعيف الأجر، والله واسع عليم"
ويقول الإمام القرافي:
"المعتبر في تفاضل الأعمال المتحدة
تفاضل أحوال عامليها أولا
ثم تفاضل الأعمال أنفسها ثانيا
ثم تفاضل أحوال المنتفع بها إن كانت متعدية النفع ثالثا .
والدليل على صحة هذا الترتيب قوله صلى الله عليه وسلم { سبق درهم مائة ألف درهم }
فلو كان المعتبر أولا تفاضل أحوال المنتفع لسبقت مائة الألف الدرهم ؛ لأنها أعظم نفعا بالمشاهدة "
و"في هذه الآية إطناب بالبسط، فالغرض بيان مضاعفة أجر المنفق في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف فما فوق ذلك ، وهذا المعنى يؤدى بعبارة قصيرة، لكن جاء في الآية مبسوطا، وطريق البسط تمثيل المنفق لحبة واحدة في سبيل الله بزارع حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة.
والغرض من هذا البسط إثارة محور الطمع في المخاطبين إذ يعرض لهم الأجر الموعود به على الإنفاق في سبيل الله في صورة مثال يشهدون نظائره في الظواهر الزراعية، ليكون هذا الطمع محرضا ذاتيا في الأنفس على بذل الأموال في سبيل الله"[14].
يقول الشهيد السعيد سيد قطب رحمه الله تعالى في قوله تعالى:
{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)} البقرة
"إنّ الدستور لا يبدأ بالفرض والتكليف ؛ إنما يبدأ بالحض والتأليف إنه يستجيش المشاعر والانفعالات الحية في الكيان الإنساني كله , إنه يعرض صورة من صور الحياة النابضة النامية المعطية الواهبة :
صورة الزرع هبة الأرض أو هبة الله , الزرع الذي يعطي أضعاف ما يأخذه، ويهب غلاته مضاعفة بالقياس إلى بذوره , عرض هذه الصورة الموحية مثلا للذين ينفقون أموالهم في سبيل الله :
{ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ }
إنّ المعنى الذهني للتعبير ينتهي إلى عملية حسابية تضاعف الحبة الواحدة إلى سبعمائة حبة! أما المشهد الحي الذي يعرضه التعبير فهو أوسع من هذا وأجمل؛ وأكثر استجاشة للمشاعر ، وتأثيراً في الضمائر , إنه مشهد الحياة النامية , مشهد الطبيعة الحية , مشهد الزرعة الواهبة , ثم مشهد العجيبة في عالم النبات:
العود الذي يحمل سبع سنابل . والسنبلة التي تحوي مائة حبة!
وفي موكب الحياة النامية الواهبة يتجه بالضمير البشري إلى البذل والعطاء إنه لا يعطي بل يأخذ ؛ وإنه لا ينقص بل يزاد , وتمضي موجة العطاء والنماء في طريقها . تضاعف المشاعر التي استجاشها مشهد الزرع والحصيلة , إن الله يضاعف لمن يشاء , يضاعف بلا عدة ولا حساب يضاعف من رزقه الذي لا يعلم أحد حدوده ; ومن رحمته التي لا يعرف أحد مداها.
{ والله واسع عليم } :
واسع لا يضيق عطاؤه ولا يكف ولا ينضب , عليم يعلم بالنوايا ويثبت عليها ، ولا تخفى عليه خافية , ولكن أي إنفاق هذا الذي ينمو ويربو؟ وأي عطاء هذا الذي يضاعفه الله في الدنيا والآخرة لمن يشاء؟
إنه الإنفاق الذي يرفع المشاعر الإنسانية ولا يشوبها , الإنفاق الذي لا يؤذي كرامة ولا يخدش شعوراً , الإنفاق الذي ينبعث عن أريحية ونقاء ، ويتجه إلى الله وحده ابتغاء رضاه"
[1] - أسباب النزول للواحدي ص55 وتفسير القرطبي 3/303 وروح المعاني3/33
[3] - انظر : تفسير ابن كثير 1/691
[4] - عياض بن غطيف السكوني له إدراك ورواية عن أبي عبيدة بن الجراح وأبوه غطيف بن الحارث له صحبة. الإصابة (5/167)
[5] - مسند أحمد ط الرسالة 3 / 220 وحسن إسناده المحقق
[6] - رواه مسلم رقم (1892) في الإمارة ، باب فضل الصدقة في سبيل الله، والنسائي 6 / 49 في الجهاد ، باب فضل الصدقة في سبيل الله .
[7] - متفق عليه , البخاري كتاب الرقاق - باب من هم بحسنة أو بسيئة
صحيح مسلم – الإيمان - باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب
[8] - سنن ابن ماجه (2/922 حديث2761)
[9] - تفسير الطبري (5/516)
[10] - تفسير الطبري (5/516)
[11] - تفسير الرازي (3/401)
[12] - التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور(3/42)
[13] - أنوار البروق في أنواع الفروق (2/439)
[15] - في ظلال القرآن (1/285)
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


