(النزعة الذكوريّة) في شرائع السماء! دعوى ضدّ الله؟

(النزعة الذكوريّة) في شرائع السماء! دعوى ضدّ الله؟

التصنيف: مقالات شرعية
الاثنين، ٢٤ رمضان ١٤٤٦ هـ - ٢٤ آذار ٢٠٢٥
62

في نقاشٍ حول وضع المرأة في الكتب السماويّة؛ سألتني مسلمةٌ محجّبةٌ باحتجاجٍ وعصبيّة: لماذا كانت المرأة مظلومةً دائماً في الكتب السماويّة أمام الرجل؟ في الميراث، في الشهادة، في الاختلاط، في اللباس، في الحجاب، في الاحتجاز بالبيت، في كلّ شيء؟


قلت لها: أمامك الآن يا ابنتي نموذجان من العصيان والتمرّد على الله:
1- المخلوق "إبليس"، المَلاك، الذي رفض أمر ربّه بأن يسجد، مثلَ بقيّة الملائكة، لأخيه المخلوق الجديد "آدم"، الإنسان، بحجّة أنّه خُلِقَ من نار، وآدم خُلِقَ من طين، فأصبح برفضه أمثولةً أزليّةً للكفر والعصيان، وللّعنة المخيفة والأبديّة عند الله.


2- المخلوقة "المرأة"، الإنسانة، ترفض أمر ربّها، ليس بأن تسجد لأخيها المخلوق الآخر "الرجل"، كما أُمِرَ إبليس، بل الأمر أهون من ذلك بكثير: أن تقبل، فقط، أن تكون مساعِدةً لأخيها، واليد اليمنى له في قيادة المركبة الفضائيّة الجديدة التي سُمّيت "الأرض". ولكنّها تحتجّ اليوم، اليوم فقط، قائلةً: لا وألف لا! أوَلستُ إنسانةً مثله؟ لمَ لا أكون معه جنباً إلى جنبٍ في مقعد القيادة؟
هل تحسبين أنّ احتجاجك هذا عاديٌّ وبسيطٌ ولا يستحقّ منك التفكير أو القلق أو المراجعة، حين ترفضين الموقع الذي حدّده الخالق لك في هذه المركبة المشتركة؟
أيّ العصيانين سيكون أعظم في رأيك، وأكثر استهجاناً، وأجدر بالشجب والعقاب الأبديّ عند الله: عصيان إبليس، أم عصيانك؟
تحسّسي رأسك يا ابنتي كلّ صباح، وتأكّدي أنّك لا تحملين رأساً إبليسيّةً متنكّرةً بحجابٍ إسلاميّ!
لمَ ترك الله إبليس حيّاً؟


إنّها كيميائيّة "عقدة إبليس" ما تزال تجري في عروقنا على مدى الحِقب وتوالي الأجيال، فتَحرف الكثيرين منّا عن الجادّة، طبعاً "إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ" كما أقرّ إبليس وهو يتوعّد بإغواء بني آدم حين أُهبِط إلى الأرض ملعوناً ومغضوباً عليه إلى الأبد. بل إنّه إبليس نفسه، المطرود من الجنّة، ما يزال وسلالته يعيشون بيننا، في مُسوح البشر، ويقومون بأدوار الإغواء التي أقسم إبليس، وبعزّة ربّ العالمين، أن يقوم بها في كوكب الأرض:
- قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ ‎﴿٧٥﴾‏ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ‎﴿٧٦﴾‏ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ‎﴿٧٧﴾‏ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ ‎﴿٧٨﴾‏ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ‎﴿٧٩﴾‏ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ‎﴿٨٠﴾‏ إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ‎﴿٨١﴾‏ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ‎﴿٨٢﴾‏ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ‎﴿٨٣﴾ [ص: 75-83]


ولقد شاءت الحكمة الإلهيّة لإبليس ألّا يُقضَى عليه بالإهلاك بعد أن أعلن تمرّده وعصيانه لأوامر الخالق، فاختارت له أن يلتحق بآدم على الأرض، ليمارس مع سلالته القادمة وظيفته اليوميّة الجديدة التي اختارها لنفسه، وبدوامٍ كاملٍ ودائمٍ، ليلاً ونهاراً، حتّى قيام الساعة!


إنّه البرنامج التطبيقيّ السماويّ لاختبار الله لنا نحن البشر، رجالاً ونساءً، هنا في أرض الاختبار: الأرض. ولن يكون هناك مكانٌ في الجنّة إلّا لمن نجح في الاختبار الذي رسب فيه إبليس، ومارس على الأرض حقّاً، وبشكلٍ عمليٍّ، ما يؤهّله لدخول جنّة الخلد من عمل. ولن يدخل النار إلّا من رسب في ذلك الاختبار، فاقتدى بإبليس، ومارس على الأرض ممارسةً عمليّةً ما يجعله مستحقّاً لدخولها، فلا يكون في هذا البرنامج الإلهيّ محاباةٌ لأحد، ولا إجحافٌ بحَقّ أحد.


وإذا كان لنا، نحن البشر القاصرين، أن نخمّن الحكمة من القرار الإلهيّ في إسكان آدم وسلالةِ آدم في الأرض، فسنجد، لو عدنا إلى التسلسل القرآنيّ، أنّ هذا القرار قد اتُّخذ، أصلاً، قبل ارتكاب آدم وحوّاء لخطيئتهما حين أكلا من الشجرة المحرّمة، فتَصدُر المشيئة الإلهيّة الأزليّة، وتُملَى على الملائكة أوّلاً: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً". ثمّ يسخّر الله الخطيئة الإنسانيّة الأولى، إذا صحّ فهمنا البشريّ القاصر لهذا التسلسل القرآنيّ، لتكون سبباً مباشراً لتنفيذ قراره المسبق بهبوط آدم وحوّاء إلى الأرض لتأسيس عالمٍ جديدٍ فيها:
- وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‎﴿٣٠﴾‏ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ‎﴿٣١﴾‏ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ‎﴿٣٢﴾‏ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ‎﴿٣٣﴾‏ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ‎﴿٣٤﴾‏ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ‎﴿٣٥﴾‏ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ‎﴿٣٦﴾‏ فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‎﴿٣٧﴾‏ [البقرة: 30-37]


لاحظ هنا التطوّر الزمنيّ لأحداث الخَلق الأولى التي وقعت هناك في السماء، والتي مهّدت لحياتنا بعد ذلك على هذا الكوكب:
1- قرارٌ إلهيٌّ أعلى بإحداث خليفةٍ آدميٍّ على الأرض، في الآية (30): "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً".


2- تعليم آدم للّغة، ولأسماء الأشياء، تمهيداً لنزوله إلى الكوكب الجديد، في الآية (31): "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا".


3- صدور الأمر الإلهيّ بسجود الملائكة لآدم، وعصيان إبليس، واستكباره، ورفضه لهذا الأمر، في الآية (34): "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ".


4- صدور التكرمة الإلهيّة بمنح آدم وحوّاء مقرّاً دائماً للإقامة في الجنّة، مع تحذيرهما من الاقتراب من الشجرة المحرّمة، في الآية (35): "يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ".


5- إغواء إبليس/الشيطان لآدم وحوّاء بالأكل من الشجرة، ومعاقبة الله لهما بالهبوط إلى الأرض، في الآية (36): "فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ".


6- توبة الله على آدم، بوصفه هو الرجل، وهو المسؤول الأوّل والمباشر أمام ربّ العالمين، وعدم ذِكر أي دورٍ أو توريطٍ لحوّاء معه في محاسبته على خطيئته الأولى، وغفران الله لخطيئة آدم في الآية (37): "فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ".


وتبعاً لهذا التسلسل الإلهيّ لتاريخ البشريّة على هذا الكوكب؛ نتبيّن أنّ عصيان إبليس إنّما كان الحلقة الأولى من سلسلةٍ إبليسيّةٍ-بشريّةٍ من العصيانات والخروج عن أوامر الله وأحكامه، وأنّ لعنة إبليس، أو الشيطان، ومصيره، سيلاحقان مَن تَبِعَه مِن بني البشر، وسار على نهجه في التمرّد على أوامر الله ومخالفته، وأنّ عقابهم في النهاية هو الخسران الأكبر:
- إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا ‎﴿١١٧﴾‏ لَّعَنَهُ اللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ‎﴿١١٨﴾‏ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا ‎﴿١١٩﴾‏ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ‎﴿١٢٠﴾‏‏ [النساء: 117-120]


وإنّما هي حكمة الله في أن يستمرّ معنا إبليس، يعيش بين ظهرانَينا، ويؤاكلنا ويشاربنا، فيعلم الله، علم اليقين، مَن سيُصدّق فينا إبليسُ ظنَّه فيتّبعونه، فيكتوون بنار جهنّم، ومن الذين استثناهم من المؤمنين وعباده المخلصين، فيفوزون بجنّة الخُلد:
- وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ‎﴿٢٠﴾‏ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ‎﴿٢١﴾‏ [سبأ: 20-21]

"النزعة الذكوريّة" عند السماء! دعوى ضدّ الله؟
لو توقّفنا عند بعض الآيات القرآنية التي غالباً ما نمرّ بها مروراً سريعاً، وتدبّرنا بعض ألفاظها، لوجدنا فيها مادّةً خصبةً لأولئك الذين يتّهمون المنصتين لنداء السماء، بل يتّهمون حتّى السماء نفسها، بما يسمّونه "النزعة الذكوريّة".


أنعِموا النظر معي، على سبيل المثال، في هذه الآية التي اختصّت بالصيام، وتأنَّوا قليلاً عند بعض الألفاظ التي استُخدمت في عباراتها:
- أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّـهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّـهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة: 187]


لقد ساوى تعالى في الآية بين الزوج والزوجة في العلاقة الجنسية، فكلٌّ منهما بمثابة لباسٍ دافئٍ وآمنٍ ووفيٍّ للآخر، وشريكٍ كاملٍ وأمينٍ في هذه العلاقة المثمرة والمباركة من السماء، ومع ذلك، سنجد بعضهم، أو بعضهنّ، يتطاول ويعترض على بعض الضمائر أو "النزعة الذكوريّة" في نظرهم:
الرَّفَثُ إلى نِسائكُمْ (ولماذا لم يقل: الرَّفَثُ إلى رجالِكُنَّ؟)
فالآنَ باشِرُوهُنَّ (ولماذا لم يقل: فالآن باشِرْنَهمْ؟)
ولا تُباشِرُوهُنَّ (ولماذا لم يقل: ولا تباشِرْنَهُمْ؟)


وستجد، طبعاً، هذه "النزعة الذكوريّة"، المزعومة، متناثرةً في كلّ مكانٍ من صفحات القرآن الكريم، فضلاً عن العهدين القديم والجديد، كمثل هذه العبارات الإلهيّة:
وأمُرْ أهلكَ بالصلاة (ولم يقل: وأمُري زوجكِ بالصلاة)
وأصلَحْنا له زوجَه (ولم يقل: وأصلَحْنا لها زوجَها)
أمسِكْ عليكَ زوجَكَ (ولم يقل: أمسِكي عليكِ زوجَكِ)
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (ولم يقل: اللواتي يُتوَفَّين منكنّ، أو: يتربّصوا بأنفسهم..)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ...


وهكذا؛ قد تجِد في الحديث النبويّ لفظاً مثل (دَيُّوث)، ولكنّك لن تجِد أبداً مؤنّثَ هذا اللفظ (دَيُّوثة):
- عَنْ عبدِ الله بنِ عَمرٍو قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "‏ثَلاَثَةٌ لا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْه، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوث – وهو مَنْ يَسكتُ عمّا يَمَسُّ نِساءَه وعِرضَه -".‏ ‏[رواه النَّسائي، وحسّنه الألباني]


سيصرخ ألف شيطانٍ في داخل بعضهنّ: ولِمَ لا؟ إنّ دَور المرأة يجب أن يكون مساوياً لدور الرجل تماماً، حتّى في هذه المواقف الخصوصيّة جدّاً!


ولكنّ الواقع الفطريّ، والبشريّ، يقول غير ذلك. إنّ عنصر المبادرة عند الرجل ينعكس على كلّ خطوات الحياة المشتركة بينه وبين المرأة، بدءاً من طلبه ليدها عند الخطبة، وليس طلبها هي لِيَدِه، وانتهاءً بمسؤوليّة تأمين البيت، والإنفاق على الأسرة "بِما أنفَقُوا مِن أموالِهِم"، فضلاً عن السهر على حماية البيت والأسرة من المعتدين، ومن الأخطار الخارجيّة، والأحداث الطارئة.. إلخ.


طبعاً، مسألة الإنفاق على الأسرة أصبحت الآن في موضع شكٍّ من قبل بعضهم، وسيكونون مُحِقّين في هذا، ربّما، وقد غدت المرأة الآن تعمل جنباً إلى جنبٍ مع الرجل، ولها شخصيّتُها، ودَخلُها، وإنفاقُها، وميزانيّتها الخاصّة. وسنفصّل القول في ذلك عند حديثنا عن عمل المرأة.


أمّا أولئك الذين احتجّوا على تذكير الضمير العائد على الخالق عزّ وجلّ في القرآن الكريم، وكذلك في كتب الشرائع السماويّة الأخرى، بدءاً من الضمير (هو) في (سورة الإخلاص)، من أمثال الكاتبة نوال السعداوي التي تعلنها صراحةً، كما سوف نفصّل في الصفحات المقبلة: "لمَ لا تكون الآية بالتأنيث: قُلْ هي الله؟"، فهل عندهم، أيضاً، اقتراحٌ آخر بخصوص الضمائر العائدة على الأنبياء، وقد أكّد لنا تعالى أنّهم كانوا جميعاً من الرجال "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجَالًا"، كما أسلفنا؟


مَن خَلَقَ مَن؟ ومَن يَخضعُ لمن؟ ألا يدركون حجم هذه اللعبة التي سقطوا في أحبولتها، وحجم الآثار الخطيرة لها، وعواقبها عليهم وعلى من ينضوي تحت رايتهم؟


حتّى إبليس، وهو إبليس، لم يتجرّأ على مثل هذا التطاول على الذات الإلهيّة! إنّه الشيطان يتدرّج بنا خطوةً خطوةً للسقوط في أحبولته، حتّى يصل بنا إلى نقطة اللاعودة.


كم أشفقتُ على تلك السيّدة التي شقّت على نفسها وقطعت كلّ الطريق من أمريكا لبريطانية، لا لشيء إلّا لتتحدّى "ذكوريّة" السماء، وتؤمّ ثمانيةً أو عشرةً من المصّلين والمصلّيات في مدينة أوكسفورد، فقط لتثبت أنّ المرأة يحقّ لها، أيضاً، أن تكون إماماً على الرجال في الصلاة!


ألم يخطر ببالها أن تسأل نفسها: لمن أصلّي؟ إن كنت أصلّي لله، وطاعةً لله، وإرضاءً لله، فما معنى أن أُرضِيَه عن طريق تحدّيه، وإنفاقِ كلّ هذه الأموال لرحلتي الطويلة، سواءٌ كانت على حسابي أو على حساب مَن دَعَوني ووضعوا في رأسي تلك الفكرة، لأحقّق هذا الهدف في تحدّي السماء، ولو رمزيّاً، أمام العالم؟


ما معنى أن أؤمَّ الناس متّجهةً إلى القِبلة، وأنا أرفض ما يقول صاحب هذه القِبلة:
وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة: 228]، الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء [النساء: 34]


بل إنّها، ومبالغةً في التحدّي؛ رفضت وضع الحجاب على رأسها حتّى وهي تؤمّ المصلّين والمصلّيات وقد اختلطوا وراءها شذَرَ مَذَر، وكأنّ رسول الله  حين علّمنا متى نصلّي، وكم ركعةً نصلي، وماذا نقول حين نصلّي، ثمّ لم يَسمح لامرأةٍ قطّ، ولم يسمح أصحابُه مِن بعده، ولا تابِعوهم، ولا تابعو تابعيهم، أن تؤمّ الرجال، كأنّه  نسي أن يوصينا ويقول لنا: يمكن للنساء أيضاً أن تَؤمّ الرجال في الصلاة لو أردنَ ذلك، وبدون حجابٍ أيضاً!
- عن عَمرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ عن عائشةَ أمِّ المؤمنين قالت: "لا بُدَّ للمرأةِ من ثَلاثَةِ أثوابٍ تُصلِّي فيهِنَّ: دِرعٌ – وهو الثوبُ الداخليّ -، وجِلبابٌ – وهو الرداء الخارجيّ أو المُلاءة –، وخِمارٌ – وهو ما يغطّي الرأسَ والعنقَ والصدرَ دونَ الوجه -". [صحّحه الألباني على شرط مسلم]


أوَلَم يوصِ النبيُّ  الرجال بأن يتقدّموا على النساء في الصلاة، وأوصى النساء بالصلاة خلف الرجال، وحذّرهنّ من أنّ أسوأ صفوف النساء في الصلاة هو ما اقترب من صفوف الرجال:
- عن أبي هريرةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ : "خيرُ صفوفِ الرجالِ – أي في المسجد – أوّلُها، وشرُّها آخرُها، وخيرُ صفوفِ النساءِ آخرُها، وشرُّها أ
وّلُها – لاقتراب نساء هذا الصفِّ مِن صُفوفِ الرجال –". [رواه مسلم]


أليست تلك تظاهُرةً "نِسويّةً" تنادي بإسقاط السماء، وأحكام السماء، و "ذكوريّة السماء"؟ إذا لم تكن كذلك، فما الاسم الذي يقترحونه لها؟


بقلم: د. أحمد بسام ساعي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
إعداد: د. إبراهيم محمد الحريري الخبير بمعلَمَة القواعد الفقهية (مجمع الفقه الإسلامي بجدة)...
الأخذ بالرخصة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١الأخذ بالرخصة
            كتبه: طه محمد فارس   الرخصة في اللغة: اليس...
(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
  التأصيل الشرعي: إنَّ مقولةَ ( لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) ليست مِن القواعد الفقهية، أو ال...