وبَنَيْنا السَّماءَ المحيطة بالأرض من جو وأجرام علوية وجعلناها سقفا محفوظاً بقوةٍ وشدة، وإنا لمُوسعون فيها خلقاً وامتداداً لأرجائها وأنحائها بعد خلقها الأول مع توالي الأزمان.
ومن كلِّ شيءٍ في الكون خلقنا صنفَيْن ونوعَيْن مُختلفين في الناس، والنباتات، والكهرباء، والمغناطيس، والذرَّات؛ نبيِّن لكم هذه الحقيقة التكوينيَّة راغبين أن تضعوها في ذاكرتكم ـ أيها المُتَلقُّون المتدبِّرون ـ فكلَّما اكتشفتم وجود نظام الزوجيَّة في شيءٍ كان خفيّاً عليكم تذكَّرتم هذا البيان، فعلمتم أنَّ القرآن مُنزَّل من لدنه، وعلمتم أنَّ خالق الأزواج فردٌ لا نظير له، ولا شريك معه.
أنتم ـ أيها المشركون ـ في مواقعكم الشركيَّة، يقْترب منكم العذابُ شيئاً فشيئاً، على ما تمارسونه من شرك وكفر وجرائم، فتوجَّهوا ملتجئين إلى الله موحدين مخلصين من هذه المواقع قبل أن يفاجئكم العذاب المهلك الشامل؛ إنِّي لكم من جهته سبحانه وبأمره مُخوِّفٌ، بيِّنُ الرسالة بالحجَّة الظاهرة، والمعجزة الباهرة، والبرهان القاطع.
وقل لهم : وحِّدوا الله، ولا تُصيِّروا معه معبوداً مطاعاً ؛ إني لكم منذر مهدِّد، مُرسلٌ من الله مُبيِّن في إنذاري وكُلِّ دعوتي، بعد تأدية الوظائف السابقة لي من تبليغ، وبيانٍ، وإقناعٍ، وتبشير.
كما كذَّبك كُبراء كفار قومِكَ ـ يا رسول الله ـ وقالوا: ساحرٌ أو مجنون، كذلك ما جاء الذين من قبل كفار مكة والأمم الخالية الكافرة من رسول يدعوهم إلى الإيمان والطاعة إلا قالوا: ساحرٌ يخدع الحواس والعقول ويخيِّل لها ما هو غير الواقع أو مجنون فقد عقله فهو لا يدري ما يقول .
أأوْصى بعضُهم بعضاً بالتكذيب، وتواطؤوا عليه؟ إنهم لم يتواصَوْا بهذا القول؛ لأنهم لم يتلاقوا في زمانٍ واحد، بل جمعتهم على ذلك علَّةٌ نفسيَّة واحدة، وهي: الطغيان والاستعلان بالفساد، وهو الحامل لهم على رفض دعوة الحقِّ الربانيَّة المؤيَّدة بالبراهين القواطع .
]فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54)[
فانصرف ـ يا رسول الله ـ عن دعوة هؤلاء المستكبرين المعاندين، الذين كرَّرت عليهم الدعوة فلم يستجيبوا ؛ فلا لَوْمَ عليك، ولست مؤاخذاً بتقصيرك ، فقد أدَّيْتَ الرسالة على أكمل وجه، وما قصَّرت فيما كُلِّفت به ، فاللوم لهم لإصرارهم على الكفر والطغيان.
ووجِّه تذكيرك للَّذين تطمع أن ينفعهم تذكيرك، فإنَّ التذكير يفيد الذين لديهم استعدادٌ داخليٌّ لأن يؤمنوا مُستقبلاً عن طريق إرادتهم الحرة، ولم يصلوا إلى دركةٍ ميؤوس منها.
ما أطلب منهم أن يُقدِّموا لي رزقاً، ولا أن يُقدِّموا لي طعاماً، كما يتوهَّم المشركون، إذ يقدِّمون القرابين والأطعمة لشركائهم . فهو سبحانه غنيٌّ بذاته لا يحتاج إلى شيء، وهو الذي يخلق الطعام وكل أرزاق الخلق .
فإنَّ للذين ظلموا من كفار مكة مقْداراً من العذاب المُعجَّل في الدنيا مُمَاثلاً لمقادير العذاب التي عُذِّب بها أصحابكم المُمَاثلون لكم في الظلم من الأمم السالفة، يذوقون آلامه، ويكونون به هالكين، يشبه صبَّ ذَنوبٍ من ماءٍ حميم يغلي غلياناً شديداً على المعذَّب، فيذوق آلامه الشديدة لمدّةٍ ليست طويلة، ويَعْقُبه موتُه، ويكون له بعد الموت مثل ما لسائر الكافرين. فانتظروا هذا العذاب الآتي لا مَحَالة، ولا تستعجلوا نزوله مُستهينين به.