سمعنا عن ما يسمى بمصالحة أو هدنة اتفاق بين فصائل من الجيش الحر وقوات النظام في ببيلا وبعض المناطق الأخرى ، كقدسيا والمعضمية وبيت سحم ويلدا وبرزة ومخيم اليرموك وقد يكون الأمر مطروحاً للتفاوض في حرستا أو داريا , من أجل فك الحصار وإدخال المواد الإغاثية مقابل تسليم الثوار أسلحتهم الثقيلة وتسليم بعض الثوار لتسوية أوضاعهم ورفع العلم الرسمي فوق الدوائر الحكومية ..
وتعليقي على هذا الحدث من زاوية سياسية وعسكرية وشرعية :
الأول : إن السبب الأساس وراء قبول الفصائل بهذا الاتفاق يتحمله العالم العربي والإسلامي والتآمر الدولي الذي لم يستطع فك الحصار عن هذه المناطق
الثاني : أن بعض الكتائب لا شكّ أن الاختراق فيها متحقق بنسب عالية .. سهّلت هكذا عملية اتفاق وقد يكون الهدف منها شق صفوف المجاهدين وتفكيكهم من الداخل
الثالث : إن الأهالي في تلك المناطق ليسوا كلهم من وافق على هذه المهازل ، حيث خرجت مظاهرات ضخمة احتجاجاً على هذه المؤامرات التي تمهد لهدوء يمارس فيه المجرم بشار انتخابه للرئاسة ويتفرغ الجيش للمناطق الأكثر خطورة
الرابع : أن هذه الحوادث وأمثالها التي تقوم بها بعض الفصائل دون أن تقدر العواقب نتيجة عدم وجود حاكم للبلاد تستدعي التعجيل بتشكيل المجلس الإسلامي الذي أعلن عن تأسيسه ليكون المرجع والضامن والمصوّب لهذه التجاوزات ..
فكيف ننظر إلى هذا الحدث سياسياً وعسكريا وشرعياً ?? :
يدلّ هذا الحدث على ضعف النظام ، وعجزه عن الحسم ، من خلال اضطراره للاعتراف بالتفاوض والاتفاق مع من سماهم إرهابيين.
لكن في ذات الوقت يدلّ على تصدع في دائرة القرار فيما يخص كتائب المجاهدين ..وأن صلحاً قد يجري هنا.فيما يستمر القتال هناك مع ذات الخصم ..وهذه نتيجة طبيعية كضريبة للتفرق وعدم الوحدة في جسم واحد يوحد قرار المجاهدين على مستوى البلد كله.
لا شك أن النظام لا يقدم على هذه المصالحة إلا وله فيها مآرب ومصالح من أهمها :
1- المهادنة مع المناطق التي لم يتمكن فيها من الحسم العسكري .
2- إدخال العناصر الأمنية وزرع خلايا نائمة في تلك المناطق للتجسس على قيادات الجيش الحر ومستودعات الذخيرة .
3- سحب عدد من قواته من تلك المناطق للتفرّغ لمعارك أهم في مناطق أخرى كالقلمون والغوطتين.
4- إبعاد الخطر عن العاصمة ، مما يظهره بمظهر المستقر الذي يمكن له أن يجري انتخابات رئاسية ويفوز فيها .
5- بعد ذلك سيستفيد من المعلومات والخلايا النائمة لشن هجوم على المناطق التي تمت فيه الهدنة ويقضي فيها على أكبر عدد من الثوار وقادة الفصائل مخففاً من خسائره .
فالتهدئة مع العدو من حيث العموم جائزة بإجماع المسلمين بشروطها الشرعية.
ومثالها ما جرى في صلح الحديبية , وخيبر وغيرها .
وثبت تاريخيا موادعة بعض المرتدين عند الضرورة ومن ذلك ما فعله صلاح الدين الأيوبي مع الإسماعيلية في الشام سنة 571 ..في مصياف ..
وأهم هذه الشروط :
قال الشيخ الشيرازي الشافعي: "باب الهدنة ، لا يجوز عقد الهدنة لإقليم أو صقع عظيم ، إلا للإمام ، أو لمن فوض إليه الإمام ، لأنه لو جعل ذلك إلى كل واحد ، لم يؤمن أن يهادن الرجلُ أهلَ إقليم ، والمصلحة في قتالهم ، فيعظم الضرر، فلم يجز إلا للإمام أو للنائب عنه" [المهذب (2/259)] وعلى هذا جماهير العلماء..
وقال ابن قدامة الحنبلي: قال ابن قدامة: "ولا يجوز عقدها إلا من الإمام أو نائبه لأنه عقد يقتضي الأمان لجميع المشركين فلم يجز لغيرهما كعقد الذمة" [لكافي (4/339) وراجع المحرر (2/182)]
2- أن تُعقد لمصلحة إسلامية ، كالعجز عن القتال مثلاً ، أما إذا كان المقصود من الهدنة مصلحة الكفار فليست هدنة في الحقيقة ولا تجوز.
3- أن تكون مؤقتة بمدة معينة : بأن تكون مدتها محدودة بزمن ، حتى قال كثير من الفقهاء : لا يجوز عقد هدنة أكثر من عشر سنوات ؛ لأنها أقصى مدة عقد النبي - صلى الله عليه وسلم- فيها صلحًا مع قريش في الحديبية ، وهو اختيار الشافعي .
4- أن تكون شروط هذه المعاهدة واضحة لعموم المسلمين .
5- أن يخلو عقد الهدنة من شرط فاسد ، وذلك كشرط معاونة الكفار مثلاً على المسلمين .
..
وبالنظر إلى تحقق هذه الشروط في الهدنة والمصالحة التي حصلت ، نرى أنها لم تستوف الشروط الشرعية ، فلم يعقدها الإمام أو نائبه ، وحتى في حال عدم وجود الإمام فمن يعقدها جماعة المسلمين معاً وليس فريق منهم دون غيره .
كما أن هذه المصالحة لم تقيد بمدة ..وشروطها ليست واضحة لعموم المسلمين بل مقتصرة على أعضاء لجنة المصالحة ..
وما رشح من شروط لا تظهر فيه سوى مصلحة النظام فلم يتضمن الصلح إخراج معتقلين ، كما لم تذكر أي فائدة للمجاهدين ..
إضافة إلى أنها تضمنت المشاركة في مقاطعة مناطق ثائرة ومحاصرتها والتضييق عليها كالقدم والحجر الأسود ، وهذا شرط يبطل الهدنة لأن فيه تعاون على المسلمين ..
ثم إن الجهاد الذي نخوضه ضد هذه العصابة ، هو جهاد دفع وجهاد عدو صائل ، وهو ما لا تجوز فيه الهدنة بحال من الأحوال إلا بإذن الإمام وهو غير متوافر ، قال ابن تيمية : " وأما قتال الدفع ، وهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين ، فواجب إجماعاً ، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط ويدفع بحسب الإمكان ، وقد نص العلماء على ذلك أصحابنا وغيرهم . " [ الفتاوى المصرية 4 / 507- 508]
مما يجعلها غير جائزة وغير ملزمة .. ويجب تحذير الفصائل في باقي المناطق من أن تحذوا حذوها ..
وأنّ عليهم أن يستعينوا بالله على قتال العدو ..وأن يتسلحوا بالصبر ..متخذين من رسول الله قدوة حسنة في الصبر والتحمل والمصابرة ..حين حوصر في شعب أبي طالب ..ومنع عنه المشركون الطعام والتجارة وكل شيء ..فلم يستسلم ولم يرضخ ..حتى جعل الله له من أمره يسراً ...
...
ونقول إن هذا العمل غير مشرف فشتان بين من يسطر ملاحم البطولة والعز والمجد والفخار في يبرود ومورك وغيرها وبين من يتلهف للوقوف وأخذ الصور مع عصابات النظام ومذيعة قناة العهر ..
وإذا كانت هذه الأعذار تبيح لأي منطقة أو قرية عقد الهدن بحجة أن النظام قد نكل بهم وآذاهم ..لفعلت كل القرى ذلك وأمنت على نفسها .فيما يتركز القصف والقتل على إخوانهم ..
إن أي هدنة الآن لا تشمل كل المناطق السورية ما هي إلا خيانة لدماء الشهداء ..وإعانة للنظام على الاستقواء والاستفراد بغيرهم .. وهذا ينم عن عدم شعور بالمسؤولية ..
نعم قد ينسحب الثوار من منطقة أو يتراجعوا أو حتى يقعوا في الأسر .
و لكن أن يقفوا مبتسمين على حواجز مشتركة مع جنود النظام هذا ما لا يفعله صاحب مرؤة وجهاد وإسلام ..وهو يعلم أن ذات الجيش وذات الجنود الذين يقفون بجانبه قادمين إليه وقد انتهكوا أعراض أخواته وهم لولا الأوامر التي تلزمهم بالهدنة لكانوا الآن يستبيحون عرضه وماله ودمه ..
نسأل الله أن يعجل بنصر المجاهدين ، ويخزي كل متآمر عليهم ، ويهزم جيش العصابة المجرمة ومن معهم .. إنه سميع مجيب ..
والحمد لله رب العالمين.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


