-5-
إنَّ المجتمع الصالح، أساسه الفرد الصالح فهو يتكون من أفراد صالحين، يفعلون ما يقولون، أو يَفعلون أكثر مما يقولون أو يفعلون ولا يقولون، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أقلَّ الناس كلاماً، وأكثرهم عملاً، وكان خريجو مدرسته من الصحابة رضي الله عنهم كذلك، والمهمُّ في الأمر كله الإخلاص في العمل، والحرص على المصلحة العامَّة أكثر من الحرص على المصلحة الخاصَّة، أو الحرص على المصلحة العامَّة كالحرص على المصلحة الخاصة على الأقل.
والمجتمع الفاسد، أساسه الفرد الفاسد، فهو يتكوَّن من أفراد فاسدين، يقولون مالا يفعلون، أو يقولون أكثر مما يفعلون، أو يقولون ولا يفعلون، ومن فقه المرء اختصاره في خطبة الجمعة مثلاً، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وكما كان يفعل خريجو مدرسته الصحابة رضوان الله عليهم، ويفعل السلف الصالح من العلماء العاملين المخلصين، فيؤثرون في المستمعين بأعمالهم لا بأقوالهم؛ لأنهم كانوا أسوة حسنة وقدوة صالحة بالأعمال لا بالأقوال؛ لأنَّ الأقوال التي تتجسَّد أفعالاً في النفوس هي التي تؤثِّر في النفوس الأخرى، ولا تبقى أقوالاً بغير أفعال، التي قد تصل إلى الآذان ولكنها لا تصل أبداً إلى الوِجْدان.
والإسلام كفيل بجعل المسلم الذي طبَّق أركانه - (عبادة) لا (عادة) - عنصراً صالحاً ليكون مع أمثاله مجتمعاً إسلامياً صالحاً مُتميزاً لا في محيطه فحسب، بل في العالم كلِّه، كما فعل الإسلام بالفرد والمجتمع في الصدر الأول للإسلام، والتاريخ الإسلامي خير شاهد وأعظم دليل على ذلك.
وثمرة تطبيق تعاليم الإسلام (عبادة) هو التحلي بالخلق الحميد والمعاملة الحسنة، وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على حَبيبه وصَفيِّه ونبيِّه ورسوله عليه أفضلُ الصلاة والسلام في كتابه العزيز فقال: [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] {القلم:4}، ووصفه بقوله: [لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ] {التوبة:128}، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» [أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأحمد في المسند، والحاكم وصحَّحه].
وزبدة ثمرة التطبيق العملي لأركان الإسلام (عبادة) هي ما نصَّ عليه القرآن الكريم: [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ] {الحجرات:10}، وما نصَّ عليه الحديث الشريف: (لايؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّه لنفسه).
وهذا هو الاختبار للإيمان، أن يحب المؤمن لأخيه ما يحبه لنفسه، فإذا اقتصر حُبُّه على نفسه، فهو ليس بمؤمن.
-6-
يُفشي السلام، وتحية المسلم لأخيه المسلم هي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ويطعم الطعام وبخاصة الفقراء والمساكين والأرامل واليتامى، فيشرك إخوانه بما يُعدُّ من طعام، ولا يَبخل به على المحتاجين والجياع، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما آمن بي من ماتَ شبعانَ وجارهُ جائعٌ إلى جنبهِ وهو يعلمُ به) [أخرجه الطبراني والبزَّار وقال الهيثمي في المجمع: إسناد البزَّار حسن].
وإذا كانت لديه ملابس تَفيض على حاجته، فمن الحرام أن يُبقيها مُكدَّسة على المشاجب وإخوته يشكون البَرْد والعُري. وإذا كان لديه مسكن، ووجد أخاه بلا مسكن، ولا قدرة له على استئجار مسكن له، فمن الضروري أن يُسكن أخاه ويؤويه.
وعيادة الأخ المريض واجبة، ومساعدته مادياً ليستعين بالمال على استقدام الطبيب وشراء الدواء وإعالة الأهل واجب أيضاً، وإذا كان يَعرف طبيباً حاذقاً، فمن الواجب أن يَستقدمه إلى أخيه المريض، أو يستصحب أخاه المريض إلى ذلك الطبيب.
وإذا كان أخوه أعزب، وكان يعرف عائلة ذات دين، فلابد أن يَدُلَّه على البنت التي تناسبه، وإذا كانت لديه بنت فليس من المعيب أن يَعْرِضَها على أخيه الأعزب.
وإذا كان أخوه يَعيش في أفراح شاركه أفراحه، وإذا كان في أتراح شاركه أتراحه، وإذا مَرِضَ عاده، وإذا مات مشى خلف جنازته وقدَّم التعازي لأهله، يفرح لفرح أخيه، ويحزن لحزنه، وإذا أصابته مُصيبة خفَّف عنه، وإذا وقع في مشكلة عاونه على حَلِّها.
وإذا خاصم أحداً نصره ظالماً بإرشاده إلى الحق، ومَظلوماً بأخذ الحق له، وإذا جافى أحداً صالحه مع الذي جافاه، وإذا عادى أحداً أصلح ذات البين.
وإذا كان بحاجة إلى سَنَدٍ عند ذي سُلطة أو جاه، أعانه على قضاء حاجته، وقد استعان بالنبي صلى الله عليه وسلم أعرابيٌّ مُشرِكٌ كان له دَينٌ في ذِمَّة أبي جهل، فمشى عليه الصلاة والسلام مع الأعرابي المشرك إلى ألدِّ أعداء الإسلام والمسلمين أبي جهل، حتى استخلص له حقَّه.
وإذا جاءته هدية من أخٍ له، أو كان في سفر، أو جاءه ريع مَزرعته، فلابد أن يُهدي مما أفاء الله به عليه إلى ذوي القربى وإخوته في الدين. يَهَشُّ لأخيه حين يَلقاه، ويصونه حين يغيب، ويدافع عنه إذا اغتيب، ويدفع عنه السوء والأذى.
لا يغش أخاه بائعاً أو مُشترياً، وينصحه إذا استنصحه أو إذا لم يستنصحه، ويؤدي الأمانة، ويَصُون الكرامة، ويَفِي إذا وعد، ويعفو إذا توعَّد، ويصفح عمن ظلمه، ويُقيل العَثَرات، ولا يتطلَّع إلى العَورات.
ذلك غيضٌ من فيضٍ مما يأمر به الدين الحنيف، لإشاعة المحبَّة والثقة والتعاون في المجتمع الإسلامي.
وكل ما أوردته له شواهدُ من القرآن الكريم والحديث الشريف وأقوال الأئمة والأعلام، وله أمثلة حيَّة من التاريخ الإسلامي العظيم.
وحسبي أن أذكر مثالاً واحداً مما حدث بعد هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، يوم آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، حيث شاطر كلُّ أخ من الأنصار أخاه من المهاجرين ماله ومسكنه وملبسه، وقد بلغ التعاون بين الإخوة المسلمين حداً لا مثيل له في سائر الأمم، إذ عرض الأنصار الذين كانوا متزوجين بأكثر من واحدة زوجاتهم على المهاجرين الذين لا زوجات لديهم، قائلين: (اختاروا من تشاءون من الزوجات، لنطلقهن ليكن زوجات لكم).
هذا هو المسلم الإيجابي أو المسلم الحق الذي أثَّرت فيه أركان الإسلام وتعاليمه، أما المسلم الذي يُؤدِّي الفرائض ثم لا يفكر إلا في نفسه ومصالحها، ولا يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، فأمره جدُّ عَسِير.
-7-
أما تصوري للمسلم الإيجابي على النطاق الجماعي الذي هو أعمُّ بكثير من النطاق الفردي، فالحديث عنه ذو شجون.
إنَّ الجندي يُدرِّب تدريباً فردياً في الجيش ليصبح عنصراً مُفيداً في حضيرته وفصيلته وسَرِيَّتِه وفي كتيبته ولوائه وفِرْقته وفَيْلَقه وجيشه، مُتعاوناً مع رفاقه في السلاح، مُتحمِّلاً واجبه بكفاية في أثناء التدريب الإجمالي أيام السلام وفي ميدان القتال أيام الحرب.
والتدريب الفردي هو الأساس للتدريب الإجمالي، ولكن التدريب الفردي هو (الوسيلة) والتدريب الإجمالي هو (الغاية). ولا يستطيع أن يؤدي الجندي واجباته في التدريب الإجمالي ما لم يُتقن التدريب الفردي إتقاناً فائقاً.
ولكن أي جندي مُتفوِّق في تدريبه الفردي، لا يُؤدِّي واجبه كاملاً في التدريب الإجمالي وفي ميدان القتال، لا قِيمة له في العسكرية ولا وَزنَ له في الجُندية.
وما يقال عن التدريب الفردي في العسكرية يقال عن تطبيق أركان الإسلام فردياً، فإذا ما طَبَّق المسلم تلك الأركان، ثم انصرف إلى نفسه دون أن يُؤدِّي واجبه كاملاً في خدمة المجتمع الإسلامي أيام السلام وفي الجهاد أيام الحرب، لا قيمة له في المجتمع ولا وزن له في الإسلام.
وصدق الله العظيم: [قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ] {التوبة:24}.
وصدق الله العظيم: [انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ] {التوبة:41}.
وصدق الله العظيم: [لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ(44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ(45) ]. {التوبة}..
تلك صفات الذين يتهرَّبون من الجهاد بأنفسهم وأموالهم: لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وارتابت قلوبهم!.
وصدق الله العظيم: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ(38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(39) ]. {التوبة}.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِعْبٍ فِيهِ عُيَيْنَةٌ مِنْ مَاءٍ عَذْبَةٌ فَأَعْجَبَتْهُ لِطِيبِهَا، فَقَالَ: لَوِ اعْتَزَلْتُ النَّاسَ، فَأَقَمْتُ فِي هَذَا الشِّعْبِ، وَلَنْ أَفْعَلَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: لاَ تَفْعَلْ، فَإِنَّ مُقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَامًا، أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَيُدْخِلَكُمُ الجَنَّةَ، اغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ. [أخرجه الترمذي، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ].
وأخرج الإمام البخاري بسنده إلى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ الغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا».
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فِي سَرِيَّةٍ، فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَغَدَا أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: أَتَخَلَّفُ فَأُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَلَمَّا صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهُ، فَقَالَ لَهُ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَغْدُوَ مَعَ أَصْحَابِكَ؟»، فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ مَعَكَ ثُمَّ أَلْحَقَهُمْ، فَقَالَ: «لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ مَا أَدْرَكْتَ فَضْلَ غَدْوَتِهِمْ» [أخرجه أحمد والترمذي].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (... وإذا تركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) [أخرجه أبو داود].
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» [أخرجه البخاري ومسلم].
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَجْرِ الرِّبَاطِ، فَقَالَ: «مَنْ رَابَطَ لَيْلَةً حَارِسًا مِنْ وَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ خَلْفَهُ مِمَّنْ صَامَ وَصَلَّى» [رواه الطبراني في الأوسط، والدارقطني].
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَغْزُ، أَوْ يُجَهِّزْ غَازِيًا، أَوْ يَخْلُفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ أَصَابَهُ اللَّهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» [أخرجه الدارمي وابن ماجه وأبو داود وغيرهم].
وعن عَبَايَةِ بْنِ رِفَاعَةَ، قَالَ: أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الجُمُعَةِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» [أخرجه البخاري].
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة، ومن ترك الجهاد في سبيل الله، ألبسه الله الذل، وشمله البلاء، وديس بالصغار، وسيم بالخسف، ومُنع النصف) [لم أجد تخريجه فيما بين يدي من الكتب].
ولن أحاول تفسير آيات الجهاد وأحاديثه التي أوردتها، لأنَّها واضحة وضوح الشمس، وهي تؤكد أنَّ الأمر خطير للغاية، والتخلي عن الجهاد له أثره في إيمان المؤمن فرداً وفي مصير الأمة، والمسلم الإيجابي هو المجاهد بماله ونفسه في سبيل الله، وكل اعتذار عنه من وساوس الشيطان.
-8-
هذا المجتمع الإسلامي، يتحلَّى أفراده بمناعة ضد الحرب النفسيَّة، وهم لا يرددون الإشاعات ويقضون عليها في مَهْدها، ولا يتعاونون مع المستعمرين ولا الخَوَنة والعملاء والمربين، يخلصون لعقيدتهم ويتفانَوْن في سبيلها، يعملون لإعلاء كلمة الله ويدافعون عن الأرض والعِرْض.
فأيُّ مجتمع سيكون أكثر نوراً وأعظم قوَّة وأشد تَمَاسكاً من هذا المجتمع الإسلامي، لو تمسَّك أفراده بأهداب الدين الحنيف (عبادة) لا (عادة).
إنَّ هذا المجتمع سيسود العالم ويقود الدنيا، كما فعل أسلافُه من قبل.
ولكن الإسلام أصبح غريباً في موطنه، وأمسى مهجوراً من مُعتنقيه، والبقية الباقية من الذين يؤدون فرائضه ونوافله يؤدونها (عادة) لا (عبادة) فلا تؤثر فيهم ولا تعمل عملها في نفوسهم.
إنَّ الإسلام عقيدة وتشريعاً، والقرآن الكريم عقيدة وتشريعاً ولغة، والحديث الشريف عقيدة وتشريعاً وسلوكاً وأخلاقاً، لها أثر هائل في النفوس والعقول معاً، إذا طُبِّقت نصاً وروحاً.
فلا تعجب من إجماع الشرق والغرب بما فيهما من عقائد مُتناقضة وتيارات، لا تتفق على شيء، اتفاقاً فورياً بحماسة وإصرار، اتفاقها على مُصاولة الإسلام عقيدة وتشريعاً، وسلوكاً وأخلاقاً، ولغة وتراثاً، مُصاولةً حاسمة شرسة في كل زمان ومكان، وبكل طريقة وأسلوب.
والمجتمع الإسلامي في الوقت الحاضر، بما فيه من تخلُّف وفوضى، خير حليف لأعداء الإسلام.
وقد حرصتُ على التطرُّق إلى تمسك المسلم الإيجابي، بإتقان عمله في كل ميدان - تنفيذاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم فيما روته السيدة عائشة رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [أخرجه أبو يعلى والطبراني] - في آخر هذا البحث، نظراً لأهمية إتقان العمل في بناء المجتمع الإسلامي وقوته وتميزه.
لقد شيَّد جدي داراً قبل مائة سنة، ولا يَزال قائماً في مدينة الموصل، لا يَستطيع أحد أن يغرس مسماراً في جداره.
وشيَّد والدي داراً قبل خمس وثلاثين سنة، فتهدَّم الدارُ وعفى عليه الزمن!.
وقلت لوالدي عليه رحمة الله تعالى: (لماذا سارع البِلَى إلى دارك وبقي دار أبيك قائماً؟).
وتنهَّد الوالد قائلاً: (دار جَدِّك بَنَتْها أيدٍ مُتوضِّئة، وقد قامت والعمال يذكرون الله تعالى)،
وداري بنتها أيدٍ لم يَمَسَّها الوضوء مرَّة، وقد قامت والعمَّال يتغنَّون مع المذياع).
وهكذا خسرنا الدنيا والآخرة، حين تخلَّينا عن تعاليمِ الدين الحنيف.
أينَّ الخيرات التي كنا ننعم بها، أينَ الصناعات المحليَّة التي كنا نباهي بها؟ أين دُور المسلم التي كانت تشع بالنور؟ أين راحة الضمير الذي كنا نسعد به؟ أين الخيرات والبركات؟
كيف يتقدَّم مجتمعٌ لا يخلص فيه الفلاَّح في مزرعته، والعامل في عمله، والتاجر في مُعاملته، والبائع في بيعه، والموظَّف في مَكتبه، والتلميذ في مدرسته، والطالب في جامعته والمعلم في تدريسه، والأستاذ في كليته؟!.
إنَّ خوف الله وخشيته، كانت تدفع المسلم الإيجابي إلى الإخلاص في عمله، فيُفيد نفسه فرداً ويفيد الاقتصاد الوطني، فتشيع السعادة والرفاهية، ويتقدم المجتمع حَثيثاً إلى الإمام ليس في الاقتصاد فحسب بل في النواحي السياسية والعسكرية والاجتماعيَّة والعلميَّة والفنيَّة.
إنَّ تطبيق تعاليم الإسلام (عبادة)، تسمو بالفرد والمجتمع على حدٍّ سواء، فلمصلحة من يَترك المسلمون دينهم أو يتمسَّكون به (عادة) ؟!.
إنَّ الإسلام بما فيه من تكاليف البذل والتضحية والفداء، الإسلام الحركي الذي يَغْشاه أعداء المسلمين، هو الذي يُؤثِّر في الفرد المسلم والمجتمع الإسلامي، وهو الذي يَقود المسلمين إلى المجد ويُغيِّر حالهم من حالٍ إلى حَالٍ.
وهو الذي يجعل الفردَ المسلم يحبُّ لأخيه ما يحب لنفسه، ويحب المصلحة العامَّة أكثر مما يحبه لنفسه، وحينئذ يصبح الفرد المسلم والمجتمع الإسلامي، كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضاً، فتذوب الفروق الفردية بين الأفراد والفروق الطبقية بين الأمَّة، وصدق الله العظيم: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] {الحجرات:13}، وليس شريفكم نسباً ولا أغناكم مالاً، ويومئذ يُصبح الصراع الطبقي خُرافة، إذ ليس في المجتمع الإسلامي الحق صراع طَبَقي؛ لأنَّ الإسلام يَعصمه من الانهيار إلى هذا الدرك الأسفل من الصراع.
إنَّ مَساجدنا تُعاني انفجاراً ضَخْماً من المصلحين والحمد لله، ولكن لا عبرة بالكميَّة، والاختبار العملي هو طرح هذا السؤال: كم يبقى من هؤلاء المصلين حين نطالبهم بدفع عشرة جنيهات لمصلحة عامة للمسلمين؟!. وكم يبقى منهم حين نطالبهم بالجهاد بذلاً للأموال والأنفس إعلاءً لكلمة الله؟!.
إنَّ تعداد المسلمين اليوم، ألف مليون نسمة، فكم عدد الذين يجاهدون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله من هؤلاء؟!.
إنَّ ثمرة تطبيق الإسلام العملية هو الجهاد، هو خدمة المجتمع الإسلامي والحرص على مصلحته العليا، هو تفوق هذا المجتمع على غيره في شتى المجالات.
إنَّ العبرة ليست بالكميَّة، بل العبرة بالكيفيَّة.
لقد استطاعَ الإسلامُ حشدَ أربعين بالمئة من تَعداد المسلمين في الصدر الأول للإسلام.
وحشدَ العرب في حرب 1967 ثلاثة بالألف فقط، على حين حشد العدو الصهيوني أحد عشر بالمئة! ولو عاد العرب والمسلمون إلى الإسلام، لقال يهود كما قال أسلافهم من قبل: [إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ] {المائدة:22}.
وأرجو أن يُردِّد كل عربي وكل مسلم قول الله تعالى: [وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ] {إبراهيم:45}، وقد ظلمنا أنفسنا بما لا مزيد عليه. أفلا تذكَّرون.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر: (مجلة الأزهر، السنة التاسعة والأربعون، رجب 1397 - الجزء 5 ).
الحلقة السابقة هــــنا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


