-1-
مسلمٌ يشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم عبدُه ورسولُه، ويقيمُ الصلاةَ، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويحج البيت.
هذا المسلم يُطبِّق الأركان الخمسة، التي بُني عليها الإسلام فهو مسلمٌ لا شكَّ في إسلامه. وهو يُكثر من ارتياد المساجد، فلابد أن نظنَّ به خيراً.
هذه الأركان الخمسة، تؤثِّر في المسلم الذي يَلتزم بتطبيقها (عبادةً) لا (عادةً)، فتظهر آثارها عليه سلوكاً ومُعاملة وأخلاقاً، وهي سمات المسلم الحق التي يتميَّز بها على غيره من المسلمين الملتزمين بتطبيق أركان الإسلام الخمسة (عادة) لا (عبادة)، وعلى غيره من المسلمين.
إنَّ تطبيق الأركان الخمسة كعبادة، تؤثر في المسلم تأثيراً حاسماً، فتجعل منه مسلماً (إيجابياً) يفيد نفسه، ويفيد إخوتَه في الدين أفراداً، ويفيد المجتمع الإسلامي جماعات وأمَّة.
وتطبيق هذه الأركان الخمسة كعادة، تؤثِّر في المسلم تأثيراً فردياً فتجعل منه مسلماً (سلبياً): يفيد نفسه، ولا يفيد غيره من المسلمين أفراداً وجماعات وأمَّة.
وأريد بالمسلم الإيجابي: المسلم الحق، المسلم الصحيح، المسلم الذي يفكر لغيره كما يفكر لنفسه، ويخدم المصلحة العامَّة كما يخدم مصلحته الخاصَّة، فإذا تناقضت المصلحتان فَرَّط في مصلحته الخاصَّة من أجل المصلحة العامَّة.
وأريد بالمسلم السلبي: المسلم الجغرافي، (المسلم بالوراثة)، المسلم الذي يفكر لنفسه ولا يفكر لغيره، ويخدم مصلحته الخاصَّة ولا يخدم المصلحة العامَّة، فإذا تناقضت المصلحتان فرَّط في المصلحة العامَّة من أجل مصلحته الخاصَّة.
ولست أعرف ديناً سماوياً ولا عقيدة وضعيَّة، كالإسلام ديناً جماعياً لا فردياً، يأمر بإيثار المصلحة العامَّة، وينهى عن الاستئثار بالمصلحة الشخصيَّة، فهو دين إيثار لا دين استئثار، يقدِّس مصلحة الأمَّة، دون أن يَنسى مصلحة الفرد. والمجتمع الإسلامي مجتمع أخوة في الله وفي سبيل الله، وصدق الله العظيم: [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] {الحجرات:10}، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [أخرجه البخاري ومسلم].
وشتَّان بين المسلم الإيجابي الذي يهمُّه أمر المسلمين ويسعى لخيرهم، والمسلم الذي لا يهمُّه أمر المسلمين ولا يسعى لخيرهم، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ...» [قال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه عبد الله بن أبي جعفر الرازي، ضَعَّفه محمد بن حميد، ووثَّقَه أبو حاتم وأبو زرعة وابن حبان] .
-2-
كيف تؤثِّر الأركان الخمسة التي بُني عليها الإسلام في المسلم إذا اتخذها (عبادة)، فيصبح إيجابياً؟
الركن الأول: الشهادة.
أشهد أن لا إله إلا الله: تُنقذُ الفِكَرَ من عقيدة الشرك والوثنيَّة، وتنير القلب بنور التوحيد والإيمان.
الله الواحد، هو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يَصِلُ ويَقطع، ويُعطي ويمنع، بيده الخير كله، وهو الرزَّاق العليم.
عقيدة التوحيد، تجعل المسلم لا يَعبد إلا الله تعالى، ولا يَستعين إلا به، [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] {الفاتحة:5}. فلا يخاف إلا اللهَ سبحانه، ولا يخشى سواه.
ومن الواضح أنَّ أثر هذه العقيدة في المسلم، هو تحليه بالقوة والشجاعة والإقدام، لا يضعف أمام عبدٍ مثله، ولا يخافه أو يخشاه.
وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله: هو الأسوة الحسنة والقدوة، وهو القائد والرائد والإمام والزعيم والرئيس والمثل الأعلى، وهو التطبيق العملي لتعاليم الإسلام بشيراً ونذيراً وسلوكاً وخُلُقاً ومُعَاملة.
إنَّه القدوة الحسنة في شمائله للمسلم، يَقتدي به ويضعُ شمائله الكريمة نصب عينه.
الركن الثاني: إقامة الصلاة، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، ومن لم تنهه صلاتُه عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بُعْداً.
والصلاة تعلِّم المسلمَ: النظام، ودقَّة المواعيد، والنظافة، والخشوع، والتواضع والتآلف، والطاعة والضبط.
الركن الثالث: إيتاء الزكاة، والزكاة تطبع المسلم بطابع السخاء والكرم، وتنقذه من البخل والحرص، وتُعمِّق في المسلم سجية التعاون ضمن نطاق المجتمع الإسلامي، وتضع مبادئ الضمان الاجتماعي في حيِّز التنفيذ، وتذيب الفروق بين الطبقات، وتجعل الصراع الطبقي في المجتمع الإسلامي مُستحيلاً.
الركن الرابع: صوم رمضان، والصوم تدريب عملي على تحمُّل المشاق، وممارسة فعلية على الصبر الجميل، وتذوق الجوع والعطش من الذين لم يتذوقوها من الأغنياء حثاً لهم على مَعُونة الفقراء.
الركن الخامس: حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً: مالاً وصِحَّةً وأَمْناً، والحج يعلِّم الإيثار ويُمرِّن النفوس على الخلق القويم، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، ويُنقِّي النفوس والقلوب معاً من أدران المعاصي والذنوب، ليبدأ الحاج صفحة جديدة من حياته: مُستقيماً كما أمر الله تعالى، صالحاً مع الله سبحانه، ومع نفسه ومع الناس.
ولا يمكن حصر تأثير أركان الإسلام الخمسة في مثل هذا النطاق الضيق من الكلمات، وحسبي أن أُعدِّد جزءاً قليلاً من الخطوط العريضة عن أثر هذه الأركان.
هذه الأركان الخمسة تجعل من المسلم شجاعاً لا يجبُن، عادلاً لا يَظلم، مُتواضعاً لا يتكبَّر، مُطيعاً لا يَعصي، آلِفاً لا يَكْره، مُنظَّماً لا يَرتبك، مُعمِّراً لا يخرِّب، صادقاً لا يَكْذِب، كريماً لا يبخل، مخلصاً لا يخون، صابراً لا يجزع، مُؤْثِراً لا مستأثراً.
طاهر الذيل، عفَّ اللسان، نظيف القلب واليد واللباس، دقيق المواعيد، مُتعاوناً مع إخوته، مُتحمِّلاً للمشاق، باذلاً نفسه وماله في سبيل الله تعالى، يتحلى بخلق القرآن الكريم.
هذه الأركان إذا تمسَّك بها المسلم (عبادة)، انعكست على سلوكه مع الناس ومُعاملتهم، فأثَّرت فيه سُلوكاً وأخلاقاً ومُعاملة، بحيث يصبح عنصراً باهراً في المجتمع الإسلامي المتميز.
-3-
هذا المجتمع الذي يتكون من أمثال هؤلاء الأفراد، لا يمكن أن يُقْهر أبداً في الحرب، ويقود الناس في مجال العلم والفكر والحضارة في السلم.
وحين تمسَّك المسلمون بالإسلام عقيدة وتشريعاً، قادوا العالم قروناً طويلة عسكرياً وعلمياً وفكرياً وحضارياً، وفتحوا البلاد شرقاً وغرباً في اثنتين وثمانين سنة (12-94هـ) ما لم يفتحه فاتحٌ في كل عصور التاريخ، وبقي فتحُهم (مُستداماً) كما لم يبقَ غيرُه من الفتوح.
في القديم غزا الإسكندر الأكبر ممالك واسعة، وغزا اليونان والفرس والروم قديماً، وكونوا إمبراطوريات شاسعة، ولكنها ذهبت مع الريح.
وحديثاً غزا الاستعمار ممالكَ واسعة، فأين أصبحت الإمبراطورية البريطانية والفرنسية؟!
ووحَّد الإسلامُ شبه الجزيرة العربية، وفتح بلاداً شاسعة امتدَّت من سيبيريا شمالاً إلى المحيط جنوباً، ومن الصين شرقاً إلى قلب فرنسا غرباً، فبقي الإسلام في كل بلد فتحه المسلمون منذ القرن الأول للإسلام حتى اليوم.
والإسلام الذي انحسر عن الأندلس دون سائر الأقطار الأخرى بفعل محاكم التفتيش والتصفية البدنية والعنف، بقيت آثارُه في تلك البلاد أيضاً فكراً وحضارةً وتقاليد.
ولست أنسى يوم سافرت على مَتن طائرةٍ صينية، فوجدت المضيفة ترعى الركَّاب المسلمين رعايةً فائقة، فأردت أن أقدِّم لها هديةً نقدية جزاءَ رعايتها، فاعتذرت بأدب جَمٍّ ولُطْف، ثم قالت: أنا مسلمة والحمد لله، وتركت والدتي مريضة، فإن كان لابدَّ من هدية، فلتكن قصاصة من الورقة تكتبت عليها بالعربية المقدَّسة: بسم الله الرحمن الرحيم، لأقدِّمها لوالدتي المريضة هدية، لعلها تُشفى بفضل الكلمة المباركة ولغة القرآن الكريم المقدَّسة).
ويومها قلت لنفسي: يالله! أيبقى الإسلامُ هكذا مُتغلغلاً في أعماق النفوس، بعد كل ما عاناه المسلمون من ضغط وإرهاب!.
وقد اجتاح التتارُ بلاد المسلمين، فلما دخل هولاكو بغداد، وقع ابنه في حُبِّ ابنة جَمَّال فقير، فأراد أن يتزوجها، ولكن الجَمَّال الفقير رفض عرض ابن هولاكو قائلاً: لا أزوج ابنتي من كافر، أما ابنته فقالت للأمير الذي هام بحبها: أتناول السُّمَّ إذا أجبرت على الزواج بك، ولن أكون لك وأنا على قيد الحياة إلا إذا أسلمت!.
ومن المذهل حقاً، أنَّ التتار أسلموا بعد سنوات مَعدودات من غزوهم بلاد المسلمين فابتلعهم هذا الدين وأصبحوا من حُماته، والمفروض أن تسودَ عقيدة الغالبين على المغلوبين لا أن تسود عقيدة المغلوبين على الغالبين!.
وقديماً قالوا: (ويل للمغلوب) ولكن الإسلام شيء آخر.
-4-
ولم يتغيَّر الإسلام، وكيف يتغيَّر والكتاب العزيز قد تكفَّل الله تعالى بحفظه، والحديث الشريف قد تكفَّل السلف الصالح بتسجيله؟
ولكن المسلمين غيَّروا ما بأنفسهم، والله لا يُغيِّر ما بقوم حتى يُغَيِّروا ما بأنفسهم؛ كانوا سادةَ الدنيا، فأصبحوا عبيداً في بلادهم، وكانوا قادةَ الفكر، فأصبحوا مُستعمرين فكرياً.
سادوا بالإسلام، وقادوا بالإسلام؛ لأنَّهم تمسكوا به (عبادة)، فكانوا بشراً أطهر من الملائكة، كأنهم تعاليم الإسلام مجسَّدة في بشر يَمشون على الأرض: يعملون للآخرة ولا يَنْسَون نصيبَهم من الدنيا، يتمنَّى أحدُهم أن يموت قبل صاحبه.
فلما غيَّر المسلمون ما بأنفسهم، لأنهم تمسَّكوا بالإسلام (عادة) أو هجروه، أصبحوا مُسلمين بالإسلام لا بالفعل، وبالجغرافيا لا بالواقع، كأنهم ثياب المرء مُعَلَّقة على مِشْجَب الثياب بدون صاحبها، قُشوراً بلا لُباب، وأشباه الرجال ولا رجال، يعملون للدنيا لا للآخرة، ويفكرون في أنفسهم لا في غيرهم، يتمنَّى أحدهم أن يموت صاحبُه قبلَه.
بالإسلام سادَ المجتمعَ الإسلاميَّ الإيثارُ، وبقشوره ساد هذا المجتمعَ الاستئثارُ.
بالإسلام كان المجتمع الإسلامي مَفْخرة الدنيا، وبدونه أصبح هذا المجتمع مُسْتنقع الدنيا.
قرأ فرنسي القرآن الكريم وعكف على كتب الدين، فأعلن إسلامه، وهاجر من بلاده إلى ديار فوجد كلَّ مَخَازي فرنسا في البلد الإسلامي الذي هاجر إليه مع مخازٍ إضافية ليست موجودة في فرنسا، فلما لمس الواقع الذي عاشه تنهَّد قائلاً: أين الإسلام؟!
وليس ما يُعانيه المجتمع الإسلامي اليوم ذنب الإسلام، ولكن ذنب الذين هجروه من المسلمين.
وجاءت أجنبيَّة أعلنت إسلامها وهي تُطبِّق تعاليم الإسلام في الاحتشام إلى بلد إسلامي لتعيش في مجتمع الحشمة والفضيلة، فصعقت حين رأت المسلمات في البلد الإسلامي عاريات كاسيات، يأمرنها بالتبرُّج وينهينها عن الاحتشام!.
لقد أصبح المسلمون، بتصرفاتهم غير الإسلامية موضع اتهام للإسلام عقيدة وتشريعاً، فقال أعداء الإسلام: لو كان الإسلامُ يرفع من شأن مُعتنقيه لما تأخَّر المسلمون!
والسيف الصارم البتَّار، إذا كان بيد الجَبَان الرِّعْدِيد، يَذِلُّ ويَشْقى ويُتَّهم، وهو حَريٌّ بالعزِّ والسعادة والإعجاب.
وقديماً تهكَّم غبيٌّ بسيف عَمرو بن مَعْد يكرب الزبيدي، قائلاً: أهذا سيفك الذي ذاعَ صِيتُه في الآفاق!! فقال عمرو: إذا كان بيد صاحبه لا بيدك.
[تتمة المقالة في الجزء الثاني].
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر: (مجلة الأزهر، السنة التاسعة والأربعون، رجب 1397 - الجزء 5).
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


