المستدرك وجهود شيخنا فيه

المستدرك وجهود شيخنا فيه

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الجمعة، ٣ ذو الحجة ١٤٤٦ هـ - ٣٠ أيار ٢٠٢٥
317

وأخيراً خرج (المستدرك) كما أرده شيخنا الدكتور الشيخ محمود أحمد ميرة ـ رحمه الله تعالى ـ خرج ولكن وللأسف بعد وفاة شيخنا المؤلف، الذي أمضى جل حياته وهو يعمل به ليخرجه بأفضل حلة، وأجمل صوره، خرج (المستدرك) ولم تكتحل عينا شيخنا برؤيته، خرج (المستدرك) بعد أن تعرضت بعض مخطوطاته للسرقة والنهب والضياع.


في صيف عام: 1997ميلادي وصلت إلى مدينة (الرياض) في المملكة العربية السعودية، مدرساً لمادة اللغة العربية، واستضافني شيخي وأستاذي الدكتور الشيخ محمود ميرة في بيته لأكثر من أسبوعين، ريثما أرتب أمري وأنتقل إلى بيت قريب من المدرسة استقر فيه، ولكن انتقالي إلى هذا البيت لم يكن ليقطعني عن رؤية شيخي وزيارته يومياً، فقد كنت أجد نفسي في بيت شيخنا وكأنني في بيتي لما ألاقي فيه من الراحة والترحيب، إذ كان الطابق الثاني من بيته مخصصاً للشيخ ومكتبته وضيوفه الخواص، ولقد كنت أطيل الجلوس إلى جانبه وهو يعمل في تحقيق مشروعة الذي قضى فيه جل حياته.


كنت أجلس بجانبة أو على أريكة خلفة، وربما طلب مني أن أنظر في معجم من المعاجم أو كتاب من الكتب، فاذا أراد أن يحدثني وضع القلم من يده والتفت إليّ...
حدثني الشيخ كثيراً عن حينا حي (الكلاسة) وعن رجاله الأشداء أصحاب النخوة والحمية، حدثني عن والدي ـ رحمه الله ـ وحبه واحترامه له، وعلاقته بوالده، وما كان بينهما من الصداقة والمودة، حدثني عن طفولته وعمله مع والده في البناء وفي التجارة، حدثني عن طلبه للعلم في المدرسة (الشعبانية) وعن شيوخه الذين أحبهم وتأثر بهم. وما امتاز به كل واحد منهم.


فالشيخ عبد الله سراج الدين (آية من آيات الحفظ والفهم)، والشيخ عبد الفتاح أبوغدة (عالم قلّ نظيره، له زيادة فضل علي وعناية بي، وكان يدلني على الكتب المفيدة، ويعطيني ثمنها، ثمّ أرده له بالأقساط المريحة)، والشيخ أبو الخير زين العابدين (نابغة دقيق الملاحظة، مشيته وهيئته ونفسيته نفسية ملك، وهو من حيث العلم ودقة الفهم وعزة العلماء في الدرجة الأولى)، والشيخ أحمد بيانوني (يحب طلابه ويقوم على خدمتهم، ويسهر على راحتهم، ويقدمهم على نفسه في طعامه وشرابه وراحته)، والشيخ محمد الملاح (ذو دقة في قراءة العبارة وفهمها، يجيد الفقه والتفسير)، والشيخ أحمد قلاش (صاحب همة ونشاط وتضحية وبذل وعطاء وعند وسيلة للتفهيم جيدة)، وهكذا ذكره لباقي شيوخه وثناؤه عليهم.


حدثني عن دراسته في جامعة دمشق وإعجابه بأساتذتها الذين أخذ عنهم، وتأثر بهم أمثال الشيخ الدكتور معروف الدواليبي، والشيخ الدكتور مصطفى الزرقا، والدكتور الشيخ فوزي فيض الله، والدكتور الشيخ أبو اليسر عابدين، والدكتور الشيخ مصطفى السباعي، والشيخ علي الطنطاوي، والشيخ مصطفى الخن، وغيرهم.


حدثني عن عمله مدرساً، ثم مديراً لبعض المدارس الثانوية في حلب وفي بعض المدن والقرى التابعة لمحافظة إدلب، ثم انتقاله مدرساً في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وعن أنتسابه إلى جامعة الأزهر في القاهرة، وحصوله منها على درجة (الماجستير) ثم على درجة (الدكتوراه) في الحديث عن رسالته (الحاكم النيسابوري وكتابه المستدرك على الصحيحين) ومن ذلك الوقت أراد أن يتابع خدمته لهذا الكتاب العظيم.


توقف الشيخ عن الكتابة والتفت إلي قائلاً: هل تعرف كم عانيت وكم بذلت من الجهد في الحصول على مخطوطات (المستدرك) للإمام الحاكم، وأنا أحضر لرسالتي لنيل الدكتوراه؟ إنها سنين طويلة أمضيتها، وأنا أبحث وأنقب عن مخطوطات (المستدرك) حتى وفقني الله لاكتشاف نسخ منه لم يسبق إليها أحد قبلي، لكنني لم أعثر على نسخة بخط الحاكم أو أحد تلاميذه، وأقدم ما وقعت عليه من نسخ الكتاب ترجع إلى القرن السابع الهجري، يعني بعد أكثر من مئتي عام من وفاة الحاكم رحمه الله.
لكنني والحمد لله وفقت للحصول على نسخ عديدة من الكتاب (المستدرك) ومنها نسخة (الدرعية) وهي محفوظة في مكتبة أحمد الثالث بتركيا، وقد تمكنت من تصويرها كلها بمصورتي الخاصة، وهي نسخة مهمة أثبت عليها رقم (المكتبة المحمودية) في المدينة المنورة، أي إنها صارت إليها، وكتب عليها تملكات وتعليقات بخطوط أئمة (الدرعية)، وقد استفدت من هذه النسخة في عملي إفادة كبيرة، والمكتبة المحمودية في المدينة المنورة كان فيها نفائس ونوادر من المخطوطات، ولكن كثيراً منها نُهب وبِيعَ وضاع.


كما استفدت في عملي هذا بعدد من النسخ المصورة للمستدرك، وإن كان أكثرها ناقصاً وغير تام، لكن لدي مصورات لأكثر من نسخة من نسخ (تلخيص المستدرك) للإمام الذهبي، ومنها نسخة تامة بخط الذهبي نفسه، ونسخة نفيسة بخط سِبط ابن العجمي ولكنها ناقصة.


كما أفدت في عملي في تحقيق (المستدرك) وتقويم مواضع كثيرة منه من كتاب (الخلافيات) للبيهقي. وكتاب (معرفة علوم الحديث) للحاكم النيسابوري وكتاب (المدخل إلى الإكليل) للحاكم النيسابوري رغم إن هذا الكتاب المهم لم يلق من الاعتناء والخدمة ما يستحق.


قلت له يوماً: يا سيدي أراك قد بذلت في (المستدرك) الكثير من الجهد والوقت في العمل على هذا الكتاب وإخراجه، واعتقد إن ما بذلت من الجهد في خدمته وتحقيقه كاف لإخراجه في أتم شكل وأحسن صورة، وإنّ هناك كثيراً من طلاب العلم ينتظرون (المستدرك) وقد طبع ورأى النور، قال الشيخ: إن على كل من يتصدى لأي عمل علمي ابتداء أو تحقيقاً أن يراجعه ويوليه من الخدمة في التحقيق والتمحيص وإعادة النظر فيه مرات بعد مرات حتى يخرجه كاملاً كما أراده مؤلفه أو قريباً من الكمال وكان الشيخ يستشهد بقول الشاعر:

لا تَعرِضَنَّ على الأنام قصيدةً *** ما لم تكُن بالغتَ في تهذيبِها
فإذا عرضتَ الشِّعرَ غيرَ مهذَّبٍ *** عَدُّوه منكَ وَساوسًا تَهْذي بها


رحم الله شيخنا العلامة الشيخ محمود أحمد ميرة وجزاه عنا كل خير


بقلم: محمد عدنان كاتبي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...