المرجعية السياسية لأهل السنّة.. قراءة تاريخية (1)

المرجعية السياسية لأهل السنّة.. قراءة تاريخية (1)

التصنيف: فقه الدعوة
الخميس، ١ جمادى الأولى ١٤٣٩ هـ - ١٨ كانون الثاني ٢٠١٨
1152

منذ أيام ومن غير موعد أو تخطيط مسبق، جمعني لقاء مطوّل مع أحد الساسة العراقيين، وهو رجل شيعي -هكذا عبّر عن نفسه- لكنه مثقّف واسع الاطلاع ومحاور جيد يحسن الإصغاء، بدأ حديثه بالتذمّر مما أسماه «تجربة الحكم الإسلامي في العراق»، وأنها أصبحت سبباً رئيساً للتخلف والتعصب والتشظّي. وقد شاطرته الرأي مبيناً رأيي باختصار؛ أن إقحام الدين في السياسة ونظام الحكم سلاح ذو حدّين؛ فمن الممكن أن يكون سبباً في تقدّم البلاد إذا كان هناك وعي وقيم حاكمة وتوافق شعبي، ومن الممكن أن يكون سبباً للخراب والدمار الشامل إذا اختلت تلك الشروط. 

انتقل بحديثه إلى معضلة أهل السنة في العراق، وقال: يا أخي متى تكون لكم مرجعية واحدة حتى نستطيع أن نتفاهم معكم، ونعرف ماذا تريدون، وما مشاكلكم ومطالبكم؟ هنا أخذ الحوار بعداً آخر، امتزجت فيه الثقافة بالسياسة، والدين بالفكر، والتاريخ بالواقع، لكني أعتقد في المحصلة أنه كان حواراً شيّقاً ومفيداً إلى حدّ كبير. 

سألته بصراحة؛ كيف يفهم هو باعتباره مثقفاً موقف السنّة من الدولة الأموية؟ هل انحاز السنّة فعلاً للأمويين ضد العلويين؟ قلت له: انظر في أسماء السنّة قديماً وحديثاً، لماذا تجد اسم علي وحسن وحسين ولا تجد اسم معاوية أو يزيد إلا نادراً، حتى أسماء الزعماء العرب: صدّام حسين، والملك حسين، والملك الحسن، وعلي عبدالله صالح، وزين العابدين بن علي، وعمر حسن البشير، ثم راجع مثلاً دائرة نفوس الفلوجة وانظر في أسماء أبنائها منذ عشرات السنين.. هل كل هذا كان مجاملة للشيعة؟ أم أنه بالفعل يعبّر عن ثقافة ذاتية ومتأصلة في الضمير والوجدان الداخلي لدى عامة أهل السنّة؟ بقي أن نفهم سرّ هذا الموقف الذي يبدو وكأنه متعارض أو متناقض. 

قلت له: تحضّر لما قد يكون مفاجأة لك، كيف انتهى حكم الأمويين؟ قال: بمجيء بني العباس، قلت: فماذا كان موقف أهل السنّة من العباسيين؟ أليسوا إلى اليوم يحبونهم ويمجدونهم ويذكرون مآثرهم؛ المنصور والرشيد والمأمون والمعتصم، هؤلاء العباسيون هم الذين ذبحوا الأمويين وكانوا ينادون بحق آل البيت، بل كانوا يرون أنفسهم أولى بهذا الحق من العلويين؛ لأن أباهم العباس -رضي الله عنه- عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو أقرب من ابن العم وهو عليّ -رضي الله عنه-، فانظر إلى هذه المفارقة العجيبة؛ أن أهل السنة قد والوا الأمويين حينما استقرت لهم الدولة، ثم والوا العباسيين بعدهم لما استقرت لهم الدولة أيضاً، بينما الشيعة ناهضوا الأمويين وناهضوا العباسيين أيضاً.. كيف نفسّر هذا؟ 

السنّة والوا آل زنكي وآل أيوب والموحدين والمرابطين، ووالوا دول الإسلام المختلفة من الأندلس إلى خوارزم، ثم والوا العثمانيين وأخلصوا لهم، وهم حتى مع الأنظمة المعاصرة على اختلافها وتناقضها لا يثورون ما دام هناك استقرار وتوافر الحد المقبول من الحرية والكرامة مهما كان اسم الحاكم وشكله وعشيرته، وما شهدته مناطق الربيع العربي لم يكن أبداً بدوافع دينية أو عائلية؛ بل للمطالبة بلقمة العيش والحد من ظاهرة الفساد المتفشي في أجهزة الدولة، وقصة البوعزيزي شاهدة على ذلك.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...