المرأة في أوربا القديمة - المرأة في أوربا القديمة

المرأة في أوربا القديمة - المرأة في أوربا القديمة

التصنيف: ركن الشباب
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩
2784
المرأة في أوروبا القديمة
 
وأتكلم الآن عن عصر النصرانية في أوروبا ، والتي أرادت أن تتدارك الفوضى الخلقية في عالم الغرب بالعلاج الناجع والبلسم الشافي ، ومما لا ريب فيه أنها أدت خدمات جليلة في أول أمرها ، فقد سدَّتْ السبل في وجه الفحشاء ، وقضت على العري في كل ناحية من نواحي الحياة ، وسلكت كل سبيل لاستئصال شأفة الدعارة وقطع دابرها ، وجعلت المومسات والراقصات والمغنيات يَتُبْنَ ويرتدعن عن غيِّهِنَّ ومكاسبهن الفاسدة ، وجهدت جهدها لتنشئة القوم على الأخلاق الزكية ، والآداب السامية .
إلا أن الفكرة التي كان يحملها رجال الدين المسيحيون عن العلاقة بين الرجل والمرأة كانت قد جاوزت حدَّ التطرف في جانب ، وكانت حرباً على الفطرة في جانب آخر .
فنظريتهم الأولى والأساسية أن المرأة ينبوع المعاصي وأصل الخطيئة والفجور ، وهي للرجل باب من أبواب جهنم ، من حيث هي مصدر تحريكه وحمله على الآثام ، ومنها انبجست عيون المصائب الإنسانية جمعاء ، وينبغي أن تستحيي من حسنها وجمالها ، لأنه سلاح إبليس الذي لا يوازيه سلاح من أسلحته المتنوعة ، وعليها أن تُكَفِّرَ ولا تنقطع عن أداء الكفارة أبداً ، لأنها هي التي أتت بما أتت به من الرُّزء والشقاء للأرض وأهلها ، وإليك ما قاله " ترتوليان " ( Tertullion ) أحد أقطاب المسيحية الأُوَل وأئمتها مبيناً نظرية المسيحية في المرأة([1] :)
      " إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان ، وإنها دافعة بالمرء إلى الشجرة الممنوعة ، ناقضة لقانون الله ، ومشوِّهة لصورة الله ـ أي الرجل ـ " .
      ويقول كرائي سوستام (  Chry Sostem) ـ والذي يعد من كبار أولياء الديانة المسيحية ـ في شأن المرأة([2] : )
      " وهي شرٌّ لا بدَّ منه ، ووسوسةٌ جِبِلِّيَّةٌ ، وآفةٌ مرغوب فيها ، وخطر على الأسرة والبيت ، ومحبوبة فتَّاكة ، ورُزْءٌ مطلي مموه " .
      أما نظريتهم الثانية في باب النساء فخلاصتها أن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة هي نجس في نفسها ، يجب أن تجتنب ، ولو كانت عن طريق نكاح وعقد رسمي مشروع ، هذا التصور " الرهبني " للأخلاق الذي كانت جذوره تكاد تتأصل في أوربة من قبل بتأثير الفلسفة الاستشراقية ، جاءت المسيحية فزادته شدَّةً وبلغت به منتهاه ، وبذلك أصبحت حياة العزوبة مقياساً لسمو الأخلاق وعلو شأنها ، كما صارت الحياة العائلية عَلَمَاً على انحطاط الأخلاق ومهانة الطباع ، وأصبح رجال الدين يعدون العزوبة وتجنب الزواج من أمارات التقوى ، وعلامات الورع ، وسمو الأخلاق ، وأصبح من الواجب على من أراد أن يعيش عيشةً نزيهةً أن لا يتزوج أصلاً ، أو لا يعاشر امرأته معاشرة الزوج لزوجته .
      كما بالغوا في أن يثبتوا في قلوب الناس الشعور ببشاعة العلاقة الزوجية وتنجسها ، حتى أمست كل قرابة وكل سبب ناتج عن عقد الزواج يُعَدُّ إثماً ، وشيئاً نجساً .
      وهاتان النظريتان ما وضعتا من مكانة المرأة وحطَّتا من شأنها في مجال الأخلاق والاجتماع فحسب ، بل كان من مفعولهما القوي ونفوذهما البالغ في القوانين المدنية أن أصبحت الحياة الزوجية مبعث حرج وضيق للرجال وللنساء من جانب ، ومن جانب آخر انحطت منزلة المرأة في المجتمع في كل ناحية من نواحي الحياة ، ومن هنا نرى أن كل ما وضع من قوانين ـ وبتأثير من هذا الواقع المشين والمصادم للفطرة ـ لا يخلو من الخصائص التالية :
1. أصبحت المرأة تحت سلطة الرجل الكاملة من الوجهة الاقتصادية ، وصارت حقوقها في الإرث والملكية محدودةً ، وحرمت من نصيبها حتى في كسب يدها ، بل كان كل ماعندها ولها ملكاً للزوج .
2. الطلاق والخلع لم يكونا مباحين في حال من الأحوال ، فمهما بلغ البغض والتنافر بين الزوجين ، ومهما بلغ الشقاق بينهما في إفساد العشرة عليهما ، وصارت الحياة في البيت قطعةً من العذاب ، كان الدين والقانون يحتمان عليهما دوام العشرة وبقاء حبل الزوجية بينهما متصلاً ، وأقصى ما يمكن فعله عندئذٍ أن يفرق بينهما ، وليس لهما بعد هذا التفريق أن يحاول كل منهما الزواج مرةً أخرى ، وقد أضرَّ هذا بالزوجين المفترقين ضرراً بالغاً ، إذ هما بين نارين :
 أ – إما أن يختارا حياة الرهبان والراهبات ، أو :
ب – يتعاطيا العهر والفجور ، ويتساقيا كؤوس الفحشاء طوال أعمارهما الباقية .
3. وكان من أقبح العار أن يتزوج الرجل أو المرأة بعد وفاة أحد الزوجين ، بل هو عندهم من كبائر الإثم ، بل كانوا يعبرون عن الزواج الثاني بكلمة : " الزنى المهذب " .
4. أما رجال الكنيسة فلم يكن النكاح مباحاً لهم في قانون الكنيسة ، وكذلك القانون العام ما كان يبيح لهم ذلك في بعض الأقطار ([3] .)
ويقول الأستاذ العلامة أبو الحسن الندوي([4] نقلاً عن Mr. Lecky)
      وكانوا ـ أي الرهبان ـ يفرون من ظل النساء ، ويتأثَّمون من قربهنَّ والاجتماع بهن ، وكانوا يعتقدون أن مصادفتهن في الطريق والتحدث إليهن ولو كن أمهات أو  شقيقات ، تحبط أعمالهم وجهودهم الروحية ، وروى Mr. Lecky  من هذه المضحكات المبكيات شيئاً كثيراً .
 
 

 
[1] - الحجاب لأبي الأعلى المودودي رحمه الله تعالى ، ص : 25 .
[2] - المرجع السابق .
[3] - باختصار من كتاب الحجاب للمودودي ، ص : 28 .
[4] - ماذا خسر العالم  ص : 169، نقلاً عن كتاب تاريخ أخلاق أوروبا لمؤلفه : Lecky  الجزء السادس .

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...