ولكن إذا أمعنا النظر في عصرهم الأول، وجدنا أن حالة المرأة فيه كانت غايةً في الانحطاط في جميع مجالات حياتها فلم يكن لها في ذلك المجتمع منزلة أو مقام كريم ، بل كان يعتقد أن المرأة هي سبب جميع آلام الإنسان ومصائبه ، وأنها مخلوق في الدرك الأسفل من المكانة ، لذلك فقد كانت في غاية المهانة والذل وإهدار الكرامة ، إلى حد أنهم كانوا لا يجالسونها على مائدة الطعام ، وبالأخص إذا كان عندهم ضيوف غرباء ، فشأنها شأن العبيد والخدم .
استمر الأمر هكذا ، ثم تبدلت الأحوال ، وارتفعت مكانة المرأة في المجتمع ، وأصبحت أحسن حالاً ، وأرفع منزلةً من ذي قبل ، حيث أصبحت ربة بيت ، لها فيه نفوذٌ تام ، وكان عفافها وشرفها من أغلى وأنفس ما يُملك ، ومما ينظر إليه بعين التقدير والتعظيم ، وكان يعد زواج المرأة وملازمتها لزوجها دون غيره من أمارات النجابة والشرف .
وكانوا ينظرون إلى حياة العهر والدعارة والفجور : نظرة كره وازدراء ، هذا في عصر كانت الأمة اليونانية في أوج مجدها وعنفوان قوتها وشبابها ، وكان ما عندهم من مفاسد خلقية منحصرة في نطاق محدود .
ثم جعلت الشهوات النفسيَّة تتغلَّب على أهل اليونان ، ويجرفهم تيار الغرائز البهيمية والأهواء الجامحة فتبوأت العاهرات والمومسات مكانةً عالية في المجتمع لا نظير لها في تاريخ البشرية كله ، وأصبحت بيوت العاهرات مركزاً يؤمه سائر طبقات المجتمع ، ومرجعاً يلجأ إليه الأدباء والشعراء والفلاسفة .
ثم زادهم حبهم للجمال والافتتان به تمادياً في الغي ، وارتطاماً في حمأة الرذيلة ، وأضرم في قلوبهم ناراً للشهوة لا تخمد .
فالتماثيل العارية - والتي تفننوا في إتقان صنعتها – كانت هي التي تحرك فيهم الشهوات دائماً ، وتمد في غرائزهم البهيمية ، ولم يخطر لهم ببال أن الاستسلام للشهوات شيء ذميم في قانون الأخلاق ، كما أن الاندفاع وراء تيار الأهواء عار وهجنة .
وتبدلت مقاييس الأخلاق عندهم إلى حدٍ جعل كبار فلاسفتهم وعلماء الأخلاق عندهم لا يرون في الزنى وارتكاب الفحشاء غضاضةً يُلام المرء عليها أو يُعاب .
وقد صاحب هذا التحول في الفكر صياغة الأساطير حول المرأة ، كما اتخذوا إلهاً للحب أسموه : الإله كيوبيد إله الحب ( KUPID ) ، وأصبح عامة أهل اليونان ينظرون إلى عقد الزواج نظرة لا مبالاة وعدم احترام ، لأن المرأة أصبحت عندهم في متناول كل يد ، وباستطاعة أي رجل أن يخادنها علناً دون خوف أو وجل ، ودون عقد ولا نكاح([2]).
استمر الأمر بهم على هذا المنوال ، وأحجم كثير من الناس عن الزواج هرباً من الارتباط العائلي وتحمل مسؤولياته وتبعاته .
وكانت انعكاسات هذا الانحلال الخلقي ، والفساد الاجتماعي ، وتقطع الروابط الأسرية في غاية السوء ، وفي كل يوم يمر ينهدم جزء من هذه الحضارة العريقة ، حتى بادت بعد أن سادت ، ولم تقم لها قائمة بعد ذلك :
" سنة الله في الذين خَلَوْا من قبل ، ولن تجد لسنة الله تبديلاً " صدق الله العظيم
[1]- اليونان : هو الاسم الحديث المعرب للإغريق ، وما يزال اسمهم باللاتيني : GREEC، والذي يشكل الاسم القديم .
-[2] الحجاب للمودودي ص : 17 ، نساء حول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ص 16 ، تأليف : محمود مهدي استانبولي و مصطفى أبو النصر شلبي ، الطبعة السابعة 1419 - 1998 ، مكتبة السوادي ، جدة .
تنويه:
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين