مِن أغلى ما تعلّمته من الحكم في مدرسة الحياة ، ولم أجد لها حتّى اليوم نقضاً ، ولا استثناء : « المرءُ حَيثُ يَضَعُ نَفسَه » .
فمَن وَضَعَ نَفسَه في مَقام العُبُوديّة لله تعالى .. أعزّه الله ، وأعلى قدره ، مهما كتب عليه من الابتلاء وتسلّط الأعداء ..
ومَن وَضَعَ نَفسَه موضعَ الريبة والتهم فلا يلومنّ مَن أساء به الظنّ واتّهمه ..
ومَن وَضَعَ نَفسَه في أحضان الذلّ فلا يلومنّ مَن أهانه وأذلّه ..
ومَن وَضَعَ نَفسَه في مقام التربية والقدوة نال التكريم والحِظوة .. وعليه أن يوطّن نفسه على مكر القريب الحاسد ، وغدر العدوّ الناصب ، وكيد مَن لا يظنّ به الكيد .. فذلك من الابتلاء الذي لم يسلم منه الأنبياء ..
ومَن وَضَعَ نَفسَه بين الطغاة الظالمين ، أو التافهين المفسدين أصابه مِن ظلمهم وطغيانهم ، وشرّهم ودنسهم ، ما لا يمحوه المال والسلطان ، والبأس والطغيان ..
ومَن وَضَعَ نَفسَه بلا هويّة ولا عنوان عاش في زوايا الإهمال والنسيان ..
والرجل والمرأة حَيثُ يَضَعُ كلّ واحد منهما نَفسَه من صاحبه .. وهما كالشمس والقمر .. فإمّا أن تكونَ شَمسَه ، ويكونَ قَمرَها ، وإمّا أن تَكونَ قَمرَه ، ويَكونَ شَمسَها ، ولا يصحّ أن نُلقيَ تشبيهاً واحداً يَعُمُّ الرجالَ والنسَاءَ ، لأنّ المرءَ حَيثُ يَضَعُ نَفسَه ..
ومن تواضع لله أعزّه ورفعه ، ومن تعالى على عباد الله أذلّه ووضعه ..
ونفسَكَ إن أهنتها ؛ فلا تأمل بتكريم الناس لها ..
وخير ما يحفظ للمرء منزلته : طاعة الله تعالى ، والبرّ والإحسان إلى عباد الله ، وأحقُّ الناس بالبرّ الوالدان ، وهذا ممّا لا يختلف فيه اثنان ..
ومن أعجب ما رأيت وشهدت من ذلك أنّ رجلاً من الأثرياء الوجهاء ، الخيّرين المحسنين ، حرص كلّ الحرص أن يكون ولده عوناً له في تجاراته ، وأسرار نجاحه في أعماله ، فأبى عليه ابنه كلّ الإباء ، وأصرّ على أن يستقلّ بنفسه ، ويبتعد بأعماله عن أبيه ، وكان كلّما تعثّر في نشاطاته وتجارته ، لضعف خبرته أقال أبوه عثاره ، وسدّد عنه التزاماته ، ولكنّه لم يتّعظ ، ولم يعتبر ، وبقي مصرّاً على البعد عن أبيه ، ومخالفته وجفوته ، حتّى استيأس منه أبوه ، فلم يعد يبالي به ..
وتقرّب أحد الناس إلى أبيه بصدق وإخلاص ، فقرّبه وأدناه ، ورفع من منزلته ووظّفه عنده ، حتّى غدا مدير أعماله ، وملازماً له كظلّه في ليله ونهاره ، فأتمّ له دراسته على حسابه في أرقى الجامعات ، حتّى نال الدكتوراة في إدارة الأعمال ، وكان لا يناديه إلاّ يا ولدي .! وقد سمعت ذلك منه مراراً ..
وقد قال لي مرّة ذلك الرجل الوجيه : هل تعلم كم راتب ولدي .؟ ـ يعني هذا الموظّف المخلص ـ فقلت له : لا أعلم .! فقال لي : « إنّه ليس له راتب .. بيني وبينه حساب مفتوح .. يطلب ما يشاء ، ويأخذ ما يشاء .! » ، إنّه لا يعرف منّي كلمة : لا ، واسأله إن شئت ، فقلت في نفسي : « سبحان الله .! حقّاً .! المرءُ حَيثُ يَضَعُ نَفسَه » .
فانظر أيّها الإنسان : رجلاً كنت أو امرأة : أين تضعُ نفسك .؟! ولا تلومنّ الناس بعد ذلك بم يعاملونك ، وكيف يعاملونك .؟
ولكن .. قد يحدث في بعض الأحيان ، وربّما لم تكن قليلة ، أن يَضعَ الإنسان نفسه موضع التكريم والاحترام ، بما هو عليه من أخلاق وقيم ، وأدب والتزام ، ولكنّ الآخرين يسيئون فهمه ، فينتقصونه ، ولا يحترمون حقوقه ، لأسباب متعدّدة ، أظهرها التغاير والحسد ، وسوء الظنّ ، واختلاف الرأي والفهم .. وربّما لنقص في أخلاقهم وتربيتهم .. ومع ذلك فعلى العاقل أن يعتصم بكرامته ، ولا يرضى بانتهاكها ، وبحقّه في حرّيّة الرأي والاختيار ، فلا يتنازل عنه .. وعلى الذين يتجاوزون حدودهم أن يلتزموها ، ولا يخرجوا عنها .. فمَهما كنتَ مُخطئاً فهذا لا يُبرّرُ لأحد أن يَنتهكَ كرامَتَكَ .. فلا ترض أن تكون محلّ مساومة .. فالكرامَةُ أغلى ما وهب الله الإنسان ، بعد الحياة والإيمان .. وحَقّ الكرامَة مِن حَقّ الحياة ..
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


