عبدالحق الأنديجاني
المصدر: موقع: المسلم
بادئ ذي بدء وقبل الشروع في صلب الموضوع أودّ أن أذكّر إخواني الكرام الذين يطالعون مقالاتي بأني - كمثل أي كاتب غيور لدينه وأمته بإذن الله وعونه - إنما أكتب هذه التحليلات والتوقعات من باب التذكير والإعلام والاستعداد لمواجهة الأعداء بمعرفة سياستهم وكشف أساليبهم الخبيثة، وهذا مما أمر به ديننا الإسلامي، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأنعام: 55].
فحين نقول بأن تطورات الأحداث في بلادنا تشير إلى أن المسلمين سيتعرضون لمذابح وفتن ومؤامرات دموية لا نعني أبداً أن نجلس متشائمين ومتفرجين على كل هذه الجرائم التي تنفذ وتدبر من وراء الكواليس ويكون ضحيتها الشعوب الإسلامية المغلوبة على أمرها، وأنه لا قبل لنا بأعداء الإسلام وأننا لا نملك شيئاً سوى الدعاء، بل كل ما نريده من كتابة ونشر مثل هذه الأخبار والتحليلات والتوقعات المؤلمة والمخيفة هو أن نبادر ونتسابق إلى العمل الجادّ لإنقاذ الأمة الإسلامية من تلك الخطط الإجرامية التي يعدها وينفذها أعداء الإسلام ونجاهدهم - أولاً - بتقوية إيماننا وعبادتنا لله وتضرعنا إليه سبحانه وتعالى ليل نهار والابتعاد عن جميع الذنوب والمعاصي صغائرها وكبائرها، و- ثانياً - أن نجاهد هؤلاء الأعداء المجرمين - الذين يتشدقون بمزاعم الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم وهم الذين يبيدون العباد والبلاد ويهلكون الحرث والنسل ولا سيما بغزوهم العالم الإسلامي بجميع أنواع الغزو – نجاهدهم باستخدام كل ما نستطيع من وسائل سلمية – إعلامية وسياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية ودعوية وغير ذلك - إذ إن الجهاد بكلمة الحق وبالسياسة الشرعية الحكيمة من أوجب الواجبات على الأمة الإسلامية ولا سيما في هذه الأيام.
فمن هذا المنطلق نقول إن أعداء الإسلام المهتمين بآسيا الوسطى – المحلّيين منهم والدوليين- والذين ما زالوا يظهرون قلقهم من اليقظة الإسلامية التي بدأت تتصاعد خلال السنوات الأخيرة ويزداد إقبال الشباب والفتيات هناك على تعلم الإسلام والتزام شرائعه في شتى مجالات الحياة رغم المحاولات المستميتة لإفسادهم وإغراقهم في فتن الشبهات والشهوات وزرع التيارات الهدامة في صفوفهم شرعوا أخيراً في تنفيذ مؤامراتهم الإجرامية وخططهم الدموية لإبادة المسلمين باختلاق الذرائع المزيّفة والدعاوي المكشوفة التي أزعجت العالم كله برياحها النتنة، حيث لم تعد فلسطين وأفغانستان والعراق والشيشان وحدها ضحية للإرهاب العسكري الدولي برعاية الصهيونية العالمية وشركائها وعملائها الذين يخوّفون الناس من تصاعد "الإرهاب الإسلامي" المزعوم، ويقصدون به إقبال الناس على الإسلام تعلماً وعملاً، فقد شملت سياسة الإرهاب الدولي هذه معظم بلدان العالم الإسلامي، ومنها بلدان آسيا الوسطى.
وكانت حكومة أوزبكستان برئاسة الدكتاتور والدجال الأوزبكي المدعو "إسلام كريموف" على رأس حكومات آسيا الوسطى حيث بادرت وسارعت من تلقاء نفسها لقمع المسلمين وتقتيل الشباب الإسلامي وتعذيبهم في السجون وتجويع عامة الشعب المسلم حتى يضطر لعدم التفكير في غير لقمة عيشه اليومي التي لا يكاد يجدها إلا بشق الأنفس، وقد حصل والله المستعان.
وأما المسلمون في قرغيزستان فكانوا يتمتعون بنوع من الحرية منذ سقوط الاحتلال السوفييتي في عام 1991م إلى حين إسقاط رئيسها الأول "عسكر أكاييف" في عام 2005م.
ومنذ أن تولى الانقلابي الأول "كرمان بيك باكييف" السلطة بعد الإطاحة بـ"عسكر أكاييف" بمساعدة قوى خارجية خفية سارع لتثبيت سلطته الدكتاتورية وبدأ ينفذ الاغتيالات السرية والعلنية والاعتقالات الجماعية لمعارضيه، بالإضافة إلى تأجيج الأحقاد القومية بين القرغيز والأوزبك وغيرهما من العرقيات المتعددة التي تعيش في قرغيزستان.
ولكن يبدو أن الدكتاتور السابق "كرمان بيك باكييف" ارتكب خطئين سياسيين جسيمين تسببا في سقوطه السريع:
الخطأ الأول: استعجاله الشديد للقضاء على خصومه ومعارضيه السياسيين، والسبب الذي جعله يستعجل في ذلك هو اعتماده أو خضوعه لضغوط عائلته "آل باكييف" الذين شكلوا عصابة مسلحة قوية في جنوب قرغيزستان منذ سنين طويلة، فهم كانوا واثقين من قوتهم وقدرتهم على تصفية كل من يقف في طريقهم للسيطرة على قرغيزستان، وغفلوا من القدرة الإلهية أولاً، وغفلوا ثانياً من كون العديد من السياسيين القرغيزيين قد تفتحت عيونهم وتعلموا كثيراً من الألاعيب السياسية الكبرى.
الخطأ الثاني: الذي وقع فيه "باكييف": محاولته خداع روسيا وأمريكا وغيرهما من الدول الكبرى في آن واحد، مما جعله يفقد الدعم الخارجي تماماً في محاربة معارضيه في الداخل.
والدول الخارجية التي ساعدت "باكييف" في إسقاط "أكاييف" عام 2005م كانت تعرف شيئاً كثيراً عن طبيعة عائلة "باكييف" وإخوانه الذين كانوا يديرون العصابات الإجرامية الكبيرة في الجنوب، وكانت ولا زالت تستخدمهم في تنفيذ الخطط والمؤامرات بعيدة المدى والتي ربما لا يدركها الكثير من السياسيين القرغيزيين أنفسهم.
والذي يدفعني إلى هذا التحليل هو اختيار "باكييف" رئيساً لقرغيزستان بعد الإطاحة بـ"أكاييف" رغم أن الشخصية الأخرى المهمة وهي الانقلابية الثانية "روزا أوتونباييفا" كانت موجودة ومشاركة فعّالة في العملية الانقلابية الأولى، وكانت في ذلك الوقت أيضاً تتمتع بشعبية دولية كبيرة بالنسبة لغيرها، كما هي حالها الآن، إلا أنهم لم يختاروها آنذاك للرئاسة، بل اختاروا "باكييف" بدلاً منها، وأظن أن هذا كان نتيجة دراسة دولية سرية عميقة.
فالمهمة التي طلبتها القوى الخارجية السرية من "باكييف" وعائلته الإجرامية المسلحة كانت تتلخص في أمرين فقط وكانا ضروريين وعاجلين:
1- قمع الصحوة الإسلامية التي تمتعت بنوع من الحرية في عهد "أكاييف" (1991-2005م).
2- تأجيج الأحقاد القبلية أو العرقية بين القوميات التي تسكن قرغيزستان، ولا سيما بين أكبر قوميتين فيها: القرغيز والأوزبك.
وقد قام باكييف بمساعدة إخوانه وأقربائه الذين يديرون العصابات المسلحة من تنفيذ هاتين المهمتين بكفاءة عالية.
إلا أنه وعصابته المتسلطة تمردوا على أسيادهم الذين أوصلوهم إلى الحكم، فلم يعودوا يطيعونهم في كل شيء، فهم أضافوا إلى المهمتين السابقتين أشياء أخرى أهمها: القضاء على مختلف أنواع المعارضة، وكذلك محاولة خداع الدول الكبرى وابتزازها، فباكييف لم يطع روسيا كاملة ولم يطع أمريكا كاملة، مما جعل الدولتين تنزعان أيديهما من باكييف وتمدانها إلى معارضيه الآخرين، وعلى رأسهم تلك المرأة السياسية الشهيرة "روزا أوتونباييفا" التي أوصلوها الآن إلى الحكم.
حتى الآن ما زالت المؤامرات الدولية تؤتي أكلها المرة حسب ما يريده أعداء الأمة الإسلامية، فهم انتقلوا حالياً إلى الخطوة التالية بعد أن أجّجوا شباب القرغيز السفهاء المتوحشين ضد الأوزبك بمساعدة "باكييف" وعصابته ووزّعوا عليهم الأسلحة المختلفة ليقتلوا الأوزبكيين العزّل في داخل أحيائهم ويحرقوا بيوتهم على رؤوسهم في مدينتي أوش وجلال آباد وفي قرى "بازار قورغان" و"ناريمان" وغيرها في جنوب قرغيزستان.
والسر في اختيار الجنوب وإقليم "وادي فرغانه" بالذات لزجه في الاضطرابات الدموية يكمن في كونه "معقل الإسلاميين المتطرفين في آسيا الوسطى" كما يسميهم الغرب والشرق ويتخوفون منهم أشد الخوف، مع أن المسلمين هناك وأغلبهم من القومية الأوزبكية هم أشهر الناس بالحِلم واللين والتسامح والتعايش السلمي وإكرام الأجانب واحترامهم، فلا ذنب لهم أمام المتآمرين عليهم سوى تصاعد الصحوة الإسلامية بينهم.
الخطوة التالية الآن هي إرسال قوات أمنية دولية بعدد محدود وقليل وبدون أسلحة ثقيلة، وهذه خطوة رسمية معلنة (عشرات من الشرطة الأوروبية يرسلون إلى قرغيزستان هذه الأيام) بدعوى حفظ السلام بين الأوزبك والقرغيز.
وأما الخطوة السرّية غير الرسمية هي السماح بدخول مجموعات صغيرة من الشباب المسلّح إلى هذه المنطقة المضطربة ليقوموا بقتل بعض الجنود والشرطة من قوات حفظ السلام المحلية والدولية وتفجير بعض الأماكن بدعوى الجهاد، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى القيام بتأجيج بعض الأوزبكيين الغاضبين الذين ذاقوا الأمرّين من بعض القرغيزيين المتوحشين الذين قاموا بقتل وإحراق الناس وهم أحياء، فمن المحتمل الآن أن يقوم أعداء الأمة المتآمرون بتسليح وتوجيه بعض شباب الأوزبك ليقوموا بعمليات انتقامية ضد القرغيز.
فيتخذ كبار المجرمين والمتآمرون على الأمة الإسلامية هذا وذاك ذريعةً لمواصلة تقتيل المسلمين وتدمير بلادهم واعتقال وتعذيب رجالهم ونسائهم، وتشويه سمعة الدين الإسلامي وتنفير الناس منه ومن العلماء والدعاة إلى الله، والله المستعان، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
والتطورات الحالية تشير إلى هذه الاحتمالات المخيفة، فنحن نرى بأم أعيننا في هذه الأيام مدى تجبر وطغيان السلطات القرغيزية ضد المسلمين ولا سيما المسلمين الأوزبكيين في جنوب قرغيزستان، فإنها لا تزال تواصل عمليات القتل والاعتقال وإذلال الرجال والنساء علنا وبكل وقاحة، وقد اعترفت منظمة الأمم المتحدة بذلك أخيراً وبعد ازدياد صرخات الأوزبكيين والأوزبكيات، فأكدت في آخر تقرير لمفوضيتها لحقوق الإنسان نشر في وسائل الإعلام العالمية بأن قوات الأمن القرغيزية اعتقلت أكثر من 1000 شخص في أوش وجلال أباد منذ اندلاع العنف في يونيو/حزيران، وأن أعدادا كبيرة من الشبان كلهم تقريبا من الأوزبك يعتقلون بصورة تعسفية ويتعرضون لسوء المعاملة على أيدي الشرطة أو الجيش أو قوات المليشيات المحلية، وأن بعضهم تعرض للتعذيب بانتزاع الأظافر والحرق بلفافات التبغ المشتعلة... الخ ما جاء في التقرير الأممي.
وهذا قد يكون مقصوداً من أجل زيادة وشحن غضب الأوزبك على الحكومة القرغيزية المتعصبة لقوميتها ليصبوا جام غضبهم على كل القرغيز فيبدءوا بعمليات انتقام عشوائية مما يبرر للسلطات مواصلة القمع والتقتيل للمسلمين.
ومن المشاهد الآن في هذه الأيام هو اعتقال الشخصيات القيادية المؤثرة من الأوزبكيين واتهامهم بتأجيج الصراع العرقي، مع أن القرغيز هم الذين غزوا الأوزبك وهجموا عليهم وأحرقوا بيوتهم وقتلوا النساء والأطفال وآلاف الشباب، ولم يُقتَل أحد من القرغيز في حيه أو في بيته، وإنما قُتِل عدد قليل من الغزاة القرغيزيين أثناء هجومهم على الأوزبكيين.
وبعد كل هذه الجرائم التي وقعت من القرغيزيين ما زالت السلطات القرغيزية تدعي بأن الأوزبكيين هم الذين بدءوا وأججوا الفتنة العرقية.
ألا يثير مثل هذا الظلم وقلب الحقائق حفيظة الأوزبكيين ويدفع من يدفع منهم للقيام بعمليات انتقامية عشوائية ؟! كيف يستطيع الأوزبك ضبط أنفسهم وحجز شبابهم الغاضبين والسلطات تركز على اعتقال قيادييهم الذين يملكون التأثير الإيجابي عليهم؟!
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


