الليلة الأخيرة (من السجن الأول):
في الليلة التي سبقت الإفراج، أي مساء 6/4/1977م أبلغتنا إدارة السجن (سجن حلب المركزي): إنكم ستذهبون صباح الغد إلى "الشعبة السياسية" لمقابلة مديرها وإطلاق سراحكم!.
وفي الحقيقة إن الإشاعات والتوقعات بالإفراج لا تكاد تنقطع: سيكون الإفراج بمناسبة الثامن من آذار... وتمضي المناسبة ولا يتحقق الوعد أو الإشاعة أو التوقع، ثم يأتي موعد جديد: إنه السابع من نيسان، ذكرى تأسيس الحزب الذي جرّ البلاء على البلاد والعباد، ويمضي الموعد كسابقه، وتأتي ذكرى حرب تشرين "التحريرية!!" التي احتلت إسرائيل بها عشرات القرى السورية، ثم ذكرى الحركة "التصحيحية" التي فتك بها حافظ أسد برفاقه ونصَّب نفسه رئيساً للجمهورية... ويمضي الموعد كسابقاته، وتأتي المناسبات الدينية من رأس السنة الهجرية، والميلادية، وذكرى المولد النبوي، وعيد الفطر وعيد الأضحى... ولا يرقّ للطاغية قلب، ولا يرفّ له جفن، ولا يتحرك في نفسه شعور، إلا شعور الحقد الأسود.
وبتكرار الوعود، وإخلافها، لم نعد نصدّق شيئاً منها، أو نتعلّق به! ولكنْ هذه هي المرّة الأولى التي تبلغنا إدارة السجن رسمياً أن الموعد غداً: لقاء مع مدير الشعبة السياسية، فإفراج!.
لقد صدّقنا، أو رجّحنا، أن للمسألة أصلاً من الحقيقة، ولكن من يدري؟! لعل مدير الشعبة السياسية سيشترط علينا شروطاً مذلّة، وأغلبنا لن يقبل شرطاً مذلّاً.
وبالمناسبة، كان اسم رئيس الشعبة السياسية نايف كرباج!. وقد استغلّ أحدنا هذا الاسم ليعبّر بأسلوب ساخر عن توقعه من تلك المقابلة، قال: سيجمعنا ويسألنا: ما تظنُّون أني فاعل بكم؟ فسنقول له: شرّاً. كرباج ابن كرباج!.
ولقد كانت سمعة هذا "الكرباج" كسمعة الكرباج. وكثيراً ما سمعنا عنه ما يشي بقسوته وفظاظته وعنفه وبطشه.
كنا قرابة ثلاثين سجيناً (موقوفاً، معتقلاً). وكنت وحدي من الإخوان في هذا السجن، وكان معي نحو عشرة من حزب التحرير، والباقون من جناحين لحزب البعث: الجناح اليميني (أو جناح أمين الحافظ)، والجناح اليساري (أو جناح صلاح جديد).
بتنا تلك الليلة بين متفائل بإطلاق، ومتفائل بحذر، ومتشائم.
في الصباح:
وفي صباح اليوم التالي كنا على استعداد للخروج، بل على تشوّق له محفوفٍ بحذر، فهؤلاء لا أمان لهم، ولا حدود لحقدهم ولؤمهم!.
وانتظرنا حتى ارتفع الضحى فنودينا إلى الطابق الأرضي من السجن، وإذا شابّ أبيض البشرة، متوسط القامة أو هو أقرب للقِصَر، أنيق اللباس، يضع بين شفتيه سيكارة غير مُشْعَلة! ويتكلم وهي في فمه! ويتحرك يمنة ويسرة حركة سريعة كأن صاحبها في شغل شاغل، وأنه رجل المهمات الصعبة! ونَظْرَتُه تنمّ عن عجرفة واستكبار، واحتقار لكل من حوله من بشر، فقد كان ضباط شرطة السجن يتحاشون الاحتكاك به، وكان هو يصرخ فيهم فيمتثلون له! ولا غرابة، فهو ضابط مخابرات، وهم ضباط شرطة فحسب! وأين الشرطة من المخابرات؟!
وقد علمنا أنه النقيب... سحلول( من حمص).
ولا ندري ما الإجراءات القانونية أو الإدارية التي أنجزها مع إدارة السجن، لكنه، في نهاية المطاف، قَسَمَنا إلى مجموعتين، وطلب من كل مجموعة أن تصعد إلى باص. فقد اصطفّ على باب السجن باصان صغيران جديدان، من نوع كوستر، وفي هذه المرة لم يأمر بوضع القيود في أيدينا، ولقد كنا، حين نُنقل من سجن لآخر نكبّل بالقيود والسلاسل، وقد يوضع قيد مشترك بين كل اثنين من المعتقلين، فتقيد اليد اليمنى من أحدهما، باليسرى من زميله!. وكان إعفاؤنا من القيد هذه المرّة مؤشراً جديداً على أننا أمام إفراج!.
وانطلق بنا الباصان نحو المدينة، فقد كان السجن في منطقة "المسلمية" على بعد نحو عشرة كيلومترات. وبطبيعة الحال لم أعد أتابع غير الباص الذي أنا فيه.
كان الباص يسير بسرعة فائقة، ثم دخل المدينة، ونحن نتأمل في الشمس والمارّة والسيارات والمحلات التجارية... مشاهد لم نألفْها على هذه الصورة منذ زمن بعيد، وكان سائق الباص ينطلق بنا لا يبالي بأنظمة المرور، فلا تعنيه سرعة محدودة، ولا اتجاه مسموح أو ممنوع، ولا إشارة حمراء أو صفراء أو خضراء... كل شيء مباح له! إنه "مخابرات"!.
توقف الباص أخيراً أمام مبنى أعرفه جيداً. إنه فرع مخابرات حلب، هذا الفرع الذي قضيت فيه خمسة أشهر كاملة في بداية الاعتقال، وهأنذا أقضي فيه الدقائق الأخيرة من اعتقالي... ويبدو أن الباص الآخر توجه بالفعل إلى الشعبة السياسية، وأن ركابه قد أُفرج عنهم كذلك.
في البهو
أُدخلنا إلى بهو واسع في الطابق الأرضي (فوق طابق السجن). كان البهو ينطق بالفخامة والأناقة، ولا عجب فالمبنى كان يوماً ما، لأحد الأثرياء من آل العدّاس، وهو اليوم فرع للمخابرات، وليس فيه شيء رديء إلا سكانه من الضباط والجلاوزة... وإلا الطابق الأسفل الذي كان مخصصاً – يوم أنشئ المبنى- للخدمات، ثم أوجدوا فيه الغرف الصغيرة المظلمة، والأبواب الحديدية ذات الصفائح الثخينة والقضبان الغليظة، وجعلوه سجناً للأحرار.
اصطففنا على محيط البهو ننتظر ماذا سيُفعل بنا. فهل سيستدعوننا واحداً واحداً، أم يأتي من يلقي فينا كلمة ثورية؟!! وما هي إلا دقائق حتى نودي عليّ، وخرج رئيس الفرع الرائد محمد سعيد بخيتان فاستقبلني وصافحني وعانقني، ثم أدخلني إلى مكتبه الفخم، وجلست قبالته، وحدثني عن كُتبٍ، زعم أنه رفعها بشأني من أجل الإفراج عني!. ثم أخبرني أنه يتوّجب علي أن أراجع هذا "الفرع" مرة كل أسبوعين!.
العودة إلى الحياة!
بعد خروجي تدفّق المهنئون من أقارب وإخوان وأصدقاء وأصحاب، بل جاء يهنئني من سمع بي ولم يكن يعرفني من قبل، وكان من المهنئين من جاء من بلد آخر.
وكثير منهم كان يحمل معه الهدايا...
وكان بين المهنئين الشيخ محمد الشامي، فقد جاءني ومعه اثنان، قدّمهما إليّ، أحدهما شيخ من حمص يرتدي زي المشايخ، والثاني تاجر من حلب من آل السبسبي. ولا أدري من الذي دلّ الشيخ الشامي على بيتي. ولقد جلس يسامرني. قال: قبل يومين كنت ساهراً مع أبي سعيد. وهنا قاطعته مستفسراً: مَنْ أبو سعيد هذا؟ قال: إنه الرائد محمد سعيد بخيتان. وتابع حديثه: لقد ناشدتُه الإفراج عنك، فطمأنني إلى أن الإفراج وشيك جداً.
لقد أراد أن يعبّر عن عظيم اهتمامه بي، وهو لا يعرفني، وعن الجهود التي بذلها من أجلي!. وكان معروفاً عنه أنه كثيراً ما يقوم بدور وساطات بين أجهزة الدولة من جهة، وبين المواطنين، لا سيما التجار، فيحقق لهم مصالحهم، وينال على ذلك الأعطيات الكبيرة.
*****
وكنت أقرأ في عيون المهنئين معنى التأييد والتعاطف، وأجد في ذلك سلوى تكاد تنسيني آلام السجن كله.
وكانت أعداد الزائرين كبيرة جداً في الأيام الأولى، ثم بدأت – بطبيعة الحال – تتناقص، حتى إذا مضى شهر كامل على الإفراج، توقفتْ أو كادت. لكنّ الإخوان والأصدقاء بقوا على صلة بي، بل إن حفاوتهم وحبّهم والتصاقهم... زادت ولم تنقص، والحمد لله على نعمائه.
وبطبيعة الحال فقد عدت لممارسة عملي مهندساً في مؤسسة المشاريع الكبرى، التي كنت أعمل فيها قبل السجن.
محمد عادل فارس
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


