القوة في الحق

القوة في الحق

التصنيف: فقه الدعوة
الأربعاء، ٢١ جمادى الآخرة ١٤٣٧ هـ - ٣٠ آذار ٢٠١٦
807

 

كان المسلمون في الصدر الأول لا يُوارون ولا يُدارون، فإنْ رأى أحدُهم على أخيه عَيباً، أو لاحظ فيه نقصاً، أو لمح منه تقصيراً، نبَّهه إلى ذلك، وحاول جهدما يستطيع أن يرشده بالتي هي أحسن، ولقد كانوا يبالغون في دَرْء العيوب، ورَأْب الصدوع أكثر من ذلك، وقد كان منهم من لا يَسمح لنفسه أن يَنتهك الحُرُمات، ويتعدَّى الحدود، فيما بينه وبين الله تعالى، دون أن يَرفع أمرَه إلى الحاكم، ويتقدَّم بين يدي السلطان، ليأخذَه بذنبه ويقتص منه جزاءً وِفاقاً.

جاء أحدُ الصحابة رضي الله عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: هَلَكْتُ، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (وَمَا أَهْلَكَكَ؟) قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: (هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟) قَالَ: لَا، قَالَ: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟) قَالَ: لَا، قَالَ: (فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟) قَالَ: لَا، قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: (تَصَدَّقْ بِهَذَا) قَالَ: أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: (اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) [أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة].

ونحن نعلم ما اعتاده العرب في صيامهم، وما تمشَّى به التشريع الإسلامي معهم في المبدأ، ونعلم من ذلك أنَّه إذا جاء وقت الإفطار، وكان الرجل نائماً، تحتَّم عليه ألا يأكل ولا يأتي أهله حتى يجيء المغرب من اليوم الثاني، وأنَّ عمر رضي الله عنه تمرَّد على هذه العادة فتيقَّظ من نومه بعد المغرب فأكل ثم أتى أهله، فلم يسع زوجته إلا أن تشكوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فانظر إلى مبلغ هذا الورع وتعجب منه ما شئت، فإن كان عمر رضي الله عنه  قد استحيا أن يشكوَ نفسه وكفَّر عن خطيئته بينه وبين الله، فإنَّ امرأته لم ترضَ منه ذلك، فكشفت الأمر غير خاشية لومة لائم، فبمثل هذه العزمات الصادقة عزَّ الإسلام، وبمثل هذا الإيمان الراسخ ثبتت أصوله، وآتت أهله خلافة الله في الأرض.

وقد خُفِّف هذا الحكم بعد ذلك وأحلَّ للمسلمين ما كان حُرِّم عليهم في هذه الناحية.

والذي يتدبَّر التشريع الإسلامي ويعرف ما احتواه هذا الدين من مَزايا وخصائص، يعلم أنَّ المسلمين الأولين في ترابطهم كانوا أشبه بالأسرة الواحدة، وقد أرادَ النبي صلى الله عليه وسلم أن ينبِّه أمَّته إلى هذا المعنى فضرب لهم المثل في الائتلاف، والتماسك، والترابط، بقوم قد ركبوا سفينةً، بعضهم في أعلاها، وبعضهم في أسفلها، وأن أهل الأسفل كانوا إذا أرادوا الشرب، اجتازوا الركاب، وتخطَّوا أهل العلو، وأنهم حينما وجدوا هذه المشقَّة حدثتهم أنفسهم أن يخرقوا في أسفل السفينة خرقاً، يشربون منه، فكان أهل العلو حينئذ بين أمرين: إما أن يسكتوا على هذا الخرق فيهلك الركاب جميعاً، وإما أن يضربوا على يد العابث فلا يخرق هذا الخرق، وهنالك ينجو الركاب جميعاً [إشارة لما رواه البخاري من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه]، ولعل هذا هو المعنى الذي تشير إليه الآية:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}[الأنفال:25].

وقد تدلّى بعضُ المسلمين بعد ذلك في عقيدتهم، وانحطوا في فهمهم لهذا الدين، إلى درجة أن صار الرجل منهم لا يُبالي بغير وِزره ولا يَعْبأ إلا بجريرته، فإن رأى مُنكراً لم يُغيِّره بيده، أو بلسانه، أو بقلبه، وربما احتجَّ لذلك بينه وبين نفسه، أو بينه وبين الناس بظاهر الآية.

وفي خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فَهِمَ بعضُ الناس من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة:105] أنَّ الإنسان لا يُسأل إلا عن نفسه، فلم يسعه رضي الله عنه إلا أن يرقى المنبر حانقاً غاضباً، وقال: أما بعد ما بالُ رجال يقولون في كتاب الله بغير ما أراد، ويأخذون بظاهر قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} ثم يفهمون من ذلك أنَّ الرجل منهم لا ينبغي له أن يُعنَى إلا بخاصة نفسه، وكأنما يغضون الطرف عن الآية الأخرى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال:25]. 

لعلَّ هذا المعنى الذي يتحدَّث عنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه هو الذي يُشير إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ. [أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى]. 

والمسلمون لا يزالون بخير ما أَمروا بالمعروف ونَهَوا عن المنكر، هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من أحاديثه، فهل نجد بيننا من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقول للمخطئ أخطأت وللمُقصِّر قَصَّرت، أم نجدهم جميعاً يَغُضُّون العين على القذى؟.

لقد امتطيت سيارةَ (الأتوبيس) يوماً وقد ركبها فيمن ركب غلامٌ صغير قد اختفى بين الركاب وتوارى عن أعين الناظرين، فلما جاءَ المفتش رأيت رجلاً عليه وقار المسلمين وسمات الصالحين يجرُّه من مكمنه ويبرزه من مخبئه، ويقول له: ادفع! ادفع! ادفع أجر ركوبك! فلما انصرف المفَتِّش عاتبه الغُلام، وعاتبه الناس، وأصرَّ ذلك الرجل على أنَّه أصاب في ذلك وأنَّهم أخطأوا، فقلت أنا: يالله هذا هو الدين الإسلامي، وهذه هي الفطرة التي فطرَ الله الناس عليها، فكيف يستنكرُ الناس الحق ويتجهَّمون للمعروف، ويغضبون للسلوك الصحيح؟ هذا مَظْهر من مظاهر التدليس، وأشبه ذلك كثير. 

{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ} [النحل:61].

 

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

مجلة: (الأزهر، المجلد الثاني عشر، رجب 1360 - الجزء 7). 

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...