أسئلة بيانية (55)  القرآن ودقة اختيار أدواته.. السجود بين العاقل وغير العاقل

أسئلة بيانية (55) القرآن ودقة اختيار أدواته.. السجود بين العاقل وغير العاقل

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢٦ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ - ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٥
36

يقول الله سبحانه:﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: 15].
ويقول تعالى:﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: 18].
بإسناد الفعل (يسجد) إلى: (مَن) التي هي للعاقل في الآيتين.
وقال في آية أخرى:﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: 48-49]، بإسناد الفعل (يسجد) إلى (ما) فما السبب؟


الجواب:
قال تعالى في آية سورة الرعد:﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: 15]، والطوع و الكره من صفات العقلاء، إذ العاقل هو الذي يختار الفعل طوعاً أو يُستكره عليه، فناسب إسناد السجود إلى (مَن) التي هي للعاقل.


وأما آية الحج فإنها في سياق العقلاء، فقد قال قبلها:﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ... ﴾ [الحج: 17-18].
فناسب إسناد السجود إلى (مَن) أيضاً.


وأما آية النحل فإنها ذُكرت في سياق العموم، فقد جاء قبل الآية قوله سبحانه:﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ... ﴾ [النحل: 48-49]، تدل على العموم من عاقل وغيره، هذا من جهة.


ومن جهة أخرى أنه قال في الآية:﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: 49]، فبيَّن الساجدين بقوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ وكلمة (دابة) عامَّة، واستعمالها في غير العاقل هو الغالب، فناسب إسناد الفعل إلى (ما) من جهتين:
الأولى: العموم في (شيء).
والأخرى: العموم وغلبة غير العاقل في (دابة).
و (ما) كما هو معلوم أعم من (مَن)، وما تدل عليه أكثر مما تدل عليه (مَن).
فإن (مَن) خاصة بذوات العقلاء، وأما (ما) فهي تدل على ذوات ما لا يعقل وعلى صفات العقلاء.
فالأول نحو قولك: (آكل ما تأكل وأركب ما تركب)، قال تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: 33].
والثاني: نحو قولك (ما زيد؟) فتقول: تاجر أو كاتب، ونحو قوله تعالى:﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: 7]، والذي سوَّاها هو الله تعالى، وقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3]، فاتضح أن ما تدل عليه (ما) أعمَّ وأكثر مما تدل عليه (من) فذوات غير العاقل أكثر من ذوات العقلاء، فكيف إذا أُضيف إليهم صفات العقلاء؟
فناسب العموم كلمة (ما) في آية النحل إضافة إلى ما بيّن به (ما) من غير العاقل أو ما غلب فيه ذلك، وهو قوله: (من دابة) فناسب ذلك: (ما) أيضاً.
ومن اللطيف أن نذكر ههنا أن الله سبحانه إذا أسند السجود، إلى (مَن) اتبعه بذكر غير العاقل، وإذا أسنده إلى (ما) أتبعه بذكر العاقل.
فقد قال في آية الرعد: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الرعد: 15]، ثم عطف عليه بقوله: ﴿وَظِلَالُهُمْ﴾، والظلال غير عاقلة.
وقال في آية الحج:﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الحج: 18]، وعطف عليه الشمس والقمر والنجوم ونحوها.
وقال في آية النحل:﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [النحل: 49]، وعطف عليه الملائكة، حتى إنه فعل ذلك مع فعل التسبيح في قوله تعالى:﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور: 41]، فعطف (الطير) على: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾.
وقد تقول: ولِمَ قال في آية سورة الحج: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 18]، بعد قوله: ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: 18]، وهم داخلون فيمن قبلهم؟


والجواب مِن أكثر من وجه:
فقد يكون ذلك من باب عطف الخاص على العام فإن قوله: ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ لا يخص الناس وحدهم بل قد يكونون من الناس أو من غيرهم من الجن أو عباد الله الآخرين الذين لا نعلمهم.
وعطف الخاص على العام غير عزيز في اللغة، قال تعالى:﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238].
والصلاة الوسطى من الصلوات، وقال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68]. والنخل والرمان فاكهة.
أو إن السجود الأول بمعنى السجود العام، وهو التسخير والانقياد لله تعالى، و الخضوع له، وهذا لا يخص الإنسان بل يعم الجميع من عاقل أو غيره، وهو ليس عبادة بالنسبة إلى المكلفين، وإن السجود الثاني سجود طاعة واختيار كما قال تعالى:﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: 15].
وقد يقوّي هذا الاحتمال أنه ذكر قبل الآية أصنافاً من الناس، مَن يسجد لله سجود طاعة وكثيراً حق عليه العذاب، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج: 17]، فالمجوس والذين أشركوا وقسم من الصابئين لا يسجدون لله سجود طاعة واختيار، فقد يكون من بين هؤلاء مَن يعبد النار، أو يعبد النجوم أو غير ذلك من المعبودات.
فناسب أن يقول: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: 18].


بقلم: د. فاضل السامرائي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...