القاتل الصامت!

القاتل الصامت!

التصنيف: حاضر العالم الاسلامي
السبت، ٦ محرم ١٤٣٥ هـ - ٩ تشرين الثاني ٢٠١٣
941

 

 

تعددت التحديات والمصاعب التي يعاني منها الشعب السوري اليوم ووصلت معاناتهم حدوداً يندى لها جبين الإنسانية، وتعددت أيضاً الأسلحة التي تفتك بهم يومياً، من رصاص إلى قنابل وقذائف وصواريخ وسكود وأسلحة كيميائية تقتلهم علناً على مرأى ومسمع العالم أجمع، وهناك أيضاً سلاحاً لا يقل فتكاً عما سبق، ولكنه يقتل السوريين بصمت أطفالأ كانوا أم نساءاً أم شيوخاً ورجالاً... إنه الجوع... الذي نتج عن الحصار المستمر والفقر والعوز الذي ألم بالكثيرين جراء هذه المأساة وانعدام الأمن الغذائي على مساحات واسعة من الوطن.

ويعد الأمن الغذائي عنصراً أساسياً للاستقرار في أي بلد، وقد عرفته الأمم المتحدة على أنه توافر الغذاء مع إمكانية نقله أو الوصول إليه بسهولة، وحتى يقال أن بلداً ما يتمتع بأمن غذائي، يجب أن يحقق توافر الحصول على الموارد الغذائية بشكل مستمر لجميع الأفراد ضمن الدولة، وبحسب منظمة العذاء العالمية "الفاو"، فإن المهمة الأولى لأي حكومة هي تأمين الأغذية التي يحتاجها المجتمع للحفاظ على استقراره وازدهاره وخصوصاً الأغذية الأساسية والتي عادة ما يصعب على القطاع الخاص تغطية الطلب عليها بشكل كامل.

وتعاني بلادنا الآن من أزمة غذائية غير مسبوقة نتيجة للمعارك المحتدمة، وقد أخذت عدة أشكال منذ بداية الثورة، بدءاً من الحصار المتعمد للمناطق الثائرة وخصوصاً في المناطق الريفية تجلى في عدم توريد الطحين إلى المخابز واستهدافها وصولاً إلى منع إدخال الموارد الغذائية إليها وعدم السماح لمزارعي هذه المناطق بإرسال منتوجاتهم الزراعية إلى الأسواق ما أدى إلى تلف معظم المحاصيل وعدم استهلاكها وإلى ارتفاع أسعارها في المدن في الطرف المقابل.

وقد ساهم الخلاف المحزن بين الثوار أنفسهم من جهة واستمرار حصار النظام من جهة أخرى في شمال سورية باستمرار وازدياد المأساة الغذائية وأصبحت المدن الرئيسية وخصوصاً حلب تعاني الأمرين للحصول على حاجياتها الأساسيةمن الغذاء ومن أبسط متطلبات الحياة منذرة بنتائج كارثية على المجتمع في حال استمر الوضع على ما هو عليه، وقد كان الجوع سيفاً مسلطاً على رقاب أهلنا في معضمية الشام، وكم هي مؤلمة الصور التي بثها الناشطون مؤخراً عن أطفال أجسادهم هزيلة ماتوا من الجوع هناك وأبرزهم الطفلة رنا عبيد والتي لم يزد عمرها عن عام واحد قضت كما قضى خمسة أطفال غيرها من مرض سوء التغذية نتيجة الحصار وصعوبة وصول المساعدات. 

ويمكننا التغلب جزئياً على نقص الغذاء أو صعوبة نقله بالاعتماد على الانتاج الزراعي الشخصي والذي يمكن أن ينتجه الأشخاص المحاصرين أنفسهم وخصوصاً احتياجاتهم من الخضروات والتي يمكن زراعتها بسهولة نسبياً لكن هذا الأمر يحتاج إلى بعض الوقت حتى يحين وقت الحصاد، ولا يوجد مفر في الوقت الراهن من الاعتماد على المساعدات الدولية والأمم المتحدة ومنظمة الغذاء العالمي والتي تعمل في سورية ولكنها لا تستطيع التحرك بحرية في المناطق المحاصرة.

وبشكل عام، تتمتع سورية ولله الحمد بتنوع مناخي وبأراض زراعية خصبة، وبالتالي فإن بلادنا مؤهلة للوصول إلى أعلى مستويات الأمن الغذائي، ما ينقص هو تحسين الإنتاج الزراعي وطرق الري والتسميد بحيث نحصل على أعلى إنتاجية ممكنة، بالإضافة إلى ضرورة العمل على طرق التوزيع لتسهيل وصول المنتجات بشكل مستمر إلى المستهلكين.

ويرتبط الأمن الغذائي ارتباطاً مباشراً بمفهوم التنمية المستدامة الذي تكلمنا عنه سابقاً، لأنه من الضروري جداً الوصول إلى أحسن عوائد إنتاجية ممكنة مع الحفاظ على البيئة وإمكانية استمرار الإنتاجية بنفس المستوى أو أفضل للأجيال القادمة.

يعد الأمن الغذائي من أهم مقومات الدولة القوية ومن ركائز الاستقرار السياسي والاجتماعي، ويجب على جميع المسؤولين اعتباره أحد أهم أولويات الفترة الحالية في المناطق المحررة ولاحقاً لجميع سورية، وصدق الله حين ذكر في كتابه الكريم في حديثه عن أهل قريش ونعمه عليهم بقوله "الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"، فالجوع يقتل السوريين تماماً كما تفعل آلة الحرب!

المصدر: العدد السادس من جريدة أوراق الشام

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

الاسلام على مفترق طرق - محمد بن عمر بن سالم بازمول
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩الاسلام على مفترق طرق - محمد بن عمر بن سالم بازمول
يرى المسلم في هذا العصر اختلافاً كثيراً حيثما وجّه وجهه، سواء في باب مسائل الفقه من عبادات...
مرجعيّة - قيم الإسلام تناسب الإنسان ، وتلائم فطرته ، وتقدّم أساساً سليماً لتطوّره
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩مرجعيّة - قيم الإسلام تناسب الإنسان ، وتلائم فطرته ، وتقدّم أساساً سليماً لتطوّره
  مرجعيّة " القِيَم " عند المسلم   منذ القرون الإسلاميّة الأولى بحث...
تعريف بركن حاضر العالم الإسلامي - رسالتنا
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بركن حاضر العالم الإسلامي - رسالتنا
ركن : حاضر العالم الإسلامي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " مثل المؤمنين في تو...