الفقه المذهبي وعلاقته بالتعصب

الفقه المذهبي وعلاقته بالتعصب

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الثلاثاء، ٣٠ صفر ١٤٣٨ هـ - ٢٩ تشرين الثاني ٢٠١٦
2334

 

أقرر في البداية أن التعصب لرأي معين (بمعنى الانحياز له) هو شهوة من الشهوات التي أودعها الله في البشر، وعلى هذا فهناك تعصب محمود -وهو المبني على أصل معتبر-، وتعصب مذموم، وهو الناشئ عن الهوى.

ومقصود الناس اليوم من التعصب هو التعصب للرأي بدافع الهوى، وهو الذي يلصق بالفقه المذهبي.

وقد أفاجئ كثيرا من الإخوة إذا قلت: إن اقتران هذا النوع من التعصب بالفقه المذهبي هو مِن الشبه التي لا تستند إلى أصل علمي، وإنما هي شبهة رَوَّج لها المستعمر في نهايات القرن التاسع عشر عن طريق المستشرقين ومن لفَّ لَفَّهم من بني جلدتنا، وتسربت بعد ذلك إلى طلبة العلم، فتمكنت منهم حتى أصبحت من المسلمات.

وبيان ذلك أن مصادر الفقه المذهبي هي عبارة عن متون تَسْرُد الأحكام الشرعية على مذهب معين، ولا تتعرض للمذاهب الأخرى إلا نادرا، بل لا تهتم كثيرا ب"قال الله"، "قال رسول الله"، وإنما قد يعتني بعضُها بمعاني "قال الله"، "قال رسول الله". لأنَّ هدف هذه المتون هو تنظيم المجتمع عن طريق الإفتاء والقضاء، وتكوين الناشئة ليصبحوا بعد ذلك فقهاء ومفتين وقضاة داخل المذهب. ومن أراد النبوغ منهم التَمس الرحلة وتَوسّع في الرواية والدراية..

وكيف يكون في هذه المتون تعصب ونحن كثيرا ما نجد في المسألة الواحدة أقوالا داخل المذهب، وهذه الأقوال تستوعب أحيانا الأقوال في المذاهب الأخرى؟!

وكيف يكون فيها تعصب وقد نجد الفقيه منهم يُرشد المكلف أحيانا إلى قول خارج المذهب؟!، نَعثر على ذلك كثيرا في متون المالكية، فها هو الصاوي في مسألة مسح الرأس وغسله في الوضوء وفي الغسل يقول: "ينفع النساءَ في الوضوء تقليدُ الشافعي أو أبي حنيفة، وفي الغسل تقليد أبي حنيفة؛ لأنه (أي أبو حنيفة) يكتفي في الغسل بوصول الماء للبَشَرة وإن لم يعم المسترخي من الشعر". أرشد الصاوي المرأة المالكية إلى مذهبي أبي حنيفة والشافعي، لأن من النساء من يجدن حرجا في المذهب المالكي الذي يوجب جميعَ مسح الرأس في الوضوء، وغسلَ جميع الشعر في الغسل من الجنابة أو الحيض.

وخُذ قاعدة: إذا وجدتَ إشارة في متن من متون المالكية إلى مذهب الشافعي أو مذهب أبي حنيفة فإن القصد من ذلك في الغالب إما بيان ضعْفٍ أو تَرَتُّب حرج في المذهب، وإما بيان ضعف أو ترتب حرج في المذهب المشار إليه، كما أشار الدردير (أو الصاوي، لا أذكر) إلى مذهب الشافعي في بيع المعاطاة: فَقَصدُه هو بيان ضعف مذهب الشافعي في تحريمه، لما يترتب على ذلكم التحريم من حرج عظيم دون دليل قاطع في المسألة.

إنَّ حالَنا أيها الإخوة مع الفقه المذهبي كَحَالِ القاضي الذي ينصت إلى المدعي ثم يصدر الحكم قبل أن ينصت إلى المدعى عليه. وقد فعل ذلك نبي الله داود، فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب.

نعم هناك بعض الكتب في تراثنا: التعصبُ فيها واضح، وهي بعض كتب في الجدل والمناظرة، وكثير من كتب المناقب، وبعض كتب الخلاف العالي. وقد أنكر بعض العلماء ما فيها من تعصب بدليل وبدون دليل، بل إن الغزالي في إحياء علوم الدين اتهم أصحابها بطلب الجاه وحطام الدنيا..

لكن هذه الكتب لا علاقة لها بالفقه المذهبي المسؤول عن تنظيم المجتمع وتأطير نُخَبِه. فهذا التراث المذهبي هو من معجزات الإسلام، لا يوجد مثله في تاريخ البشرية. "والعرب بالباب". ولذلك فإن عدونا منزعج منه أشد الانزعاج. فهو تراث خارق للعادة مقرون بالتحدي، لأنه مبني على الوحي، دائر في فلكه: منه بدأ، وإليه يعود في التطوير والتنقيح والتقويم والتجديد. والله أعلم وأحكم.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...