الفقه السياسي الإخضاعي والفقه السياسي المتوازن!

الفقه السياسي الإخضاعي والفقه السياسي المتوازن!

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الجمعة، ١٧ رمضان ١٤٤٧ هـ - ٦ آذار ٢٠٢٦
27

نحتاج نشر فقه سياسي معاصرٍ يحرّر الشعوب من نير الظلم والظلمة والاستبداد والطغيان وما يرافق الاستبداد من ظلم وفساد، ففقهنا السياسي القديم ربما كان مناسباً للدول القديمة لكنه لم يعد يناسب الحياة المعاصرة، وذلك لأن القرون الأولى جرّبوا إحياء الشورى بعد انقلاب الحكم إلى وراثي تغلبيّ، لكن تلك الثورات الإصلاحية فشلت، ورافقها خسائر كبيرة.


فخاف فقهاؤنا من مزيد من إراقة دماء المسلمين نتيجة الحروب والثورات والانقسامات، كما خافوا على مصير دول المسلمين في وسط دول معادية طامعة، فخاف فقهاؤنا استباحة بيضة المسلمين، في حال تمزقهم واقتتالهم الداخلي.


فآثر فقهاؤنا تقديم مقصد الأمن والوحدة وقوة دولة المسلمين ضد الأعداء بالخارج، وفضّلوا تماسُك الدول المسلمة بالداخل، فأباحوا -للضرورة- حكم المتغلب والحكم الوراثي واعتبروه أقل المفسدتين، فإذا أرادوا إحياء الشورى في اختيار حكامهم ربما وقعوا بالثورات والدماء وضعف الدولة، فقالوا نضحّي بشيء مقابل كسب أشياء.. ولكن ذلك -مع الأسف- لم ينهِ الحروب والانقسامات الداخلية، فلا كسبنا الشورى ورضا الشعب ولا وحدة الأمة وقوة الدولة..


وآن لنا أن نرجع بنظام الحكم إلى قيمه القرآنية الآمرة بالشورى ورضا الأمة بمن يحكمها، فقد نما فقهنا السياسي وتضخّم فيه جانب حقوق الحاكم ووجوب طاعته، وضمرت فيه واجبات الحاكم تجاه شعبه!


وتَضخّم بواجبات الشعب تجاه الحاكم ووجوب طاعته، وضمُر تجاه حقوق الشعب على الحاكم، بالحكم العادل واختيارهم لمن يحكمهم برضاهم.. وقد سمّى الباحثون هذه الظاهرة بتضخم فقه الطاعة وضمور فقه الثورة أو التغيير أو الإصلاح أو الفقه التحرري أو الفقه الحقوقي.. أو الفقه الدستوري.. فالحاكم مطلق الصلاحيات والشعوب منزوعة الصلاحيات..


وهذا لا يعني أنّ كتابات السابقين خلت تماماً من الفقه المنشود، فقد كان هناك شذرات هنا وهناك، ووظيفة الكتابات المعاصرة جمع هذه الشذرات وضمها إلى بعضها وسبكها مع الاجتهادات المعاصرة لتكوّن صرحاً لفقه سياسي قِيميٍ راقٍ، يُحدِث التوازن بين حقوق الشعب وحقوق الحاكم وواجبات الشعب وواجبات الحاكم، ينظّر لنظام حكم سياسي يمنع الحاكم من الظلم عندما يحكم ويمنع من وقوع الظلم عليه إن كان خارج الحكم!


وقد ساهم شيخنا القرضاوي رحمه الله بإعادة التوازن لفقهنا السياسي مساهمات مباركة، ومثله الكثيرون من الباحثين والكتّاب المعاصرين.. الذين وقفوا مع ثورات الشعوب وحراكهم الإصلاحي.. وأنا أعتبر أنّ أهم منتجات ثورات الربيع العربي هو الكتابات المعاصرة في الفقه السياسي التي فكّكت بعض مقولات الفقه السلطوي أو السلطانيّ القديم.. الذي تضخّم فيه (فقه الطاعة) الذي يعوّل وينتظر (الصلاح الفردي) للحاكم وضمر فيه (الفقه التحرريّ) من الظلم والفساد والاستبداد، الذي يعوّل ويعتمد على (صلاح النظام) الذي يمنع الاستبداد الذي يرافقه الظلم والفساد.


فقد بقيت بعض قيم الإسلام ضامرة لم يفعّلها المسلمون تنظيراً وتقعيداً وتحويلاً إلى إجراءات وآليات ومؤسسات.. وأهمها قيمة الشورى والحرية.. أقصد حرية الشعوب أما حريات الحكام فقط كانت مضمونة محفوظة عبر التاريخ!! فبيده الإعلام والتعليم والقوانين والشرطة والجيش والمخابرات وكل مؤسسات الدولة بيده كل هذه الادوات لإخضاع الشعوب.. فهل تخافون على فقه الطاعة؟!


بقلم: د. حذيفة عكاش

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...