الغيب أو معدن حقائق الكون؟

الغيب أو معدن حقائق الكون؟

التصنيف: ركن الشباب
الأحد، ١ شعبان ١٤٣٤ هـ - ٩ حزيران ٢٠١٣
2021

الشيخ: البهي الخولي

 ما هو الغيب؟:

 

إنَّ الله تعالى يدعونا إلى الإيمان بالغيب في مُفتتح أول سورة من سور القرآن الكريم بقوله: [الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ] {البقرة:3}  فما هو هذا الغيب الذي يريد الله تعالى أن يؤمن به الناس؟ هل هو فراغ معتم لا تتمثل فيه الأذهان إلا العدم المحض والسلبية المطلقة؟ أو هو أفق حافل بالحقائق ذات الإيجاب والفاعلية؟

 

ويدعونا للكتابة عن ذلك أمور، منها:

أولاً: أن المؤمنين بالغيب أنفسهم نسوه أو كادوا ينسونه، فهم لا يعولون عليه كثيراً في فهم حقيقة الحياة، كما يعولون على الفهم الذي يلقيه في أذهانهم تفاعلهم مع الواقع الحسي، فنريد أن نجدد الصلة به،  ونؤكد العهد له.

ثانياً:  أن بعض الأقلام المعروفة بنزعات خاصة تعمد من آن لآخر إلى غمز الغيب غمزات لا توهن الإيمان به فحسب، بل تجعله أحد مصادر التخلف التي أصابتنا في الماضي بالجمود والتبلد عن مقاومة الفساد، والمطالبة بالحقوق المغتصبة، وإذاً فيجب علينا أن نبني حاضرنا و مستقبلنا على (التفاعل مع الواقع) ونبذ (الغيبيات) التي لا إيجابية لها في نهضة، ولا أثر لها إلا تبديد الطاقات في غموض ووهم لا حقيقة له...ذلك قولهم.

 وواجبنا أن نضع الحق أمام أرباب تلك الأقلام، فإن قاموا إلى الحق فذلك ما نريد، وإن أبوا فحسبنا أن جَلونا الحقيقة أمام الشباب الذي قد يَنخدع بظاهر أقوالهم المريبة.

والإسلام الحنيف حين يدعونا إلى الإيمان بالغيب، إنما يدعونا إلى واقع عتيد لا يقلُّ أصالةً وواقعيةً عن الكائنات التي نراها بأعيننا ونباشرها بحواسِّنا في آفاق السموات والأرض، بل هو في واقعيته أصل من تلك الكائنات أو من الكون الحسي كله، وهو إذ يدعونا إلى الإيمان به لا يسوقنا إليه عنتاً، أو يلقيه إلينا قسراً، بل يجعل سبيلنا إليه هو: التفاعل مع الواقع... الواقع الحسي لا الغيبي، المادي لا الروحي.

ومما تطيبُ له نفسُ المنصف أنَّ الإسلام يأمرُ بالتفاعل مع الواقع المحس إلى أبعد مما ينادي به حملة تلك الدعوة، فلا يقبل إلا أن نبذل فيه كل طاقة حسية، وفكرية وروحية: [هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ] {الملك:15}. [أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ] {الحج:46}. والقلوب التي في الصدور هي وسيلة التفاعل الروحي الذي أوردنا ذكره... ويبلغ من حرصِ الإسلام على التفاعل التام مع هذا الواقع الحسي أن يرى من يفرط فيه إنساناً أحمق يسيء إلى نفسه حسياً وروحياً حتى يلقى الله لا بصيرة له في الحق ـ أعمى ـ على ما كان عليه في الدنيا:[وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى ـ أي: لا يتأمل ولا يتفكر ـ فَهُوَ فِي الآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا] {الإسراء:72}.

ولا يتعلَّق بمرادنا في هذا المقام أن نتحدَّث عن مزايا دعوة الإسلام إلى التفاعل الحسي مع الواقع، إذ يدعونا أن نجوبَ مناكبَ الأرض بحثاً عن ثروتها، وتحصيلاً لما أودعها الله من رزق، فإنما نحن بصدد ما يُسفر عنه تفاعل الفكر من دلالات على الغيب ينطق بها الواقع الحسي نفسه، فقد جعل القرآن الكريم دلالة المادة المحسَّة هي الفيصل الذي لا مناصَ من قبول أحكامه، لأنها دلالة تقوم على المشاهدة الحسيَّة العاديَّة.

وفي القرآن الكريم منهاج كامل للاستدلال على وجود الله تعالى ـ وهو رأس حقائق الغيب ـ يدعوك في كل آية من آياته أن تمعن فكرك في الكائنات، وتسجل بنفسك دلالتها على القدرة التي أبدعتها، فإذا بها تُقرِّر لك إثبات الغيب بأصدق وسائل الإثبات العلمي وحين يلقى القرآن ـ مثلاً ـ بسؤاله: [أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ] {النمل:60}. أو سؤاله: [أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حَاجِزًا] {النمل:61}.

نرى تلك الكائنات البارزة الجليلة تسفر للفكر عن دلالات قاطعة تأخذ الطريق على كل مُكابر بغير علم، إذ لا يقبل العلم التجريبي من أي مكابر أن يزعم أن فلاناً من البشر أو غير البشر من سكان السماء والأرض قد خلقهما، فإن السماء والأرض قد خلقتا ـ قطعاً ـ قبل سكانهما، فلا يعقل أن يكون أحد من هؤلاء السكان قد خلقهما... ويقبل ذلك العلم منه أن هذه الأشياء، قد خلقت نفسها بنفسها من العدم، أو قد وجدت هكذا مصادفة رمية من غير رام... لأن من أسس العلم التجريبي البديهية، أنه لابدَّ لكل أثر من مؤثر أحدثه، ويرفض ذلك العلم رَفضاً قاطعاً أن يُسَلِّم بأنَّ الأثر يمكن أن يوجد بغير مؤثر.

وإذاً لا يكون أمام المنصف الذي يبحث عن إجابة علميَّة لهذا السؤال إلا إجابة واحدة تمليها تلك الكائنات على فطرته بدلالتها القاطعة في بساطة هي: أن خالقها خلقها من غير الكائنات المنظورة أو المحسَّة، خالق لا تدركه الأبصار وليس كمثله شيء من هذه المحسات.

وإذا قَرَّر منطق الواقع الحسي، وأسلوب العلم التجريبي تلك الحقيقة المسلَّمة عن وجود هذا الخالق، فقد قَرَّر إثبات الغيب؛ لأن التسليم بوجود هذا الخالق الذي لا تدركه الحواس، هو رأس الإيمان بالغيب...

 أي: أنَّ التفاعل مع الواقع الذي يجعلونه دينهم وشريعتهم قد دلَّ بطريقة حاسمة على وجود غَيب ليس من طبيعة حواسِّ البشر العاديَّة أن تدركه.

وإذا كان وجودُ الله تعالى رأس الإيمان بالغيب، فثمَّة حقائق غيبية أخرى، أي: حقائق لا تدركها حواسنا العادية، جاء بها القرآن الكريم، وكان من نهجه في شأنها أنه قرن ذكرها بذكر آثارها التي تحدثها في واقعنا، بحيث تكون تلك الآثار من الوضوح والقوَّة بمثابة البرهان القطعي الذي يدل عليها ويلزمنا التسليم بوجودها، أي: أنه رسم في الحديث عنها أصدق مناهج البحث العلمي في الدلالة عليها والإخبار بآثارها، على ما سيأتي في مكانه إن شاء الله.

وبناءً على ذلك فالكون لا يقتصرُ واقعُه على العالم الطبيعي الذي يتمثَّل فيما نَرى من كائنات السماء والأرض، وما يتصل بهما من قوانين و طاقات، بل ثمة واقع غيبي غير محدود، ولا محسوس، واقع يقوم بغير مادة، له خصائص القوة والإيجاب، دون أن تَراه عَين، أو تلمسه يد، أو يكون للعقل العادي عليه أي سلطان.

وقد سمَّى الفلاسفةُ من قَديم هذا الذي تَشهده الحواس: عالم الطبيعة، أو عالم المادة... وسموا هذا الذي لا تستطيع أن تدركه: ما وراء المادة، أو ما وراء الطبيعة.

أما القرآن الكريم وهو كلام خالق الكون سبحانه: فقد سماهما: الغيب، والشهادة، فحيثما قرأنا في القرآن الكريم كلمة الشهادة مقابلة لكلمة الغيب، فالمراد بها: ذلك الكون المحس الذي تقع عليه حواسنا، أما الغيب فله في القرآن الكريم عدة معان، منها المعنى المقابل للشهادة، وهو الكون الذي يجب الإيمان به على ما أخبر القرآن الكريم.

وإذا كنا لا نرى ضرورةً لذكر شيء من حقائق عالم الشهادة، مما هو معروف لنا، فإنَّ من الضروري أن نَذكر شيئاً من حقائق الغيب وكائناته، ليتسع علمنا به، وتمتزج حقائقه بضمائرنا وتفكيرنا،  وتأخذ مكانها  الجدير بها من وجودنا، فمن تلك الحقائق:

أولاً: علم الله القدسي، الذي أوحاه الله تعالى إلى رسله وأنبيائه وتضمَّنه القرآن الكريم بمثل قوله تعالى: [لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ] {النساء:166}. أي: نَزلَ مُضمناً ما شاء سبحانه من علمه، قال الإمام الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: (أي: فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان).

ومفهوم العلم في كثير من الأذهان غير محدد، فهل هو العلم بالتاريخ، أو تقويم البدلان، أو علم اللغة، أو الاقتصاد، أو الاجتماع، أو الميكانيكا، والهندسة وضروب الرياضيات، إلى آخر ما يطلق عليه اسم العلم؟.

وليس من قصدي بالإشارة إلى تلك العلوم أن أحدد معنى العلم، بل قصدت التمهيد لإبراز معنى ما أردت بعلم الله القدسي فهذا العلم هو حقيقة المعرفة، ورأس العلوم كلها، أو هو: (العلم الحق).

إننا حين ندرس علوم الطبيعة ندرس واقع المادة نفسها، ندرس عناصرها، ومُركباتها، وخواصها، ومنافعها، وما يتصل بها من قوانين، وكيفية الانتفاع الحسي بذلك كله...

أما علم الله القدسي فيضع بين أيدينا ما خفي عنا من حقائق الكون الروحية!! ما الإنسان؟ ما مهمته في الحياة وجدواه عليها؟ بل ما حقيقة الحياة نفسها؟ هذه ونحوها حقائق يجهلها الإنسان كل الجهل، ولا يعلمها إلا الله، وعلمها ضروري لنا لكي نصحب الحياة على النمط الذي يلائم حقيقتها، فنصحبها صحبة العقلاء، ويحقق كل منا الغرض من وجوده، أو من خلقه فيها.

إن أحدنا لا يستطيع أن ينتفع بجهاز ما إلا إذا عرف الغرض الذي أعدَّ له، وعرف من أجزائه ما ييسر له الحصول على منفعته، فإذا بَاشره على غير علم، أفسده، وحرَم نفسه ما له من منفعة، فكيف إذا كان يجهل نفسه، ويجهل ما الحياة التي جاء ليحياها؟.

وليس يتعلق بمقامنا هذا أن نعرض لبيان هذه الحقائق أو غيرها من علم الله القدسي الذي نزل به القرآن الكريم، ولكنا قد نجد مثالاً يوضح المراد في مثل قوله تعالى:[إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ . لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا المُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ . إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ] {غافر }. فإذا عرضنا ظاهر ألفاظ تلك الآيات الكريمة، مرت بمعانيها التي تسبق للذهن من أول وهلة ..، فإذا بدأنا نتفكر في حقيقة السلطان الذي يؤتيه الله تعالى الإنسان فتكون له به الحجة الغالبة، العالية: من أين أتى؟ وما مكانه في الإنسان؟ وتفكرنا في الكبر الكامن في الصدر ليردَّ الحق ويغمط الناس أقدارهم، فتح لنا ذلك التفكر آفاقاً من المعنويات العالية، والمعنويات الوضيعة، وما يكون به الإنسان من حال الرفعة والامتياز إذا كان اعتماده في الحياة على سلطان الحق وحجته، وما يكون عليه من حال الانتكاس والضعة إذا لم يكن له في الحياة إلا ما ينفث الباطل في صدره من أنه حقيق بكل رياسة وكل خير، لا لشيء إلا لأنه يحب نفسه وكفى.

وهنا يبسط العقل جناحية في ملكوت المعنويات، ممعناً في حقائقها، فيتأمَّل في نفسه، فيما حوله، فلا يرى قيمة الأشياء بأحجامها ومظاهرها، بل بخصائص أخرى لا يقع عليها الحس، فهذه أجرام السموات والأرض أكبر من جرم الإنسان.

أي: خلقها أكبر من خلقه، و لكنه فضل على كثير ممن خلق الله بما أودع من خصائص روحيَّة، لا بجرمه الضئيل الذي لا يخرق الأرض، ولا يبلغ الجبال طولا، ولا يزن واحداً من ألوف البلايين من أصغر كوكب في السماء.

وبإمعانة في تلك الحقائق تتبدى له نفاسة خصائصه الروحيَّة ساطعة رائعة، إلى جانب ضآلة كائنه الجثماني، فيعرف قدر البصيرة التي ميزت له وأبصرت ما لم يكن يبصر بالحواس...

ويزداد إشراق الحقائق في نفسه حتى يرى ما أبصرت له البصيرة هو الحق لا غيره، وأنَّ ما عداه هو الباطل لا ريب... وأنَّ من أبصر ما يبصر هو البصير بحق، وأن من لا يبصر ما أبصر، هو الأعمى المحجوب، ولو كانت حواسه أقوى الحواس التي تشهد المحسات...

فإذا استوى وعي المرء على إدراك تلك البصيرة، فقد أدرك حقيقة الحياة، وحقيقة نفسه... فحقيقة الحياة على ما تبصره بصيرته وراء الحس من حقائق الخير والجمال والمعرفة، وسلطان الله الذي ذكره في أول الآية... وحقيقة نفسه هي خصائصه الروحيَّة المؤلفة من صفات الحق وأدرك إلى جنب ذلك أن تلك الحقيقة هي عنصره الخالد الذي لا يَطرأ عليه ما يطرأ على البدن من تحلل؛ لأن التحلل الذي يطرأ بالموت إنما يتناول المركبات الحسيَّة، أما تلك الحقيقة التي تتألف من بصائر وقيم وصفات، فأمر روحي، يبقى بعد البدن، إذا ما البدن استجاب لناموس التغير والتحلل...

ونحن بذلك لا نفسر الآيات الكريمة، بل نعرض مثالاً لما نحن بصدده من علم الله القدسي، الذي نزل به القرآن، فالحياة بعد الموت عامَّة، والحياة الآخرة خاصَّة، ومن جملة هذا العلم، وقد يَبدو ذلك غريباً لمن اعتادوا أن يطلقوا لفظ العلم على المعارف المسطورة في الكتب، أو المحفوظة في أذهان الرجال، ولكن إذا عرفنا أنَّ ثمرة العلم هي الاهتداء به إلى ما ينفع، فثمرة علم الطبيعة ـ مثلاً ـ هي الاهتداء إلى تحصيل أوسع ما يمكن من منافعها.

وحقيقة الحياة قبل الموت وبعد، التي نزل بها القرآن، علم، وثمرته الاهتداء إلى أعظم المنافع وأجل المصالح، فإنَّ من ينفذ ببصيرته إلى ما وراء الحس من الحقائق التي أسلفناها، يراها شاخصة كمعالم الطريق التي تحدد للمرء سلوكه، إذ يدرك بها أنَّ حقيقة نفسه هي خصائصها الروحيَّة، فإذا زكَّاها وأولاها عنايته، فقد أحسن إلى نفسه، وإذا أعرض عنها وسلك سلوكاً آخر من وحي الحسِّ والهوى، فقد أهلك نفسه ولا محالة، فهو يحذر ذلك كل الحذر ما دام علم اليقين، أو علم حقيقة الحياة شاخصاً لبصيرته...

 

 

 

فإذا تقرَّر أنَّ الاهتداء إلى المنافع هو ثمرة العلم، تقرر أن اهتداء الإنسان إلى ما يصلح حقيقته الروحيَّة ثمرة علم عتيد ولابد... علم من علم الله القدسي.

ويفترق العلم القدسي من العلم الطبيعي بأمور منها:

* أن علم الطبيعة هو تقرير حالات المادَّة وخواصها المختلفة،  وقوانينها التي تعمل بها وتنظم علاقة بعضها ببعض، أما العلم القدسي، فأمر غيبي ـ على ما رأينا ـ تدركه البصائر، ولا تناله الأبصار، ويحسه الضمير هداية وطمأنينة وتميزاً في القيم بين ما هو أدنى وما هو خير، ولا يستطيع العقل أن يضبطه بقانون من قوانينه المقدرة بنسب ومُعادلات رياضية معلومة... ورأس معارف العلم القدسي صفات الله ـ عزَّ وجل ـ الجامعة لكل مثل الجمال والجلال.

 

* أن العلم الطبيعي إن كان العلم وسيلة ـ هو علم إلى محض ليس من طبيعته أن ينهى صاحبه عن شر، ولا أن يأمره بخير، ولا سيادة له على ضميره البتة، بل هو خادم لذلك الضمير ينفذ له ما يريد، فإذا كان الضمير محكوماً بالأهواء الباطلة والشهوات الحسية، فذلك العلم في خدمة مقاصدها... وإذا كان محكوماً بعلم اليقين ومبادئ الحق، فهو أيضاً ـ في خدمة مقاصدها.

 

* وأن العلم الطبيعي يمهد للإنسان استخدام الطبيعة في مقاصده بصرف النظر عن كون تلك المقاصد حسنة أو سيئة، أما العلم القدسي فيحدد للإنسان مقاصد الخير وغايات الحق، ولا يتعلق بأي غاية باطلة أو مقصد سيء، فهو علم تقرير المقاصد الواجبة لعمارة الأرض ومصالح الإنسان الروحية والحسية، في مقابل علم الطبيعة الذي يقدم أصلح الوسائل الممكنة لتحقيق تلك المقاصد.

فعلم الطبيعة علم آلة أو أداة، أما العلم الإلهي فعلم بصيرة وتمييز بين الخير والشر... والحق والباطل، أو هو علم البينات و الهدى والفرقان، على ما وصفه الإمام ابن كثير في عبارته السابقة التي نقلناها عنه.

وبهذا الفرق بين العلم القدسي والعلم الطبيعي، ندرك فضل الأول على الثاني، وندرك سبب حيرة البشرية اليوم، وزعزعة أركانها، وقلقلة سلمها وخواطرها، مع كثرة ما حصلت وكشفت من أسرار الطبيعة، وندرك أن لا شفاء للإنسانية مما هي فيه، ولا رجاء لها في خير إلا أن نقبل على علم الله (علم المقاصد الواجبة) لكي يستقيم في يدها علم الوسيلة على سمته الصحيح فلا قلق، ولا نهم، ولا منافسة باطلة ولا بغضاء.

وبعد: فهذا علم غيبي بحت، وهو مما فرض الله علينا الإيمان به، له ثمرته التي قررناها في مكانها، كما لكل علم ثمرته، فمن كان يريد المزيد من إيجابية هذا العلم وتأثيره الواقعي في ظاهر حياتنا، ليكون أقوى في تقرير الغيب وإثبات وجوده، فليرجع إلى ما قدمنا من فرق بين العلمين، ولينظر ماذا بين إيجابية ذات سيطرة واقعية على ضمير الإنسان، وبين سلبية تامة، ليس لها إلا عمل الإله في يده، فإذا كنا نسلم بوجود علم الأداة السلبية، فلأن نسلم بوجود علم الإيجابية أولى... ولينظر أخيراً ماذا جنى الناس من علم الوسيلة، حين ترك بلا غاية، وماذا يجنون حين تكون الوسيلة في ولاية الغاية الحكيمة، وسلطان الحق الغالب.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...