الغُزُّ  لا الغزالي

الغُزُّ لا الغزالي

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الثلاثاء، ٤ رجب ١٤٣٤ هـ - ١٤ أيار ٢٠١٣
1056


بقلم: د.عبد الحكيم الأنيس

(1)

مِن علماء بغداد الذين لمعتْ أسماؤهم وطار ذكرهم، وكانوا مفخرةً لها وعنوانَ فضل وراية مجد: الإمام الكبير أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي المولود سنة 431هـ والمتوفى سنة 513هـ.

ولقد كان من آثار هذا الإمام التي بلغت العشرين: كتابٌ أقلُ ما قيل فيه إنه في مئتي مجلّد، ذلك هو كتاب ( الفنون )، وقد جَمَعَ فيه فوائد كثيرة جليلة في الوعظ، والتفسير، والفقه، والأصلين: أصول الدين وأصول الفقه، والنحو، واللغة، والشعر، والتاريخ، والحكايات، وفيه مناظراتُه ومجالسُه التي وقعتْ له وخواطرُه ونتائجُ فكره قيَّدها فيه.

وممّا يُؤسَف عليه أنِّ هذا الكتابَ قد ضاع فيما ضاع من تراث بغداد العظيم غير مجلّدٍ دوّنه ابنُ عقيل رحمه الله سنة  )510هـ) عَثَرَ عليه في باريس الدكتورمصطفى جواد وكان قد بُدِّل عنوانُه! وقد طبعتْه وجاء في مجلدين دارُ المشرق في بيروت في سنة 1970 و1971 بتحقيق الدكتور جورج المقدسي، وليت أحدَ المحقِّقين البارعين العراقيين يقوم بإعادة تحقيقه ونشره.

(2)

آلمني وأحزنني جداً ضياعُ هذا الكتاب الرائع، وحين لاحظتُ أنَّ مَن بعده من العلماء ينقلون منهُ وعنهُ صرفتُ جزءاً مِن وقتي لتتبع هذه النقولاتِ وجمعِها والاستفادةِ منها.

ومن ذلك هذا النصُّ الذي أورده الإمامُ ابنُ رجب الحنبلي في كتابه القيّم: (ذيل طبقات الحنابلة) الذي طُبِع في مصر بتحقيق الأستاذ محمد حامد الفقي " ت: 1379هـ ".

قال ابنُ رجب في ترجمة ابن عقيل هذا في كتاب الذيل ( 1/146):

 (قال ابن عقيل: قدم علينا أبو المعالي الجويني بغداد – أول ما دخل الغزالي – فتكلم مع أبي إسحاق وأبي نصر(بن) الصباغ، وسمعتُ كلامه...) .

تأملتُ هذا النص فرابني فيه عدمُ دقته، فإذا علمنا أنَّ الغزالي دخل بغداد سنة " 484هـ " وأنَّ شيخه أبا المعالي الجويني تُوفي سنة " 478هـ " وأنَّ أبا إسحاق الشيرازي تُوفي سنة " 476هـ " وأبا نصر ابن الصباغ تُوفي سنة " 477هـ " أقولُ: إذا علمنا ذلك اتضحَ موضعُ الارتياب، فكيف يَدخل الجويني بغداد سنة 484 وهو قد مات قبل ست سنوات؟

 وكيف يتكلم فيها مع إمامين قد سبقه أحدُهما إلى الموت بسنة، والآخر بسنتين؟

هذا موضعُ الارتياب، فما وجهُ الصواب؟

وبينما أنا أقلّبُ الكلام على وجوهٍ من التأويل لاح لي أنْ أرجع إلى ترجمة ابن عقيل في كتاب (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم) لابن الجوزي وقد تأكَّد عندي أنه مِن مراجع ابن رجب في كتاب الذيل هذا، وحين رجعتُ إلى المنتظم (9/19) رأيت فيه ما يلي:

( نقلتُ مِن خطِّ أبي الوفاء بن عقيل قال: قدم أبو المعالي الجويني بغداد - أولَ ما دخلَ الغُزُّ – وتكلم في " كذا " أبي إسحاق وأبي نصر بن الصباغ، وسمعتُ كلامه).

وإذا علمنا أن الغُزَّ  - وهم مِن القبائل التركية التي يعودُ إليها السلاجقة- قد دخلوا بغداد سنة "447هـ" كما يقولُ المؤرخون انحلَّ الإشكال، وظهر وجهُ الصواب ناصعاً جلياً.

إذن فأبو المعالي الجويني المشهور بإمام الحرمين قد دخلَ بغداد سنة دخول الغُزِّ "447هـ" وكان في الثلاثين من العمر، بينما كان ابن عقيل في السادسة عشرة من عمره، ونجد في نصِّ كلامه أنه ناقشه في مسألة من أصول الدين، وهذا أحدُ المؤشِّرات على المستقبل الزاهر الذي كان ينتظر هذا الشاب.

إنَّ ثلاثة حروف هي (الي) التي أُضيفت على ( الغُزّ ) جعلت الرقم يَقفز (37) سنة مرةً واحدةً، ويُحدثُ في النص ما مرَّ معك من اضطرابٍ وارتيابٍ، ولا يكاد ينقضي عجبي مِنْ محقِّق كتاب (ذيل طبقات الحنابلة) الشيخ محمد حامد الفقي كيف مرَّ على هذا النص دون أنْ ينتبه لما فيه مِن وهمٍ فاحشٍ مع أنه وُصِفَ بأنّه " كان أشد الناس ذكاء وفطنة "!

يبقى إشكالٌ واحدٌ، وهو ما جاء في (المنتظم) في النص السابق: " وتكلَّم في أبي إسحاق وأبي نصر بن الصباغ".

 فالمعلوم أنَّ عبارة " تكلم في" تُستعمل في الجرح،  ولا معنى لجرح أبي المعالي الجويني وهو إمامٌ شافعيٌّ كبيرٌ في إمامين مِن أئمة بغداد الشافعية وهو ضيفٌ عليهم، إضافةً إلى أنهما يكبرانه في السن، فأبو إسحاق الشيرازي يكبره بــ " 24 " سنة، وأبو نصر بن الصباغ يكبره بــ " 17 " سنة، فالصحيحُ ما جاء عند ابن رجب في (الذيل): " وتكلّم مع"  وهذه ملاحظة تُسَجّل على محقِّق كتاب (المنتظم) من ملاحظات كثيرة أرجو أن أفرغ لتبيانها.

وبعدُ: فهذان مثالان على ما في مصادرنا ومراجعنا من هفواتٍ تستدعي تأمّلَ المحقِّقين والطبّاعين والمطالعين على حدٍّ سواء، وإلاّ فإنَّ الأمرَ مخيفٌ، وكتبَنا في خطر، والخطأ يجرُّ أخطاء، والمشتكى لله،وكفى.

 

* نشر المقال في جريدة العراق في 13/12/1989م 

 

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...