تاريخنا والغزو الماركسي:
عندما نجحت الثورة البلشفية سنة 1917 في الوصول إلى الحكم فيما عرف باسم (الاتحاد السوفيتي) وقامت على أثرها حركة (ماوتسي تونج) في الصين كان ذلك كافياً لدى كثيرين من الدول النامية كي ينظروا بإعجاب إلى هاتين التجربتين.
وقد ساعد على هذا الإعجاب تلك الكراهية التي كانت قد تأصلت نحو الدول الغربية الاستعمارية التي تمثل القوى المناهضة (في حدود مصالحها!!) - على المستوى الظاهري الرسمي على الأقل - للكتلة الشيوعية.
ومع الانبهار بدأ الكثيرون ينظرون إلى هذه القوى الجديدة على أنها المخلص من الاستعمار التقليدي وبدأت جماهير كثيرة من المثقفين تقرأ الفكر الماركسي بعين منبهرة كليلة عن كل عيب... بل وبدأت قلة تدعو إلى ضرورة – بل حتميَّة – السير في الطريق نفسه الذي سار فيه الروس والصينيون... وبدأوا يستعيرون المناهج الشيوعية في تحليل حركة الحياة وفي التفسير الاقتصادي للتاريخ.
ولم يقف أمر التورط في استعارة هذا المنهج عند حدود الذين تمركسوا فحسب، بل إن هذا المنهج قد رشح في كتابات غيرهم من الذين يمكن اعتبارهم أنصاف متمركسين، أو أقل من ذلك!! وعند هؤلاء وأولئك كان ثمة تركيز واضح على عدد من المبادئ أهمها:
1 – رفض التفسيرات الغيبية (وهم يستعملون كلمة غيبية تمويهاً وبديلاً لكلمة الدينية أو الإسلامية).
2 – رفض أن يكون للدين تشريعات دنيوية والتركيز وفق فهم خاص على حديث: (أنتم أعلم بأمور دنياكم...).
3 – التركيز على تشريح مجتمعاتنا الإسلامية في التاريخ في صورة صراع طبقات أو في صورة محافظين وثوريين... وأغنياء وفقراء... ويمين ويسار.
4 – التركيز على التفسير الواحدي للتاريخ (العامل الاقتصادي الأوحد) تقريباً فالعوامل الأخرى تكاد تكون عوامل ثانوية.
5 – لصق الدين بالرجعية والتخلف والعمالة للأثرياء.
وفي كتابات كثيرين سيطرت نغمة أن الإسلام دين الفقراء، ودين الحرية، ودين المساواة، ودين العدل الاجتماعي، وبدأوا ينبشون تاريخنا ليكتشفوا – وفق أسلوب فرض المذهب على المنهج – كل الشواهد التي تؤكد نظريتهم... وبدأوا يحللون الأحداث التي وقعت في عهد عمر وعثمان وعلي ومعاوية.
إلى أن وصلوا إلى تاريخنا الحديث تحليلاً يخدم نظرتهم المبدئية المنطلقة من المادية التاريخية وقد التقوا مع العلمانيين في تضخيم المشكلات والخلافات التي وقعت بين المسلمين بحكم أنهم بشر، وقد استثمروها لخدمة أفكارهم أسوأ ما يكون الاستثمار فالفتنة الكبرى (وهي كبرى في رأيهم وليس في رأينا...!!) أصبحت طبقة عازلة عن رؤية عظمة تاريخنا وحضارتنا، وأصبحت بيت القصيد في دراسات هؤلاء!
ولم تعد صراعاً على فقه الطوائف الإسلامية لأسلوب الحكم أو خلافاً غذاهُ خصوم الإسلام، بل أصبحت حركة ثورية ذات محتوى اقتصادي واجتماعي يقف منها (عثمان بن عفان) رضي الله عنه رمزاً للقوة التقليدية المحافظة على مصالح الطبقة الثرية والنظام الاقطاعي ويقف فيها أبو ذر والثائرون، رمزاً للقوة التقدمية المناضلة!!
لم ينج طه حسين – مع ميوله الليبرالية – من هذه الآفة، فوقع في (الفتنة الكبرى) على شيء من هذه التفسيرات، وذلك عندما نظر إلى مقاومة قريش للرسول صلى الله عليه وسلم على أنها ليست مقاومة لعقيدة التوحيد أو للدين، وإنما هي مقاومة لدعوة – مساواة السادة بالعبيد ولمبدأ عدم التفرقة بين الأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعفاء.
وبعد طه حسين – انهمرت سيول الكتابات الشيوعية في لبنان ومصر وسوريا والعراق وبعض بلاد الخليج العربي، وبعض بلاد المغرب العربي، ولا تكاد تخلو بلد من المتأثرين بهذا المنهج اليساري، بل لقد ظهرت مدرسة تحاول استخدام منهج ملفق يسمى (باليسار الإسلامي) يركز وجود المكافحين ويكتشف العناصر الاقتصادية والمادية في تراثنا وتاريخنا، ومع بداية الستينات من القرن الميلادي الماضي تمكنت هذه التكلات من التعبير عن نفسها من خلال أبرز المواقع تأثيراً متلفعة بنوع من الشيوعية المعدلة...
وفي مجلة الكاتب (المصرية) استطاع رئيس تحريرها الماركسي (أحمد عباس صالح) أن يوجه المجلة وجهة يسارية ثابتة، وقد كتب فيها سلسلة مقالات تحت عنوان: (الصراع بين اليمين واليسار في الإسلام) عالج فيها الأحداث التاريخية في عهد رسول الإسلام والخلفاء الراشدين... مقسماً هذا الجيل الإسلامي الفذ إلى يمين ويسار متصارع... دون أن يلتفت الكاتب إلى أن هذا الاسقاط (المصطلحي) الحديث الخاضع لتطورات مجتمعات معينة من الخيانة للمنهج العلمي اسقاطه على عصور مختلفة وعلى مجتمعات ربما لم تعرف مصطلح (الطبقية) بهذا المعنى الذي عرفه تطور المجتمعات الأوروبية ومع ذلك فمن أجل (المذهب) لا خير في أن يذهب (المنهج العلمي) إلى الجحيم!!
ولقد بلغت الجرأة المسفّة بالكاتب إلى أن يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم (زعيم اليسار) فهو في رأيه – (زعيمه وواضع مبادئه الأساسية) ويعلق أحد الكتاب الإسلاميين، على هذه الفرية الهابطة بقوله: ولكن كيف قبل الرسول (اليساري) هؤلاء اليمينيين في صفوف الإسلام؟ وكيف أثنى عليهم وبشرهم بالجنة؟!. [انظر التاريخ الإسلامي والمذهب المادي في التغيير، الدار الكويتية ص 108.]
لقد كان بين السابقين إلى الإسلام أبو بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم، كما أسلم علي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وأسلم بعد ذلك خباب ابن الأرت، وعمار بن ياسر وصهيب وبلال رضي الله عنهم.
وهكذا سبق للإسلام أغنياء وفقراء، أقوياء وضعفاء، أحرار وموالي، عرب وعجم، تجار رأسماليون، وعمال محترفون... فأين كان اليمين في هؤلاء؟ وأين الوسط وأين اليسار؟ وكيف أغضى زعيم اليسار عن وصولية اليمينيين؟ أو كيف تقبل اليمينيون ثورية اليسار؟!
وأيضاً كيف كان هؤلاء على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كتلة واحدة يضحي غنيهم بماله لفقيرهم ويشتري غنيهم بماله العبيد، ويرفض أحدهم ثلاثة أضعاف الربح في تجارة قدمت له، ويهبها لله: أي للفقراء والمساكين صدقة لله مؤثراً ما عند الله تعالى؟!
أليس من الهبوط العقلي – باسم المذاهب – أن ينسج بعضهم خيالات يخلعها على الآخرين حتى ولو لم تكن هذه الخيالات بنت بيئتهم أو مناسبة لحقيقتهم؟!!
ويمضي الكاتب – دون اعتبار للمنهج – لتصنيف الصحابة الكرام إلى يمين ويسار، وإلى رمي اليمين من الصحابة (وزعيمه عثمان، وعبد الرحمن ابن عوف وطلحة رضي الله عنهم) وغيرهم من التآمر على اليسار لدرجة أنه حملهم مسؤولية قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي جعله الكاتب زعيم الوسط الذي انتهى ثورياً... ولهذا قتل بمؤامرة يمينية أداتها أبو لؤلؤة المجوسي؟!
وهو تحليل متهافت يعتمد على أوهام مختلقة اختلاقاً لكي يستفيد منها صاحب (المذهب) على حساب أية (منهجية علمية).
أما أبو ذكر وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما – فهما أبرز زعماء اليسار... وبعد جهاد ومعاناة نجح اليسار في تولي السلطة عندما وصل علي رضي الله عنه إلى الحكم!
وهكذا نجد أسلوباً فجاً في تشريح الوقائع وهو أسلوب لسنا بسبيل الرد عليه فلقد عالجته دراسات كثيرة وأصبح الآن كلاماً ممجوجاً لعل أصحابه أصبحوا يخجلون منه.
لكن هذا الغزو المادي لتاريخنا – في كل مراحله ولاسيما الفترة الأولى – ظهرت له تكتلات متعددة متعاونة مستخدمة قدرتها الجلية، ومستخدمة الثقافة التقليدية التي حصر كثير من أصحاب الاتجاه الإسلامي أنفسهم فيها.
والحقيقة أن غزو (التفسير المادي) لتاريخنا، لم يقف عند حدود الماركسيين وحدهم، ولا عند حدود اليساريين الذين يقولون أنهم يرفضون الماركسية في العقيدة ويقبلونها في الرؤية للتاريخ... وإنما تجاوز الغزاة هؤلاء إلى قطاع كبير من المؤرخين الذين أصبحوا – بحسن نية غالباً – يركزون على تأثير العوامل الاقتصادية ويبالغون في قدرتها، حتى لتكاد العوامل الأخرى العقيدية والفكرية والأخلاقية والاجتماعية وغيرها من العوامل الفاعلة في التاريخ تتضاءل أمام هذا التركيز على دور العامل الاقتصادي... مع أن التاريخ يمدنا بعشرات من الحركات التي ضحَّى الناس فيها بحياتهم وأموالهم وأوطانهم في سبيل القيم الأعلى للإنسان في هذه الحياة. وبالطبع لا يعني هذا – من جانبنا – إنكاراً لدور العامل المادي أو تقليلاً لشأنه!.
[وللمقالة تتمة]
المصدر: مجلة المسلم المعاصر، رجب، شعبان و رمضان 1406 - العدد 47
الحلقة السابقة هـــنا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


