بسم الله الرحمن الرحيم ,الحمد لله رب العالمين,و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين:
أما بعد: فإن ثورة أهل الشام المباركة قد كان لها من الفوائد و الخيرات على مستقبل أمتنا و صياغة خطواته
ما لو سجدنا لله رب العالمين من الآن حتى نلقى الله عز وجل لم نقدر لله قدره,و لم نشكره حق شكره, و في مقدمة ذلك أنها فضحت على رؤوس الأشهاد من خدعونا زمنا طويلا بذريعة أن اتصالهم بالنظام إنما كان لخدمة الإسلام!
فإذا بثورة المساجد في الشام تميط اللثام عن فساد طويتهم ,و تنشر على رؤوس الأشهاد خبيئة نفوسهم , و هو الأمر الذي لم تنفع معه كل المحاولات اليائسة التي بذلوها لإصلاح صورتهم , وستر حقيقتهم عقب انفجار تلك الثورة المباركة في وجوههم و وجوه أسيادهم من فوقهم!
و في هذا يحضرني قول الإمام ابن عطاء الله السكندري _رحمه الله_في إحدى حكمه العطائية حين قال :( من أسر_بتشديد الراء_ سريرة ألبسه الله رداءها),إشارة إلى أن الله عز و جل لا يمكر به أبدا,
و إلى أن ما يبدو للوهلة الأولى أنه خداع لله تعالى و عباده ما هو سوى إمهال من المولى و استدراج, و أن مكره_ جل و علا_ يبطل كيد الخبثاء الماكرين من خلقه,
و يجعله يتبخر كأن لم يكن يوما ,و كأن لم يغن طغاته بالأمس !.
هذه الحقيقة الجلية التي هي إحدى أسرع مكتسبات الثورة السورية في الشام حضورا, ما تزال معالمها غير واضحة عند بعض المسلمين ,لأنهم طيبون ,فهم يتورعون عن الوقوع في لحوم هذا الصنف الفاسد من العلماء بدعوى أنها مسمومة!
غافلين عن حقيقة أن العالم_بكسر اللام_ الذي يدخل في عموم قول الإمام ابن عساكر: "اعلم أخي المسلم وفقني الله و إياك لطاعته و سلك بنا سبيل أحبائه أن لحوم العلماء مسمومة, و عادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة ,و من أطلق عليهم لسانه بالثلب_أي:بالعيب_ ابتلاه الله قبل موته يموت القلب, فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم"_عن كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي_
إنما هو العالم الذي وقف على ثغر من ثغور الإسلام أمينا عليه, يفتديه بروحه و ماله و عياله, يذود عنه بوقته و جاهه و حياته و رخائه, أما الذي سلم أمانة الثغر الإسلامي لأعداء الأمة لقاء عرض من الدنيا قليل ,فأهان نفسه ,و أهان علمه, و عرض أمته و إسلامها و عقيدتها و حاضرها و مستقبلها لخطر العدو الداهم الذي يتربص بها , حين تقدم إلى هذا العدو متزلفا إليه بمفاتيح الحصون المنيعة !موجها إلى أبناء عقيدته الطعنة القاتلة من الخلف , ثم رضي أن يجعل من نفسه جسرا حقيرا يطؤه الأعداء للوصول إلى قلب القلعة والعرض و الدار, فهذا العالم لا يدخل في عموم النص السابق,و إنما في خصوص نصوص شرعية أخرى تحذر من علماء الدنيا الذين يعشقون المال و الجاه و السلطان و لو على حساب المسلمين وعقيدتهم وإسلامهم في غفلة تامة عن مقام و سطوة الديان الذي يعلم السر و أخفى,و الذي لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا و يحصيها عليهم, ثم يقاضيهم عليها!
نصوص شرعية تكتمل بها الصورة ,و هي تتناول العلماء المفتونين الضالين غير الملتزمين ,
من نحو قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه : "يؤتى بالرجل يوم القيامة فتندلق أقتابه ,فيدور حولها كما يدور حمار الرحى ,فيجتمع عليه أهل النار,فيقولون: ألست فلانا الذي كنت تأمرنا بالمعروف ,و تنهانا عن المنكر؟ فيقول:كنت آمركم بالمعروف و لا آتيه,و أنهاكم عن المنكر و آتيه!",
ومن نحو الحديث الصحيح الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا ليزادن قوم عن حوضي كما يزاد البعير الضال! فأقول :ألا هلم ,ألا هلم,_وفي رواية:أمتي ,أمتي _,فتقول الملائكة:لو تدري ما بدلوا من بعدك؟فأقول:سحقا سحقا"
, و والله الذي لا إله غيره إن لم يكن الوقوف إلى جانب نظام علماني بعثي طائفي نصيري إلحادي إرهابي مجرم, و تسويغ حربه على الإسلام ,و إعطاء تلك الحرب الحاقدة صبغة المشروعية إن لم يكن ذلك العمل الخياني تغييرا و تبديلا لما جاء به المصطفى عليه , فلا حاجة لنا في أن نبحث عن تطبيقات أخرى لأن ما يجري على أرض الشام اليوم يندرج تحت عنوان:: (انحياز علماء السلطان في الشام لأشرس حملة صهيوصفوية عرفتها أمة الإسلام)!!! فهل بعد هذا الانحياز من تبديل و تلاعب و تأويل فاسد؟و هل يعقل هذا الانحياز السافر بعد أن عمد هذا النظام إلى محاولات حثيثة في سبيل تغيير هويتنا الإسلاميةمن خلال مؤسساته التي رمى بها عقيدة شبابنا في مختلف مراحلهم بدءا مما سماه:"طلائع البعث" لأطفالنا,
و مرورا بما أطلق عليه:"اتحاد شباب الثورة"لشبابنا,و"الاتحاد الوطني لطلبة سوريا" لأبناء جامعاتنا, و انتهاء بالكذبة الكبرى لحزبه الماسوني الذي خدع به أمتنا يوم نسبه للعروبة و لبعث نهضة الأمة من جديد, حين سماه :"حزب البعث العربي الاشتراكي"!بينما كانت وظيفته الأولى غسل دماغ شعبنا بصديد الإلحاد و التطرف
في شتى المراحل و المستويات,و ما يواكب ذلك من اختلاط ماجن , و تشجيع على التحرش الجنسي , و دعوة للتبرج ,و تبرم من الحجاب ,و تشكيك في الثوابت ,و محاولة عنيدة في سبيل تحطيم المقدسات لكافة شرائح جماهيرنا, كل ذلك في مقابل تقديم الثقافة الغربية الزاحفة على مجتمعاتنا و إسلامنا على أنها بديل الخلاص لأمتنا,
إلى غير ما ذكرنا من مفاسد و اعتداءات لا تخفى على ذي لب ,و لا يغمض العين عنها إلا من طمس الله نور بصره و بصيرته معا!
هذه الحقيقة لست أول من أعلنها لكنها مرض لم يخل منه عصر’ إلا أن خطره استشرى بقوة في هذا المنعطف القاسي من تاريخ أمتنا ,لهذا وجدنا أن أول من تناوله و حذر منه رسول الهدى محمد صلى الله عليه وسلم ,و قد سار على نهجه العلماء العاملون ,و الفقهاء المخلصون, و من هؤلاء واحد من علماء القرن الرابع الهجري (325_392) يدعى الجرجاني حيث وصف حال الفريقين وصفا دقيقا لم أجده لغيره بمثله.
يقول الإمام الجرجاني أبو الحسن رحمه الله تعالى:
يَقُولــونَ لِيْ فِيْكَ انْقِبَــــاضٌ وَإِنَّمــــا .. ... .. رَأَوا رَجلاً عَنْ مَوْقِفِ الذُّلِّ أَحْجَمَا
أَرَى النَّاسَ مَن دَانَاهُمُ هَانَ عِنْدَهمْ .. ... .. وَمَنْ أَكْرَمَتْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أُكْرِمَــا
وَلَمْ أَقْضِ حَــقَّ العِلْمِ إِنْ كنت كُلَّمَـــا .. ... .. بَدَا طَمَـــعٌ صَيَّرْتُهُ لِيَ سُلَّــــمَا
وما زلتُ مُنحــــازًا بعرضــــي جانبــــا .. ... .. عن الذل أعتَدُّ الصيانةَ مَغنَـــما
إذا قِيلَ: هــــذا مَنْهَلٌ قُلْتُ قَــــدْ أَرَى .. ... .. وَلكِنَّ نَفْسَ الحُرِّ تَحْتَمِلُ الظَّـمَا
أنزهــــها عن بعض ما لا يشينـــــــها .. ... .. مخافةَ أقوالِ العِــدا فيمَ أو لما؟
فأُصــبحُ عن عيْب اللــئيم مُسَلَّمـــــا .. ... .. وقد رحتُ في نفسِ الكريم معظَّما
وإنِّــي إذا مــا فاتني الأمـــرُ لــمْ أبِتْ .. ... .. أقلب كفِّـــي إثــــره متــــندما
ولكــــنه إنْ جـــــاء عـَـْفــــوا قبــــلته .. ... .. وإن مـال لم أتبعه هـــلَّا وليتما
وأقبض خَطـْـــوي عن حظــوظٍ كثيــرةٍ .. ... .. إذا لم أنلها وافرَ العِرض مُكْرَمـا
وأُكــــرِم نفسيَ أن أُضــاحِك عابســًا .. ... .. وأن أَتلقــَّـى بالمــديح مُذَمَّـما
وكم طــالبٍ رقِّـــــي بنُعْمــاه لم يصل .. ... .. إليه وإن كان الرئيسَ المعَظِّما
وكم نعمةٍ كانت على الحُــــر نقمـــةً .. ... .. وكم مغنمٍ يعـتَدُّه الحرُّ مَغـرما
ولم أبتـذِل في خدمة العلــم مهجتي .. ... .. لأخدِم من لاقيت لكن لأُخْدَما
أأشقــى به غَرْسًـــا وأجنــيه ذِلــــــةً .. ... .. إذا فاتباعُ الجهلِ قد كان أحزَما
وإني لـــراضٍ عـن فتـًـــى متعـــــففٍ .. ... .. يروح ويغدو ليس يملك درهـمًا
يبيتُ يراعِـــي النجــمَ من سوءِ حالِه .. ... .. ويصبحُ طَــلْقا ضـاحكا متبسما
ولا يســـأل المُثْـــرين ما بأكـــفِّـــهم .. ... .. ولو ماتَ جُوعا عِفَّــةً وتكــــرُّما
فإن قلت: "زَنــــدُ العِلمِ كابٍ"،فإنمـــا .. ... .كبا حين لم نَحرُسْ حِماهُ وأظلَما
ولو أنّ أهـــــلَ العلــمِ صــانوه صانهم .. ... .. ولو عظَّموه في النفوسِ لعظما
ولكن أهـــانوهُ فهـــانوا ودنَّـســــــــوا .. ... .. مُحـَيــَّاهُ بالأطماع حتى تجَـهَّما
وما كل بــــرقٍ لاحَ لـــــي يستفِزنـي.. ... .. ولا كل مَن لاقَيتُ أرضاه مُنعـِما
ولكن إذا ما اضــطرني الضُّـــر لم أبت .. ... .. أقلبُ فكــري مُنْجِدًا ثم مُتْهِـما
إلى أن أرى مـــا لا أَغَـــــصُّ بذِكـْـــره .. ... .. إذا قلتُُ قد أسْدى إليَّ وأنعَـما
قال التاج السبكي رحمه الله تعالى، بعد أن أورد هذه القصيدة الفائقة العصماء في ترجمة الجرجاني: " لله هذا الشعر ما أبلغه وأصنعه! وما أعلى على هام الجوزاء موضعه ! وما أنفعه لو سمعه من سمعه!..."
هذه الأبيات الرائعة تختصر لنا صنفي علماء الإسلام و علماء السلطان ,و أننا لسنا من صنفناهم على خلفية تصفية حسابات سياسية,
لكنهما وجهان مختلفان :
أحدهما أخلص العمل لوجه ربه الأعلى, و أحسن الظن بوعده, و ارتعد قلبه من وعيده ,يرجو رحمته و يخشى عذابه, يدعوه رغبا و رهبا ,و لا يأخذه في جلال رب العزة عتاب أو لوم,و لا ترهبه الدنيا لو اجتمعت عليه,كما لا يسيل لعابه لما يقدمه له الأعداء من ِشهوة محرمة أو إغراء.
والآخر طامع في الحياة, باحث عن فرصة دنيا أو ظهور ,غافل عن وعد الله و وعيده ,ذليل هان عليه أمر دينه, فالدنيا هي أكبر همه ,وهي مبلغ علمه, والدين هو وسيلته التي نصب منها جسره للوصول إلى زخارف فانية من تلك الدنيا !
فهذان الوجهان هما اللذان أفرزا لنا فريقين متضادين في كل شيء و لو كانا يحملان العنوان الإسلامي ذاته!
ركز معي أيها القارئ الكريم في كلام الجرجاني و هو يقول:
أرى الناس من داناهم هان عندهم...........و من أكرمته عزة النفس أكرما
تجد قولا فصلا في الطائفتين. و في قوله:
و لم أقض حق العلم إن كنت كلما ...............بدا طمع صيرته لي سلما
و قوله:
و كم نعمة كانت على الحر نقمة......
و قوله:
أأشقى به غرسا و أجنيه ذلة؟!_يشير إلى العلم_..........إذا فاتباع الجهل قد كان أحزما
و قوله:
و لو أن أهل العلم صانوه صانهم....وقوله:و لكن أهانوه فهانوا....
و قوله :
و ما كل برق لاح يستفزني.............و لا كل من لاقيت أرضاه منعما
عند هذه النقطة ننتهي من الجزء الأول من هذا المبحث على أمل اللقاء بكم في الأجزاء الأخرى منه
راجيا من المولى عز و جل أن لا تحرموني من دعوة صالحة في ظهر الغيب , و من ملحوظة بناءة,
و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


