شهادتي الشخصية على فساد النظام مما يستتبع فساد من والاه من علماء السلطان.
بسم الله ,الحمد لله ,والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أما بعد: فقد أرسل إليّ أحد الإخوة الكرام مشكوراً اعتراضاً على تدوين شهادتي الشخصية على فساد نظام أجمع القاصي و الداني على فساده ,و أن الشهادة تطلب وقت الترجيح ,و لا حاجة للترجيح هنا بسبب إطباق الموضوعيين من أبناء القارات الخمس على فساد النظام و ظلمه و دمويته و إرهابه و محاربته للإسلام!
الجواب: قلت في الحلقة السابقة إنها شهادة أمام الله تعالى قبل أن تكون شهادة أمام الجماهير التي نعاصرها, و إنها لشهادة للأجيال و التاريخ قبل أن تكون إقامة لحجة على من انحرف ممن ضلّ الطريق من عالم أو تاجر أو شبيح ممن انتسب لأهل السنة والجماعة, فصار عن طريق أهل الحق في تيه و بعد حتى صدق في هؤلاء القول: إنّهم قوم عمي!
إنني أعتقد أننا أحوج ما نكون في هذا الوقت لأمثال هذه الشهادات بعد أن وجدنا من أهل العلم الغارقين في وحل الدنيا من ما يزال إلى هذه اللحظة الحرجة من تاريخ أمتنا يدافع عن نظام الجريمة و الإلحاد و الطائفية في الشام ,يفعل ذلك بكل ما أوتي من وقاحة وانحطاط وقذارة نفس, وانحياز للجاني على حساب الضحية, حتى و إن كان الإسلام نفسه هو الضحية ,بعد أن وقف الحاقدون من ملحدين و بعثيين و نصيريين و صفويين على رأس المقصلة لخنق صوته , و جزّ رقبته ,و نحر أهله, و تغييب وجوده من ساحة حاضر الأمة و مستقبلها!!!.
هذا كله يدفعني للمضي بقوة في سرد المشاهد التالية من شهادتي التاريخية بكل دقة و أمانة دون أن يغيب عن تدويني التعليق المفيد.
المشهد الثاني: في الصف الأول الإعدادي من مدرسة أبي حيان التوحيدي في الميدان ,تمّ التحقيق معي على خلفية اكتشاف روايتي "عمالقة الشمال" و "عذراء جاكرتا" الإسلاميتين في حوزتي, للكاتب الشهير نجيب الكيلاني ,بعد أن قمت بإعارة تلك الروايات المفيدة لبعض الطلاب في المدرسة ضمن نشاطات دعوية كنت أمارسها مبكراً للتعريف في الإسلام انطلاقا من المدرسة التي كنت أرتادها ,والبيئة الإسلامية التي كانت تحتضنني, وهي الروايات التي كنت قد حصلت عليها من مكتبة جامع العلامة الشيخ حسين خطاب _جامع القاعة سابقا في حي الميدان_ الذي كنت قد التحقت فيه لتلقي المبادئ الأولية للعلوم الشرعية!!! فأيّ تقييد للحريات ذاك؟! ,وأيّ هيمنة أمنية تلك التي واكبت مسيرة حزب بعثي أسسه نصرانيّ ,و قاده نصيري من أصل يهودي ,و فجر حقد إرهابه زمرة من تلامذة الصهيونية الماسونيين الذين تسلطوا على رقاب الخلق في سوريا الشام فسلبوهم كل ما لديهم من حقوق وحرية و كرامة!!!
إنهم بالرغم من جلوسهم على كرسيّ السلطة إلا أن فرائصهم ترتعد من أيّ نشاط ثقافي نظيف يعيد الأمة إلى حياض خالقها ,تلك الحياض التي ما جاؤوا إلا لتدميرها, و نزعها من ذاكرة الأجيال ! لكن هيهات, ثم هيهات ,ثم هيهات, فهل قرأ أولئكم الأقزام قوله تعالى : " يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ,و يأبى الله إلا أن يتمّ نوره و لو كره الكافرون"_سورة التوبة:الآية:32_
و قوله تعالى من الآية أخرى : " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ,و الله متمّ نوره و لو كره الكافرون"_سورة الصف:الآية:8_
فالآية الأولى الجملة فيها فعلية و هي تفيد عند أهل اللغة الاستمرار التجدّدي, بينما الآية الأخرى الجملة فيها اسمية و هي تفيد عندهم الاستمرار الثبوتي, و في كلا الحالتين فإنّ نظام البعث النصيري و من كان على شاكلته من طغاة متجبرين في شتى بلاد العروبة والإسلام جميعا هم أحقر من أن يطفئوا نور الله تعالى في قلوب شعوب مؤمنة, أو يخمدوا جذوة الإيمان في أفئدة تجذّر فيها نور الحق المبين ,فكيف إذا كنا نتحدث عن إسلام أهل الشام من شهد لهم القرآن الكريم و السنة النبوية الشريفة بالخيرية, فما أمر هؤلاء مع دين قال الله عز و جلّ فيه: " إنّا نحن نزلنا الذكر و إنّا له لحافظون" إلاّ كما قال المثل العربيّ: "فما ضرّ السحاب نباح الكلاب", و المثل الآخر: "ما ضرّ نهر الفرات يوما أن خاض بعض الكلاب فيه", ووالله مهما طال الزمن فسيغادرون و من معهم من أبواق علماء السلطان و كأنهم لم يمرّوا من هنا يوما, و سيبقى الإسلام شامخا,و سيبقى علماء الإسلام شامخين بشموخ الإسلام.
المشهد الثالث :في المرحلة الدراسية ذاتها دخل إلى صفنا موجّه طلاب الأول الإعدادي,ثم قال بصوت عال :من فلان؟ _و ذكر اسمي_ فلما أجبته ب"نعم" قال لي: مبارك لقد تم ضمّك إلى صفوف اتحاد شبيبة الثورة ,لأنك متفوق على أقرانك ! _إذ كنت بتوفيق الله تعالى الأول على طلاب مدرستي بلا منازع _ فصعقت من النبأ ,لأنني كنت أنظر إليهم نظرة ارتياب لاسيما إثر تجربتي المأساوية معهم في طلائع البعث قبل سنتين ,و بسبب ثقافتي المبكرة التي تلقيتها من ارتياد بيوت الله عزّ و جلّ , فما كان منّي إلاّ أن رفضت العرض المغري بالانضمام إلى صفوفهم ,بيد أني التزمت سبيل الحكمة خشية على نفسي من انتقامهم, فتعللت بأنّ لديّ مشاغل في جامع القاعة الذي كنت أحفظ فيه كتاب الله تعالى وأتلقى في حلقاته دروسا خاصة في الفقه و العربية , و لولا أن الموجّه آنذاك كان ينتمي لأحد مساجد دمشق _أحد مساجد زيد_ لكان لرفضي عواقب أخرى, لكنّه وإن كان موظفا ينفذ الأوامر ,وما تترتب عليه سياسة الدولة من التزامات, إلا أنه استثمر موقعه بما يرضي الله تعالى في سبيل إنقاذي من الوضع المحرج الذي وقعت فيه, فحمل الموضوع على الوجه الحسن حتى طوي ملفه بصورة هادئة فحفظني الله عز وجلّ تارة أخرى , فجزاه الله تعالى عني كلّ خير أينما كان.
المشهد الرابع : وفي الثاني الإعدادي فرض نظام البعث على طلاب الإعدادي دروساً إضافية فيما كان يعرف بالفتوة_ بضم الفاء و التاء وتشديد الواو_ حيث ضرب لتلك الدروس وقتا حدّده قبيل صلاة الجمعة سعيا منهم إلى إشغالنا عن صلاة الجمعة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا, _أي: كانت تؤدى تلك اللقاءات في المدرسة و خارج الدوام الرسمي من يوم العطلة الأسبوعي الجمعة_ ,وهناك حصل موقف لا أنساه في حياتي, حيث وقف المحاضر متحدثاً_وكان أكبر منا سنّا بقليل, و كان من حماه, و أظنه كان سنيّا_ معرّفا منظمة اتحاد شبيبة الثورة بأنها : ( منظمة هادفة مرادفة لحزب البعث العربي الاشتراكي)!, وأنّ كلا المنظمتين تقومان على أرضية الفكر الاشتراكي!, و أنّ الإسلام لا يعارض الاشتراكية على نحو ما يروّج بعضهم !, و أنّ أول اشتراكي في التاريخ الإسلامي هو الصحابي أبو ذر الغفاري! وأظنّه أشار إلى كتاب علماني خبيث اشتهر باسم:"اشتراكية أبي ذر"!!!عند هذا الكلام الاستفزازي قمت بشجاعة الشاب المسلم الغيور فسألته: هل الاشتراكية أقدم أو الإسلام؟فأجاب :إنه الإسلام, فتابعت استدراجه قائلا: أنت تقول : الإسلام يؤيد الاشتراكية, و الإسلام متقدم على الاشتراكية, إذن : فلندع الاشتراكية ,و لنأخذ بالأصل الذي نعتمد عليه ,و نستند في التوثيق به و هو الإسلام.
هنا ثارت ثائرة هذا الوصوليّ, فانتفض أمام الطلاب غاضبا, و قال لي بصوت ذي نبرة عالية : أتريد أن تعلّمنا ما نقول؟ثم أنزلني إلى مدرب الفتوة في غرفته الخاصة في مدخل المدرسة للتحقيق معي ,و قد كان يرتدي زياً عسكرياً و كان سنياً أيضاً! فما كان من هذا الأخير إلا أن أوجعني ضرباً على راحة يدي, و على جنبي, و في كل اتجاه لا يؤذيني من جسدي لكنه كان ضرباً مبرحاً, و كنت أصرخ من الألم حتى وصل صراخي إلى سمع الطلاب في الأدوار العلوية, وكنت مشدوهاً من الألم الذي حطّ رحله في معظم جسدي!ومن الغضب الذي كشر عن وجه مكفهر لا أعرفه في وجوه من هم في مقام الآباء من الأساتذة, و أنا لا أدري لماذا ينزل بي كل هذا التعذيب ,لكنني بالرغم من ذلك كله _و بتثبيت من الله لي _لم أصب بالخور, فقد عدت إلى الصفّ من جديد و في عيوني المزيد من التحدي الذي ما زال يلازمني حتى اليوم ,و كأنّ بريق عيوني يقول لهم : أردتموني طليعياً شبيبياً بعثياً فما كنت إلا موحداً إسلامياً محمدياً, وأنا الذي تربيت في مدارس نظامكم ! وترعرعت على فاسد مناهجكم ! لكنّ ينبوع الإسلام الصافي ,ومعين مائه العذب الزلال كان كافياً لغسل عفن أفكاركم و تطهيرها من فاسد رجسكم على الدوام ,تماماً على غرار ما حصل مع أسيادكم في فلسطين حين خرج رجال الإسلام من سلطان دولة الطغيان الكبرى دولة الإرهاب إسرائيل التي أوجدتكم و بها كنتم, فثاروا عليها وسيقوضونها تقويضاً كما سنقوّض دولة طغيانكم تقويضاً, وسيعمّ الإسلام والسلام كافة ربوع الشام و ديار الإسلام بعد أن نجتث الأستاذ و التلميذ من خريجي مدارس القوم اللئام! .
وتدور الأيام, وتتوالى الشهور والسنون ,ثم على غير موعد أو ترتيب مسبق يشاء الباري عزّ و جلّ أن ألتقي مع مدرّب الفتوّة_ الذي أوجعني ضربا يوما_ وجها لوجه في مكان قريب من مدرسة التوحيدي في الزاهرة من حي الميدان موضع الحدث السابق, ليشهد المكان حدثا لا يقلّ غرابة عن الأوّل, حيث جرى معي هناك ما لم يكن في حسبان أحد أبدا, و إليكم رصد المشهد الرابع من الموقف الذي أصابني بالدهشة مرتين :
مرة عندما ضربني أستاذي _و عهدي بالأستاذ أن يكون رحيماً_و ظلّ يضربني بلا هوادة حتى أوصل صراخي إلى الصفوف العليا و من فيها من طلاب و مشرفين! و مرة أخرى عندما أخذ ذات الأستاذ يعتذر لي في الطريق متواضعاً عما نزل بي على يديه سابقا من ضرب مبرح ,معللا ذلك بأنه إنما كان فيما أوقعه عليّ من ألم رحيما معي! و كاد الرجل يقبّل يدي طالبا الصفح, و هو يقول : أنا أحبك يا محمد ,و خاصة عندما علمت أنك حافظ لكتاب الله تعالى , لكن _و الله_ لو لم أفعل ما فعلت لكانت (الكلبشات) ,_أي:القيود و السلاسل_ قد وضعت منذ ذلك الوقت في يدي قبل يدك ,لكنني جعلت الأمر ينتهي عندي رحمة بك و بي ,و إني ما زلت منذ ذلك الوقت أتحين الفرصة لألقاك و أعتذر منك, و أشرح لك ما خفي عليك يومئذ, و أطلب الصفح و العفو منك! أمام هذا المشهد لم أدر ماذا أقول فقد دهشت من حبّه لي , و تواضعه بين يدي , و اعتذاره مني , بينما لم أنس بعد شدة العصا التي كان يضربني بها بكل قسوة ,فما كان مني إلا أن أجبته و قد تلعثمت الكلمات على لساني: أنت أستاذي ,و إني لم أبغضك ,وقد أجبت الآن على تساؤلاتي,فسامحك الله, ثمّ دعوته ليكون ضيفا علينا في منزلنا القريب لكنّه اعتذر, ومن ثمّ افترقنا و الدهشة لم تبرح كياني ,و لم ألتق به بعد حتى كتابة هذه الكلمات!
إنه النظام في قسوته و جبروته و إرهابه و تسميمه لأفكار الناشئة , هو من يدفع الأستاذ و التلميذ لموقف غامض غير مفهوم! ألا لعنة الله على طغاة سوريا الظالمين,و على أسيادهم في تل أبيب ,الذين يغطّون جرائمهم في مقابل أن يظلّ نظام البعث كلب حراسة ينبح على كلّ مجاهد وطنيّ حر يحاول العبور نحو القدس و الأقصى وفلسطين لتحريرها و تنظيف جسدها المبارك من رجس عصابة الإرهاب إسرائيل التي جثمت على صدر شعب فلسطين الأبيّ في الوقت الذي سلّطت فيه نظام الأسد ليجثم على صدر شعب سوريا الأبيّ ,لكنّ قضاء الله المبرم أن يسقط السيد الصهيوني في فلسطين الشام و التلميذ الصفويّ في سوريا الشام في يوم كان قد قدّره الله و قضاه.
ألا لعنة الله على طغاة الشام ,و من كان على شاكلتهم,و من يرضى بجرائمهم, و من يذود عنهم و لو بكلمة ,فإنه أسوأ منهم ,خاصة عندما يكون داعية أو شيخ فتوى. ألا لعنة الله على علماء السلطان ,سائلا المولى عزّ و جلّ _إن لم يرجعوا عن غيّهم,و يتوبوا إلى ربهم_ أن يحشرهم مع سيدهم طاغية الشام بشار,و والده الهالك المقبور,و سائر النصيريين و الصفويين الذين اغتصبوا حرائر المسلمين,و انتهكوا حرمات المساجد و المصاحف و الموحدين. آمين.آمين.آمين.و آخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
و إلى لقاء قادم بإذن الله في الحلقة السابعة من هذه السلسلة .
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


