العفو متلازم مع العز

العفو متلازم مع العز

التصنيف: فقه الدعوة
الاثنين، ٦ ربيع الأول ١٤٤٦ هـ - ٩ أيلول ٢٠٢٤
181

ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا:


أخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثَلَاثٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنْ كُنْتُ لَحَالِفًا عَلَيْهِنَّ لَا يَنْقُصُ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ فَتَصَدَّقُوا وَلَا يَعْفُو عَبْدٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا، وَلَا يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ "(1).


أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ من عَفَا عن قدرة زاده الله مَجدًا وعزًا، وَرَفَعَهُ بِعَفوِهِ قَدْرًا وفضلًا !


آهٍ يا مسلمون ! آهٍ يا غافلون ! كَأَنِّي بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَشْرِفُ أن قلوبًا من أمته سَتَأْتِي لا تُصَدِّق كلامه من أول مرة، فَرَاحَ يُقسِمُ أنَّ من عَفَا عَزَّ؛ علَّهم أن يصدقوه ! أبقي في فؤادك شك؟! أبقي في صدرك ريب !


وتأمل رحمك الله أن عزتك لن تُخدَشَ قط بل ستزداد؛ ذلك أن العَافِي وَاهبٌ متصدقٌ يُعلِنُ الوداد(2) !


فهذا صفوان بن أمية من الذين بالغوا في أذية النبي صلى الله عليه وسلم وصَحبه، وفي يوم فتح مكة هَامَ على وَجههِ خائفًا بصفته زعيمًا من زعماء قريش، وَشَدَّ رِحاله صَوب جدة يبحر منها إلى اليمن، فاشتد إشفاق صديقه عمير بن وهب عليه، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: إن صفوان سيدُ قومه، وقد خرج يقذف نفسه في البحر، فَعَفَا عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: هو آمن ! فقال عمير: أعطني آية يَعْرِفُ بها أمانك ! فأعطاه عمامته التي دخل بها مكة، فَلَحِقَهُ عُمير وَهُوَ يُريد أن يركب البحر فقال له: يا صفوان.. الله اللهَ في نفسك أن تُهلِكَهَا، هذا أمانُ النبي صلى الله عليه وسلم جئتك به؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَبَرُّ الناس، وأحلمُ الناس، عزُّه عزُّك، وشرفه شرفك، فرجع به، ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: اجعلني بالخيار شهرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت بالخيار أربعة أشهر ! ثم أسلم بفضل الله تعالى(3) !


فهذا كان منهج النبي صلى الله عليه وسلم مع الذين آذوه، فرفعه الله تعالى في قلوب العالمين، اللهم إلا أن تُنْتَهَكَ حرمات الله عزَّ وجلّ ! فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: " مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عزَّ وجلّ " (4).



أَلَا تَكُون كَنَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم الذي لم ينتقم لنفسهِ قطُّ، وإنَّهُ لأشرف الناس، وأكرم الناس، فكيف بك وأنت دُونَه؟! فَكُنْ عَاقِلًا، وقل: آذاني الناس بذنبي، وَسَلَّطَهُم ربي عليَّ بخطيئتي، فَمَن أراد اللهُ أن يُتْحِفَه؛ قَيَّضَ لَهُ مَن يظلمه !


ويلات الشجار:


أخرج البخاري في صحيحه من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: " إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ " (5).


وأخرج ابن ماجه في سننه من حديث عائشة ل أنها قالت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ؟ قَالَ: " تَقُولِينَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي " (6).


أفاد الحديث الأول أن ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر رُفِعَت لِخُصومةٍ بينَ رجلين، وأَفَاد الحديث الآخر استحباب كثرةِ الضراعة إلى الله في ليلة القدر بقول العبد: " اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي "


وصفوة القول فيهما: إنَّ من طلب عفو الله تعالى، خاصة في أجل الليالي، فعليه أن يتبرأ من كل خلاف، وينهي كل خصومة وبغضاء !


فَمِنَ الحَمَاقةِ والسفاهةِ أن يَتَضرعَ العبدُ لِرَبِّهِ أن يعفو عنهُ، وَهُوَ يَأبَى العفوَ عَن أَحبابِهِ وَإخوانِهِ !


وَمِنَ الحَمَاقَةِ والسفاهةِ أن يَطْلُبَ العبدُ مغفرةَ رَبِّه، وهُوَ يأبى مغفرة زلات أرحامه وجيرانه!


ورحم الله منصورا الفقيه الذي أتحفنا بشعره قائلًا:

وقـال نبيُّنـا فيمـا رواه *** عن الرحمن في علم الغيوب

محالٌ أن ينال العفو من لا *** يمنُّ به على أهل الذُّنـوب(7)


فثبت بهذا أن عفوك عن الناس ليس تفضلًا مَحْضًا منك، إنما هو تَذَلُّلٌ منك لربكَ عَساه يعفو عنك بعفوك عن أخيك ! وقد ورد هذا المعني جليًا في قول الله تعالى: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[التغابن: 14]، وقول الله عزَّ وجلّ: {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 149]


إن من غفر ذنب أخيه، وتجاوز زلل العاقل والسفيه، عفا الله عنه وحباه، وَقَرَّبَهُ واجتبَاه ! فأخبرني بالله عليك، مَنِ العزيز من الذليل.. صاحب العفو أم صاحب القلب الحاقد العليل؟!



(1): مسند أحمد، رقم الحديث: (1674)، (3/208)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم (814).

(2): ابن الجوزي / كشف المشكل من حديث الصحيحين ص (1041)، الصنعاني / سبل السلام (4/208).

(3): المباركفوري / الرحيق المختوم ص (390).

(4): صحيح مسلم، رقم الحديث: (6195)، (7/80).

(5): صحيح البخاري، رقم الحديث: (49)، (1/22).

(6): سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (3850)، ص (634).

(7): ابن عبد البر / بهجة المجالس وأنس المجالس ص (80).


تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...