سعد بن أبي وقاص
وكان رضي الله عنه أيضاً من السابقين للإسلام، ويروى أنه كان رابع أربعة، أي بعد أبي بكر، وعلي، وزيد بن حارثة، رضي الله عنه أجمعين، وقد كان حين اسلامه شاباً يافعاً، في السنة السابعة عشرة من عمره، وقد كان باراً بوالدته، إلا أنها لم ترض عن اسلامه، وحاولت أن تثنيه عن طريقه فلم تفلح وأخيراً أعلنت اضرابها عن الطعام والشراب، حتى يعود إلى دين آبائه ورغم أن أمه أشرفت على الهلاك، فإن ذلك لم يحمله على التفكير في الاستجابة لرغبتها، لقوة إيمانه وثباته على دينه وحرصه على رضا ربه، وأنزل الله في قرآنه: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: 15].
وعندما وقعت الفتنة بين علي ومعاوية، كان قلبه يتفطر للدماء الزكية التي كانت تذهب حينما يقتل المسلم فيها أخاه المسلم، ولذلك وقف على الحياد،ورى أن هذا أسلم له في دينه.
وكان رضي الله عنه من الذين وقفوا أنفسهم للجهاد في سبيل الله، ومحاربة الكفر و الطغيان، في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي عهد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين، وقد شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبلى فيها البلاء الحسن، وقد تمنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة أن يحرسه أحد أصحابه فتقدم سعد لهذه المهمة، حرصاً على رضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي حديث جابر قال: كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأقبل سعد، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «هذا خالي: فليرني امرؤ خاله» رواه الترمذي،وقال: كان سعد وأم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بني زهرة.
وقد استمر رضي الله عنه يجاهد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في سبيل الله ولدعم دعوته، حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجه ربه سبحانه.
وفي عهد الخليفة عمر كانت له مواقف عظيمة في القادسية والمدائن وغيرهما فرضي الله عنه.
سعيد بن زيد
كان رضي الله عنه، السابقين الأوائل للإسلام،وكان هو وزوجته أم جيل أخت عمر بن الخطاب رضي الله عنهم السبب في اسلام عمر، وقد تعرضا لعنف عمر على إسلامهما، قبل أن يشرح الله صدره للإسلام، وقد أخرج البخاري عن قيس بن حازم قال: سمعت سعيد بن زيد في مسجد الكوفة يقول: والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على السلام أنا وأخته قبل أن يسلم عمر، ولو أن أحداً انقضى للذين صنعتم بعثمان لكان محقوقاً أن ينقضي.
وقد هاجر إلى المدينة، وشهد المشاهد كلها مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما عدا غزوة بدر، وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسهم لهما، وظل رضي الله عنه في كفاح ونضال في سبيل الله، مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن لحق بالرفيق الأعلى، ثم استمر مع خلفاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في جهاده وتضحياته إلى أن توفيق، رضي الله تعالى عنه.
أبو عبيدة عامر بن الجراح
اسمه عامر بن عبد الله بن الجراح، وكنيته أبو عبيده، ولقبه الأمين، كان من السابقين للإسلام، على يد أبي بكر رضي الله عنهما، وقد كان اسلامه قبل أن يتخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دار الأرقم نادياً للدعوة السرية إلى الإسلام.
وفي غزوة بدر تعرض لامتحان خطير، لا ينجو منه إلا ذوو النفوس الكبيرة، والعقيدة السليمة، إذ تعرض له أبوه، وما وجد بداً من قتله وإشهار سلاحه ضده، انتصاراً للإسلام وحماية له من خصومه، وفيه نزل قوله تعالى:﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22].
روى ابن عساكر عن موسى بن عقبة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث عمرو بن العاص على رأس سرية إلى ارض الشام، وهي التي سميت غزوة ذات السلاسل.
ولما أوغل عمرو في أرض الشام خاف أن يهزم فطلب المدد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأمده بسرية من المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر وعمر بن الخطاب، وجعل آمر السرية أبا عبيدة.
فلما وصل المدد إلى عمرو طلب أن يكون الأمير على الجيش كله وكاد يقع خلاف بينه وبين أبي عبيدة، لكن اخلاص أبي عبيدة وبعد نظره وحرصه على وحدة المسلمين وقوتهم جعلته يتفادى ذلك كله، بالنزول على رأي عمرو بن العاص، والتفرغ لقتال الأعداء، ومجابهتهم بجيش موحد، تحت قيادة واحدة.
وقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن لكل أمة أميناً وإن أمين هذه الأمَّة أبو عبيدة».
وكانت له مواقف مشهودة في بدر واحد وغيرهما، مما جعله موضع ثقة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ومحبة المسلمين وتقديرهم، رضي الله عنه.
هؤلاء هم أعلام الهدى، ومنارات الإسلام، الذي سبقوا إلى الانضواء تحت الراية المحمدية، يغترفون من محمد رسول الله، ما يطهر نفوسهم ويزكي أرواحهم، ويجعلهم جنوداً للرحمن، محاربين للشرك والظلم والطغيان وكانوا جديرين بأن يتوجوا بتاج الرحمن والبشرى بالجنة والنعيم المقيم.
بدر القرن العشرين
انني وقد أوضحت بعض ما يستحق أولئك الأخيار الأطهار من تقدير وتنويه بسبب مواقفهم المشرفة في حفظ بيضة الإسلام، ودعوة الإسلام، ورسالة الإسلام، ومقدسات الإسلام، أريد أن استلهم من مواقف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، مع حاطب وغير حاطب، من الأصحاب الذين زلت بهم القدم، ووقعوا في بعض الآثام والأخطاء، إلا أن مشاركتهم في تثبيت الإسلام، ودعم الوجود الإسلامي، بأنفسهم وأموالهم، في غزوة بدر، وغيرها، جعل لهم في الإسلام مقاماً لا يبارى، ومكانة لا تجارى، بحيث يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم».
واليوم و الإسلام يتعرض لمحنة كبرى، في احتلال القدس مهوى أفئدة المسلمين، وقبلتهم الأولى، واستيلاء سلطات الاحتلال على المسجد الأقصى المبارك، الذي أسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليه، وعلى سائر الديار المقدسة، والأوطان المحتلة، بحيث يتطلب الموقف تضحيات هائلة، ونفوساً كبيرة تتجرد في مواقفها، وتجند أنفسها وما تملك من أموال وثروات في سبيل معركة، لا تقل خطراً عن معركة بدر الكبرى في آثارها وأبعادها، وإذا كانت معركة بدر في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثبتت قواعد الإسلام، وأرست أركانه، ورفعت رايات الدولة الإسلاميَّة فإن المعركة التي يتطلبها الموقف الحالي للمسلمين لا تقل في أبعادها وآثارها لقرون طويلة عن تلك، وأن هذا الوضع يتطلب قيادة إسلامية عربية متجردة عن هواها وأنانيتها، متفرغة للإعداد المادي والمعنوي، حتى ينتصر الحق وترفع راياته، ويعود للمسلمين عزتهم ورفعتهم، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8].
وحينئذ فإن القيادة التي تتولى ذلك، وتتوصل إلى تلك النتيجة، فرداً أو جماعة تستحق من الله تعالى كل تقدير وإنعام، ومن المؤمنين كل إكبار واحترام، والله سبحانه يختص برحمته من يشاء، وما ذلك على الله بعزيز.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
المصدر مجلة: الوعي الإسلامي السنة الرابعة عشرة، رمضان 1398 - العدد 165
الحلقة السابقة هـــنا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


